عصر المعرفة

د.محمد سليم شوشة يكتب: مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى والأمن القومى للدول

د. محمد سليم شوشة
د. محمد سليم شوشة


تنقسم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلى شقين أساسيين؛ الأول هو مراكز البيانات، وهى الأشبه بالهاردوير فى تكنولوجيا الكمبيوتر، والثانى هو تكنولوجيا التعلم العميق وتعلم الآلة، وهى الأشبه بالسوفت وير، أو تكنولوجيا التشغيل، والاثنان على القدر ذاته من الأهمية والخطورة ولابد لأى دولة أن تكون متطورة فى الاثنين حتى يمكن عدها ممتلكة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعى. 

 


مراكز البيانات (الهاردوير) هى العقل الاصطناعى فى بنائه على أرض الواقع وبنيته وتكوينه أو معماره القائم داخل حدود الدولة أو حدود الشركة وواقع تحت سيطرتها، وهى غالبًا ما تكون بمساحات ضخمة تشبه المصانع الكبيرة، وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة، وهى باختصار شديد مراكز للشبكات العصبية الاصطناعية التى يعمل بها هذا العقل الاصطناعى الضخم وتتمكن من معالجة البيانات فى المجالات المختلفة، وبحسب تطور بنيتها وأنظمتها وتكوينها وحجمها تكون كفاءتها أو قدراتها فى المعالجة. وترتكز بصورة أساسية على شرائح أشباه الموصلات من السيليكون وهو مجال ما زال منفتحًا على مزيد من التطور والتقدم وكل يوم فيه جديد من حيث قدرات هذه الشرائح فى تمثيل الشبكات العصبية الاصطناعية بدقة، ومن حيث صغر حجمها وقدر ما تستهلك فى تشغيلها من الطاقة وما تحتاجه من التبريد. فالشرائح الأكثر تطورًا هى الأصغر حجمًا والأكثر كفاءة والأقل استهلاكًا للطاقة وأقل احتياجًا للتبريد. ومن سماتها كذلك أنها تحتاج إلى بيئة نظيفة بصورة مهولة تفوق نظافة الهواء فى غرفة العمليات بأضعاف المرات؛ لأنها فى الحقيقة يجب أن تكون فى بيئة مماثلة لبيئة الدماغ البشرى، فهى - أى مراكز البيانات- فى حقيقتها محاكاة للدماغ البشرى، أى أنها أشبه بالجزء البيولوجى فى الذكاء البشرى، أى تمثيل كامل للدماغ.

 


الحقيقة أن هذا الجزء الخاص بالذكاء الاصطناعى هو الشق الجوهرى والأساسى فيه ويقوم على إنتاج الشرائح من جانب وعلى تكنولوجيا تنظيمها أو بناء أنظمة منها فى هياكل مترابطة، وفيه أبحاث متجددة وقد حصل فيه الكندى جيفرى هينتون على جائزة نوبل برغم كونه عالمًا نفسيًا إدراكيًا، ذلك لأن هياكل وأبنية الشبكات العصبية الاصطناعية فى هيكلها الصلب تقوم على محاكاة الشبكات العصبية التى فى الدماغ البشرى، وقد اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية أن إنتاج الرقائق (شرائح أشباه الموصلات) مسألة تتصل بالأمن القومى الأمريكى وفرضت على شركات أن تغير مجال عملها وتعمل فى هذا المجال وقت انتشار وباء كورونا وفى ذروة صراعها مع الصين فى هذه الحرب العلمية الجديدة التى يمكن تسميتها حرب الذكاء الاصطناعى، وهو السباق المحموم نحو أقوى أسلحة البشر على الإطلاق ومن سيضمن فيه تفوقًا أو حتى قدرًا من التكنولوجيا سيضمن بقاءه أو حفاظه على حضارته وتاريخه.

 

 
تعمل مراكز البيانات لنماذج الذكاء الاصطناعى بعد ذلك عبر عمليات للتدريب وإكساب المعرفة أو تمثيلها وترميزها وإكسابها لهذا العقل الاصطناعى، أى أن الشركات والدول بعد أن تمتلك هذه المراكز للبيانات سواء كانت من إنتاجها أو استيرادها ستعمل على تشغيلها فى المجالات المختلفة عبر عمليات إتاحة البيانات وتدريب هذه النماذج عليها، وهذا التدريب لعقل الآلة يخضع لعلوم جديدة هى تعلّم الآلة والتعلم العميق، وقد أصبحت هذه العلوم راسخة وقديمة وفيها أبحاث ودراسات متطورة كثيرة وفيها أيضا سباق، ومن هنا فإن البيانات التى يجب أن تتوافر لعقل الآلة من أجل عمليات التدريب على المعرفة وإكسابها لها يجب أن تكون بأحجام ضخمة وتكون حديثة أو فى أحدث صورة، فعلى سبيل المثال يجب أن تكون البيانات الزراعية أو الطبية مثلًا تمثل أحدث ما فى هذين العلمين على الإطلاق، حيث سيقوم عقل الآلة باستخلاص الأنماط واكتسابها والتدرب عليها وحينها سيفكر عقل الآلة فى هذين المجالين بمثل ما يفكر فيهما البشر بالضبط، أى أن كل معالجة لأى بيانات بعد عمليات التدريب ستكون مناظرة لمعالجة عقل البشر ولكن بصورة آلية، أى بمنطق الآلة وقدراتها الضخمة، فيمكن تشبيه الذكاء الاصطناعى حينها بأنه أشبه بآلة حاسبة ولكن ليست مقصورة على الأرقام، ولكنها تحسب فى كل المجالات، فى الرياضيات والطب والزراعة والكيمياء والعلوم العسكرية والعلوم الإنسانية واللغوية، وفى كل شىء فى الحياة تقريبًا، أى أن عملية التفكير سيكون قد تم تحويلها إلى نمط من الحوسبة، أى أن الآلة ستفكر فى كل مجال تعالجه بنوع من الحوسبة، وسيتصدى عقل الآلة إذًا للمعضلات من كل المجالات العلمية بالطريقة نفسها بالضبط. وللحديث بقية.