بقلم: د. أحمد خالد عبدالحميد
يأتى هذا المقال كجزءٍ ثانٍ من سلسلة مقالات تُعنى بآليات التكيف مع التغيّر المناخي، وبعد أن تناولنا فى الجزء الأول استراتيجيات التكيف فى مجال استخدام الأراضى وما يرافقه من تحديات التخطيط والتوزيع المكانى للأنشطة العمرانية، ننتقل اليوم إلى محور لا يقل أهمية: المباني، بوصفها الكيانات الأقرب لتجربة الإنسان اليومية، والأكثر تعرضًا لمخاطر المناخ المتزايدة.
يشهد القطاع العمرانى تغيرات مناخية واسعة تُهدد سلامة المبانى وجودة الحياة داخلها وخارجها، فاشتداد العواصف وما يصاحبها من انهيارات أرضية يؤدى إلى تدمير المبانى ذات الجودة الإنشائية الضعيفة، خاصة فى التجمعات غير الرسمية، كما تشكل الفيضانات خطرًا مباشرًا على المبانى القريبة من الأنهار والمناطق المنخفضة، بينما تتعرض المناطق الساحلية لموجات ارتفاع مستوى سطح البحر التى قد تتسبب فى أضرار دائمة ونزوح سكانى طويل الأمد.
ولمواجهة هذه التحديات، تُعد نظم الإنذار المبكر ورسم خرائط المخاطر من أهم أدوات تقليل الهشاشة المناخية، وتبرز الحاجة أيضاً إلى تعزيز القدرات فى المجتمعات العمرانية الهامشية عبر توفير الخبرات والموارد والبنية التحتية اللازمة للحد من تأثير الكوارث.
أما على مستوى المبنى، فتمثل الاستراتيجيات السلبية ركيزة أساسية للتكيف، من خلال تقليل اكتساب الحرارة، وتحسين التهوية، وتعزيز العزل الحراري، وتطبيق التصميم الأخضر، كما يُعد استخدام الأسقف فاتحة اللون أو زراعة الأسطح من الإجراءات الفعّالة منخفضة التكلفة، لما توفره من تخفيض للحرارة واحتجاز لمياه الأمطار ودعمٍ للتنوع الحيوي.
وتشمل المعالجات الهيكلية كذلك رفع المبانى فى المناطق المعرّضة للفيضانات، أو إعادة تأهيلها من خلال إضافة مظلات، أو أنظمة تخزين مياه، أو تأهيل عميق يرفع من قدرتها على مواجهة المتغيرات المناخية، وفى الحالات القصوى، قد تتطلب الظروف تنفيذ استراتيجيات انسحاب أو نقل السكان من المناطق شديدة الخطورة.
ختامًا، يبقى نجاح هذه الأساليب مرهونًا بالتطبيقٍ الصارمٍ والمراقبة الفعّالة، لضمان نمو عمرانى أكثر مرونة واستدامة.