محمد عبدالواحد
فى حضرة الأجداد يلتزم الإنسان منا الصمت ويتأدب بأدب المكان، فلا يصح لك أن تقتحم بيت جدك، بل عليك أن تعرف أن للبيت قدسيته، وما صنعه جدك إلا ليصنع لك تاريخاً يعجز عنه العالم، ويجعلك تعيش لحظات الفخر والاعتزاز بنفسك.. هكذا دارت تلك الكلمات فى رأسى وأنا أشاهد حفل افتتاح المتحف المصرى الكبير، وعادت بى الذكريات تسترجع مقوماته وفكرة إنشائه واختيار موقعه، وتجسيده ليسع أبناءه ليحتل كل منهم مكانته وقوفاً بشموخ وعظمة أمام الناظرين، لترى أعينهم مقومات تلك الحضارة، التى صنعها الأجداد وحفظها الأبناء ويرعاها الأحفاد.
وما دعانى إلى هذه المقدمة هو ذاك المشهد المهيب الذى وقفت أمامه مذهولاً من تدافع الأحفاد لزيارة بيت الأجداد، للوقوف على مهارة وحرفية أبنائهم فى إعداد وبناء هذا الصرح، وليرى العالم أجمع أننا لم نصنع شيئاً نفتخر به من أجل الزهو فقط، بل صنعناه لأننا نعى أن لنا تاريخاً نرعاه ونحافظ عليه.. وكم كنت أتمنى أن نعيد للأذهان وللعالم أجمع أن حضارتنا ترتقى بنا، وأننا جميعاً على استعداد لاستضافة الزائرين ليروا بأعينهم أننا عدنا مرة ثانية ندرس ونسترجع ما كتبه الأجداد من تاريخ، يستطيع كل منا بمهارة أن يرويه للزائرين ويمحو من ذاكرتهم تلك الأفكار السيئة، التى روج لها أعداء صناعة السياحة المصرية، بأن المصريين ينتظرون قدومهم من أجل استغلالهم، وابتزاز البعض منهم والتحرش بهم، من أجل عيون حفنة من الدولارات.
كم كنت أتمنى أن نُقَسِّم الزائرين إلى مجموعات يقف بينهم ابن أو أخ، وابن عم أو ابن خال يعمل فى هيئة الآثار يروى لهم قصص الأجداد وهم يستمعون لما يرويه فى شغف وانتباه، وكلما انتقل بهم من مكان لآخر تظهر على وجوههم الفرحة، وتراهم جميعاً يلتزمون الصمت ليسترجع كل منهم ذكريات أجداده، ويرى شموخهم وعظمتهم.
نحن لسنا أقل من أحد فى التنظيم والترتيب، وإعطاء صورة مشرفة تبهر العالم، فصناعة السياحة تحتاج منا جميعاً لمقومات يجب أن نتعلمها وندرس قواعد لعبتها، ولتلك الأماكن تاريخ لابد أن يقف عليه أبناؤه قبل زيارته، وللزيارة آداب يجب أن يراعيها الأبناء والأحفاد قبل أن يحتضنوا ضيوفهم.. وكلما انتظمت تفاصيل الصورة كاملة، وبانت معالمها، تغيرت المفاهيم والانطباعات عن سوء التنظيم وبرامج الاستقبال والزيارات.
ولا مانع من أن تصطحب كاميرات التصوير تلك الزيارات للمصريين، ليرى العالم مجاميع منظمة، وهى تستمع لشرح مترجم بلغات تخاطبه وتغازل مداركه، وتفتح شهيته ليرى حضارتنا فى أبهى صورها.. ولا مانع من رفع تلك الزيارات على مواقع السوشيال ميديا مصحوبة بالكتائب الالكترونية المدربة تدريباً جيداً على الترويج والدعاية، لتعود مصر من جديد تحتل الصدارة فى تاريخ السياحة الأثرية حول العالم.