بقلم: د.محمد سليم شوشة
من وقت مبكر أرسى الناقد الفرنسى رولان بارت أساساً أصبح راسخاً وهو أن السرد حاضر وحاصل فى كافة الأشياء من حولنا وفى خطابات لانهائية، وتأكد هذا الأساس مع تعمق الدراسات الثقافية التى اكتشفت السرد وفاعليته فى كل شىء، ومع عصر التكنولوجيا والأدب الرقمى ثم أخيراً مرحلة الذكاء الاصطناعى كان هناك منحى أكثر عمقاً فى دراسة السرد الذى تأكدت هيمنته على جوانب الحياة المختلفة، وتأكدت خطورته وأنه هو الذى تقوم عليه الدولُ فى بنائها؛ لأن السرد هو ما يبنى الثقة والدولة فى بنائها تقوم على هذه الثقة وتتغذى عليها، فالدول تصبح أقوى وأكثر رسوخاً بثقة الجماهير فيها وهذا لا يتأكد إلا عبر السرد المبثوث فى كل الخطابات تقريبا.
وفى أحدث التصورات لدراسة السرد كان هناك تركيز على المتاحف بوصفها بنية سردية، وهو ما نجده لدى كثير من النقاد الأمريكان مثل ديفيد هيرمان، وماري-لورى رايان فى أكثر من كتاب لها مع الأسف ليست مترجمة للعربية، وخاصة فى كتاب لها يمكن ترجمته بسرد الفضاء/السرد المكاني، حيث تلتقى النظرية السردية بالجغرافيا، تركز رايان على المتاحف بوصفها خطاباً ضمنياً للسرد، خطاب قوي، وشديد الفاعلية والتأثير، ولكن ليس كل متحف يمكن أن يحمل رسالة أو يؤدى أدوار الخطاب السرد.
فى ضوء معطيات هذه الأبحاث والعلوم والتصورات الجديدة يمكن القول عن المتحف المصرى الكبير إنه صاحب السردية الأقوى فى تاريخ متاحف البشر، بل يمكن القول بإنه صاحب السردية الأقوى على الإطلاق بين كل خطابات السرد الأخرى، ذلك لأن سرد المتاحف يمتاز بكونه سرداً موثقاً ومدعوماً بالأدلة المادية، فهو يتفوق على سرد الروايات والقصص والأفلام السينمائية أو ما يعرف بالسرد الخيالي، فهذا نوع من السرد الحقيقى الذى هو أقوى بكثير من السرد التاريخى الذى يأتى فى الكتب، وفى الوقت الذى كان علم السرد يؤكد على ما يدخل السرود التاريخية من تحيزات وتغيير وتبديل وتحريف أو حتى قدر من الذاتية كان يؤكد على النقيض فيما يخص المتاحف والآثار فهى السرد الأكثر تأكيداً والأكثر موثوقية ولا يرتقى إليه شك مطلقاً، ويأتى بعده السرد المرتبط بالاكتشافات العلمية، ففى الوقت الذى قد نكتشف كذب رواية تاريخية معينة أو تتبدل معطيات علمية أو فرضيات بحثية لا يمكن أن يكون الأثر المادى كاذباً.
بجانب فكرة الموثوقية المهولة فى المتاحف والآثار، هناك ميزة كبرى للمتحف المصرى الكبير وهى كونه مقصوراً على الحضارة المصرية القديمة دون أى تراكمات أخرى للحضارات التالية مثل الإغريقية أو الرومانية أو المسيحية أو الإسلامية، فهو خاص بمصر القديمة وبناة الأهرامات والمعابد، وهى الحضارة التى كانت نسيجاً واحداً فى مبادئها وقوتها العلمية وتوازنها بين المادة والروح، ورسخت القيم والنظم الحضارية والإدارية ورسختها فى العالم كله وصدرتها له، فعنها أخذت كل الحضارات الكبرى بعد ذلك وخاصة اليونانية التى تعدّ حضارة الغرب الراهنة نفسها وريثة لها.
يمكن أن نقول إن الحضارة المصرية القديمة كانت صاحبة الصوت الأعلى عبر كل ما مضى من تاريخ، وصوتها الأعلى والأقوى كان عبر هذا الكم العظيم من الآثار والنقوش والكتابة، لقد كان سر الحضارة المصرية القديمة فى التدوين والسرد واللغة، وهذا أمر لم يأخذ حقه فى البحث لأننا انبهرنا بظاهر الأمر، حتى البعثات الأجنبية لم تغص عميقاً وراء أسرار هذه الحضارة ووقعت أسيرة الأسرار المادية الخاصة بالنحت وفنون العمارة والهندسة والطب، لكنها لم تذهب بعيداً فى استكشاف ما وراء كل هذا من فلسفة أو أبعاد فكرية وذهنية، وحتى فى الجوانب المعنوية لم تركز الأبحاث إلا على بعض القيم الروحية والأخلاقية وهو قد لا يكون كاشفاً بعمق عن ذهنية الإنسان المصرى القديم التى أتصور أن المتحف المصرى الكبير قد يقربنا أكثر منها وخاصة إذا أرهفنا سمعنا وأطلقنا العنان لتأملنا ليطارد سرد الحياة المصرية القديمة الماثل فى الآثار الكثيرة وما دون عليها من لغة وكلام، بشرط ألا نضع أى حواجز بيننا وبين هذه السردية فى اتصالها وتماسكها.
إن هذا الصوت القوى للحضارة المصرية القديمة أصبح الآن له منصته أو موقع بثه بصورة دائمة للعقل الإنسانى الواعى وخاصة من المصريين أنفسهم الذين يرهفون السمع لهمس أجدادهم، اتحد الصوت السردى للحضارة المصرية القديمة بعد أن كان شبه مفتت أو موزّع، وأصبح فيلماً شديد العمق تتم إعادته وقراءته ملايين المرات فى اليوم الواحد مع كل زيارة للمتحف لإنسان يملك عقلاً واعياً ونفساً صافية مخلصة للعلم وقيمة الاكتشاف.