بقلم: أسامة شلش
سيذكر التاريخ ذلك المشهد الأسطورى بافتتاح المتحف المصرى الكبير، ذلك الذى يحكى من موقعه الفريد قصة الحضارة المصرية الضاربة فى عمق الزمان بما يزيد على ٧ آلاف سنة، من المصرى الأول وعبر كل العصور، مروراً بالأزمان والأمكنة والأحداث، والتى نجح المصرى فى تدوينها بالنقش بحرفية على الحجارة كأول وسيلة للكتابة، ليسجل تاريخه الذى تشهد عليه معابده ومسلاته ومقابره، من عهد خوفو وما قبله، تلك الآثار التى تبهر العالم وتؤكد عظمة المصريين منذ عرف التاريخ كتابة أوراقه، ويكفى أن أحد معالم الدنيا السبع هى أهرامات الجيزة وأبو الهول، التى مازالت تروى وتجود بأسرارها حتى الآن، ومازالت تخفى بين حجارتها أسراراً من الحضارة المصرية القديمة، تلك التى يقف العالم أمامها مذهولاً، مما قدمته من إبداعات، وتخيلوا أن العالم رغم كل التقدم العلمى والتكنولوجيا، مازال يقف حائراً أمام سر التحنيط، وسر تلك الألوان التى تتزين بها المعابد والمقابر رغم آلاف السنين التى ظلت فيها مدفونة تحت الرمال قبل أن تكتشف.
المتحف الكبير هو صورة حقيقية من مصر- تلك المتحف الكبير فى كل أنحائها - والتى ما زالت لم تبح بكل ما تحتويه أرضها، فيوماً بعد يوم تعلن البعثات المصرية والعالمية عن اكتشافات جديدة تسطر سطوراً فى سجل تاريخنا العريق، وبينها البحث الذى مايزال قائماً عن مقبرة الإسكندر الأكبر الذى مازال لغزاً نتمنى حله.
المتحف الذى يضم مائة ألف قطعة أثرية، بينها ٥ آلاف قطعة ذهبية للملك الشاب توت عنخ آمون، تمثل الإبداع والتفرد والإتقان عند أجدادنا الفراعنة، ولا أعتقد أن هناك فى أى مكان فى العالم مثل ما تملك مصر من الآثار، ومن الفخر أن تزين بعضاً من آثارنا - من المسلات أو القطع التى أهديت أو خرجت خلسة من بلدنا - الميادين والمتاحف فى العديد من الدول، وبينها مسلة الكونكورد فى باريس، وحجر رشيد فى لندن، بل ولا عجب أن نعرف أن هناك جامعات فى دول العالم تدرس فى كلياتها التاريخ المصرى واللغة المصرية الهيروغليفية، بل وهناك دول تدرس التاريخ المصرى لطلاب بعض المدارس، وهناك باحثون فى مختلف دول العالم يهدون أبحاثهم حول التاريخ المصرى القديم.
مصر أبهرت العالم بالافتتاح، وهى تدعو الدنيا لتعرف تاريخها، وهى تقدم المتحف كصرح يحكى وفق ترتيب العرض قصة الحضارة المصرية فى مكان واحد، وربطه واقعياً بذلك المكان الأثرى، الممثل فى أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع وأبو الهول، فى بانوراما سياحية تاريخية ثقافية لا مثيل لها، ولا تجدها إلا فى مصر وفقط.
المتحف الكبير، وسبقه متحف الحضارات بمصر القديمة، هما أكبر دعاية تؤكد أن التاريخ بدأ من هنا، من أرض مصر، وأنه التاريخ، ولا تاريخ قبل أن يخط المصرى القديم أول صفحة فى الكتاب، والعجيب أن هناك من يتمسحون فى التاريخ المصرى، أو يدعون الأقدمية، ولكن هيهات فالمصرى من القدم أثبت أنه أبو الحضارات.
أحلى ما فينا أننا نتغنى بحضارتنا ونقدرها، ونكتشف يوماً بعد يوم أن العالم كله يقف احتراماً وتقديراً لها، وقطعاً المتحف والتسهيلات التى تقدمها الدولة للسياحة سيكونان أداة جذب كبيرة للمزيد من الأفواج التى يسعدها أن ترى عن قرب أصول الحضارة وأصل التاريخ، لقد شاهدنا الإعجاب والتقدير والاحترام لآثارنا فى عيون ضيوفنا الذين شاركونا الاحتفال بالافتتاح من الوفود الرسمية، وتابعنا وتابع الملايين فى العالم كله أصداء الافتتاح، وجاءت التعليقات لتقول إن مصر بلد الحضارة الحقيقية، مازالت تواصل كتابة التاريخ بلا منافسة، ومتحفها الجديد رمز لجدارتها التاريخية.
فليقف العالم والدنيا احتراماً للتاريخ الذى كانت مصر وأبناؤها أول من خط أول سطور كتابه، وليس غريباً أن نتغنى ونقول ونردد ما قاله الشاعر الكبير حافظ إبراهيم فى قصيدته مصر تتحدث عن نفسها وهو يقول: «وقف الخلق ينظرون جميعاً.. كيف أبنى قواعد المجد وحدى.. وبناة الأهرام فى سالف الدهر.. كفونى الكلام عند التحدى»، وها نحن نواصل مسيرة الأجداد لنحفظ لهم الجميل، ونقدم للدنيا سيرتهم ومسيرتهم التى جعلت من مصر أم الدنيا.