القراءة فعلُ مقاومة، والكتب ليس مجرد أوراقٍ صفت بين غلافين، بل هو جسرٌ ممتدٌ عبر الزمن يربط وجداننا بجذور الحضارة ويفتح نوافذنا على آفاق لم تطأها أقدامنا بعد، نحتفل اليوم 23 إبريل، باليوم العالمي للكتاب، وفي القلب من هذا الاحتفال تنبض القاهرة، التي طالما قيل عنها إنها "تؤلف"، لتؤكد في كل محفل أنها ما زالت حارسة الكلمة الأمينة، وصاحبة الريادة التي لا تغيب عنها الشمس، رغم كل ما يواجه صناعة النشر من تحديات اقتصادية وتكنولوجية متلاحقة، وفي التقرير التالي تستعرض الأخبار مستقبل الكتاب والنشر من وجهة نظر المتخصصين.
الدكتور زين عبد الهادي، مقرر لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة، يرسم لنا ملامح هذه القوة الناعمة بلغة الأرقام والثقة، مؤكدًا أن صناعة الكتاب في مصر تظل في مقدمة الصناعات الثقافية بالعالم العربي، يقول عبد الهادي: "تحتل مصر المرتبة الأولى بين الدول العربية بأرقام تتعدى الثلاثين ألف عنوان سنويًا خلال السنوات الأخيرة، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الكتب فلا يزال الكتاب المصري هو الأرخص، وما زالت هناك أسواق ضخمة لسوق الكتاب المستعمل سواء سور الأزبكية أو في معارض الكتب".
وأضاف هذه المؤشرات ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة استحقاق لقطاع نجح في الصمود أمام التقلبات العالمية، ومع ذلك، يطرح عبد الهادي رؤية طموحة للمستقبل لا تتوقف عند حدود المكاسب الحالية، موضحًا: "لأننا دائمًا ما نبحث عن الأفضل لبلدنا ومواطنينا وللمواطن العربي، فعلينا أن نسعى لحل أي مشكلات تعترض مسار هذه الصناعة التي يقترب عمرها من القرنين. يجب أن نقترب خلال السنوات الخمس القادمة إلى خمسين ألف عنوان سنويًا، مع التوسع في الترجمة عبر تحالفات مع شبكات نشر أجنبية، واستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في إدارة سلاسل النشر والتوزيع".
ومن جانبها طرحت الناقدة غراء مهنا رؤية نقدية طموحة لمستقبل صناعة الكتاب، مؤكدة أن الارتقاء بهذا القطاع يتطلب أولاً التحرر من "مجاملات النشر" التي قد تؤثر على جودة المنتج الثقافي، وشددت مهنا على أن نقطة الانطلاق الحقيقية تكمن في اختيار مواضيع تلامس احتياجات القارئ وتجذبه بذكاء، مع ضرورة وضع سياسات ومعايير نشر دقيقة وواضحة يشارك في صياغتها كافة أطراف العملية الإبداعية، من دور نشر وقراء ومتخصصين.
وأشارت مهنا إلى أن تبني هذه المعايير المحددة والسياسات المعلنة هو النهج المتبع في الكثير من دول العالم المتقدمة في هذا المجال، وهو الضمانة الأكيدة لتحقيق نقلة نوعية في مستقبل الكتاب، سواء في مصر أو على المستوى العالمي.
يؤكد الأستاذ الدكتور شريف شاهين أن الكتاب ظل عبر التاريخ لسان حال المجتمعات والمرآة الصادقة التي تعكس الحالة الثقافية والفكرية للأفراد والمؤسسات على حد سواء. ويوضح أن مسيرة الكتاب بدأت كمخطوطات يدوية قبل عصر الطباعة، ثم انتقلت لمرحلة الانتشار الواسع بفضل الطباعة التي مكنت من إنتاج نسخ هائلة وتوزيعها عالمياً عبر مختلف المنافذ البرية والبحرية والجوية.
ويرى د. شاهين أن مطلع التسعينيات مثل نقطة تحول كبرى مع ظهور الشبكة العنكبوتية، التي أحدثت ثورة في صناعة النشر مستثمرةً طفرات التكنولوجيا لتقديم محتوى معرفي وعلمي وترفيهي يتجاوز الحدود التقليدية. أما اليوم، فقد دخلت الصناعة مرحلة جديدة مع قفزات الذكاء الاصطناعي التي لم تكتفِ بتطوير صناعة المحتوى فحسب، بل منحت القارئ أدوات تفاعلية للمشاركة فيه، وهو ما أدى إلى حالة من الانبهار الممزوج بالتخوف المشروع على ضياع حقوق المبدعين والمؤلفين في ظل هذا التطور الرقمي المتسارع.
