بقلم: غادة زين العابدين
أخيرًا افتتحنا المتحف المصرى الكبير… الحلم الذى وُلد فى التسعينيات، وانتظرناه أكثر من ثلاثين عامًا ليصبح اليوم أكبر متحف فى العالم مخصص لحضارة واحدة، حلم بدأ فى عقل وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، وتحمس له مبارك، لكنه تعثر لسنوات، وتوقف مع أحداث يناير، ثم عاد للحياة حين رأى الرئيس عبد الفتاح السيسى بذكائه ورؤيته وإصراره أن هذا المشروع يستحق توفير كل الجهد والإمكانيات لنسابق به الزمن ، ويصبح الحلم حقيقة.
مشروع ضخم كلّف الدولة نحو 1.2 مليار دولار، ليكون رسالة للعالم بأن مصر قادرة على الإنجاز، وعلى تقديم ماضيها العظيم بروح معاصرة تعتمد على العلم والإبداع والتكنولوجيا.
الافتتاح كان مهيبًا، والصورة التى خرجت للعالم كانت مشرّفة، لكن السؤال الآن: وماذا بعد؟
هل يكفى أن نمتلك أضخم متحف ، وأعظم حضارة، وأجمل آثار، لنحقق الطفرة السياحية التى نستحقها وفقاً للخبراء ، فإنه من المتوقع بعد افتتاح المتحف أن تصل أعداد السائحين إلى 15 - 20 ألف زائر يوميًا، فهل نحن جاهزون لاستقبال هذه الأعداد بما يليق بعظمة وهيبة حضارتنا التى شهدها العالم كله خلال حفل الافتتاح؟
الحقيقة أن السياحة ليست آثارًا فقط، بل تجربة متكاملة تبدأ من ابتسامة الترحيب بالمطار، مروراً بكل ما يلاقيه السائح فى رحلته من خدمات وسلوكيات ولوجستيات والحقيقة أيضا، إننا نمتلك معالم ومزارات وامكانيات سياحية هائلة، لكننا نفتقد أحيانًا ثقافة التعامل مع السائحين، ونغفل التفاصيل الصغيرة التى تترك الانطباع فى ذهن السائح.
لا يمكن أن نظل نراهن فقط على عظمة الأهرامات وإبهار الآثار و إبداع المتاحف، وروعة الطرق، بينما بعض سائقى التاكسى وأصحاب البازارات وحتى أصحاب الكارتة والجمال عند سفح الأهرامات، يفسدون الصورة، ويسيئون لكل الجهد والإمكانيات، بسلوكيات لا تليق باسم مصر، وتترك انطباعاً سيئاً لدى السائحين ، وهو ما يجعلنا نجد أرقام السائحين أقل كثيرًا من دول أخرى لا تمتلك عُشر ما تمتلكه مصر من اثار ومعالم سياحية.
اتصور أننا مع افتتاح المتحف الكبير ،واستعدادنا للطفرة السياحية القادمة، نحتاج إلى ثورة فى السلوك والخدمات والوعى السياحى.
نحتاج إعادة تأهيل وتدريب كل من يعمل فى الأماكن السياحية والمزارات الآثرية ، ومراقبة حالات استغلال السائحين، نحتاج أيضا تحسين وتطوير بعض الخدمات مثل الانضباط المرورى، وتنوع وتطوير وسائل النقل الداخلية، والتنوع فى الفنادق لتناسب كل المستويات وتجذب أعداداً أكبر من السائحين .
أما المتحف المصرى الكبير، فيجب أن نعتبر افتتاحه هو بداية الحلم وليس نهايته، فهو ليس مجرد مبنى تم الانتهاء من تجهيزه وافتتاحه، بل هو اختبار لقدرتنا على إدارة حضارتنا الحديثة كما أبدع أجدادنا فى إدارة حضارتهم القديمة، وأتمنى أن يحتفظ هذا المتحف برونقه وانضباطه وجماله، وأن نحرص على إدارته بمواصفات عالمية، بعيدة عن الروتين والإهمال والعشوائية، فالحفاظ على الحلم أصعب من تحقيقه، ،وأتمنى أن نحافظ على صورة هذا الحلم كما رأيناها، ورآها العالم كله فى حفل الافتتاح .