يرى الناشر أحمد رشاد، عضو لجنة الكتاب والنشر، أن صناعة النشر تواجه اليوم حزمة من التحديات المعقدة، فرضتها الظروف الراهنة والأوضاع الاقتصادية التي تضرب العالم أجمع وألقت بظلالها المباشرة على هذا القطاع. ويوضح رشاد أن المنطقة العربية نالت نصيباً كبيراً من هذا التأثر خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، حيث تسببت الحروب وتغير الأنظمة وإغلاق بعض الأسواق في حالة من عدم الاستقرار، وصولاً إلى أزمة جائحة كورونا التي عمقت المشكلات الاقتصادية، خاصة وأن الكثيرين باتوا يتعاملون مع الكتاب كسلعة ترفيهية وليست أساسية في ظل هذه الضغوط.
ويشدد رشاد على ضرورة ألا يقف الناشرون مكتوفي الأيدي أمام هذه التحديات، بل يجب البحث عن حلول مبتكرة وآليات تضمن استمرار هذه الصناعة العريقة. ويطرح في هذا الصدد رؤية بديلة تنظر للنشر بوصفه "صناعة محتوى" في المقام الأول، وهو محتوى يمكن توظيفه وتشكيله في قوالب متعددة، سواء كانت ورقية، أو إلكترونية، أو صوتية، أو حتى تحويله إلى أعمال درامية، مؤكداً أن هذه المرونة في التعاطي مع المحتوى هي السبيل الأمثل للاستدامة في العصر الحالي.
كما يلفت رشاد الانتباه إلى التحول الجذري في آليات الوصول للقارئ، حيث أصبح "التسويق" عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية عاملاً حاسماً لا يمكن تجاهله. ويؤكد أن المواقع الإلكترونية لدور النشر والمكتبات أصبحت تستفيد بشكل كبير من الإعلانات الرقمية للترويج للإصدارات الجديدة، وهو متغير تقني وتجاري فرض نفسه بقوة خلال السنوات الأخيرة ويجب على الناشرين استثماره بذكاء لمواكبة التغير في سلوك القارئ.
والناشرة هالة البشبيشي، عضو لجنة الكتاب والنشر، تنقلنا إلى زاوية أخرى أكثر عمقًا وفلسفية، حيث تتساءل عن مكانة الكتاب في عصر تدفق المعلومات السريع، ترى البشبيشي أن الاحتفاء باليوم العالمي للكتاب يستوجب مواجهة حقيقة تحول صناعة النشر بين إرث طويل وواقع يفرض شروطه بقسوة، تقول: "الكتاب لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة في وجود تدفق لا نهائي من المحتوى السريع، فقوة الكتاب لا تكمن في انتشاره قدر ما تكمن في الأثر الذي يتركه للقارئ؛ فهو المساحة الأخيرة للتفكير بعمق، وللتأمل، وإعادة تشكيل الوعي في خضم ضجيج لا ينتهي".
وتضيف البشبيشي أن الكتاب يحتاج اليوم إلى إعادة تعريف نفسه من خلال جودة الإنتاج، والذكاء في التقديم، والوعي في التسويق لينافس في عالم مفتوح، وتستطرد قائلة: "الرهان الحقيقي ليس على بقاء الكتاب، فالكتاب لن يختفي، ولكن الرهان على بقاء الحاجة إليه، هذه الحاجة تتطلب منا إعادة اكتشاف الكتاب بشكل يواكب واقعنا الحالي، بما فيه من معارك اقتصادية تتمثل في ارتفاع التكاليف وتراجع القوة الشرائية، ومعارك ثقافية تواجه تراجع الأولويات المعرفية أمام الترفيه المرئي، وصولًا إلى السؤال الوجودي: لماذا يقرأ الكتاب أصلًا؟".
تظل القاهرة بوصلة المثقف العربي، ويظل الكتاب المصري هو السفير الذي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول للقلوب والعقول، إن التحدي الذي يواجهنا اليوم ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في كيفية تطويعها لخدمة الكلمة المطبوعة، وفي كيفية جعل الكتاب رفيقًا يوميًا للجيل الجديد الذي يبحث عن المعرفة بضغطة زر.
إن الاستثمار في الكتاب هو استثمار في الإنسان، وفي قدرة هذه الأمة على صياغة مستقبلها بمداد من نور. في يوم الكتاب، نجدد العهد مع الورق، ونحتفي بكل كاتب، وناشر، وقارئ يسهم في إبقاء شعلة الفكر متقدة، لتظل مصر دائمًا منارة تضيء دروب المعرفة للشرق والغرب على حد سواء. كل عام وعشاق الكتب بخير، وكل عام وكتابنا المصري هو خير جليس في الزمان.