"الأخبار" تكشف بالوثائق.. شركات تجارية بالخارج تمنح مؤهلات تعليمية دون دراسة

بكالوريوس للبيع "2".. مصانع الشهادات

كيانات أجنبية غير معتمدة تمنح شهادات تعليمية دون دراسة
كيانات أجنبية غير معتمدة تمنح شهادات تعليمية دون دراسة

السعر من 600 إلى 4000 دولار.. ومقرات وسطائهم في مصر وهمية


مغامرة للعمل كسمسار مقابل 10% للطالب.. والمكسب 170 ألف جنيه شهريًا


عرض "الإثنين في واحد": اشتري بكالوريوس و"عليه ماجستير هدية"


"التعليم العالي في إنجلترا" لـ"الأخبار": لقب "جامعة" فقط محمي قانونيًا ولا نستطيع منع باقي المسميات


"الأعلى للجامعات": المعادلة ترتبط بالاعتماد الأكاديمي.. ولا قائمة محدثة بالكيانات الوهمية


قانوني: استخدامها أو تقديمها للجهات الرسمية جريمة عقوبتها تصل للسجن 3 سنوات


خبير بالاختبارات الدولية: لا يُمكن اعتبارها درجات علمية.. وتُضعف قيمة الشهادة الرسمية


أستاذ بجامعة كيبك الكندية: التشديد الرقابي حتمي خاصة في المهن الحساسة

 

بينما وقف هيثم حسن داخل منزله الغارق في العتمة، محاصرًا بمزيج ثقيل من الخيبة واليأس، تعالت أصوات الزغاريد من البيوت المجاورة في أواخر يوليو 2023، احتفالًا بإعلان نتيجة الثانوية العامة، فمجموعُه لم يكن كافيًا لعبور بوابة كلية هندسة البرمجيات، الحلم الذي علّق عليه آماله باعتباره مفتاح المستقبل، ليتحوّل الفرح من حوله إلى مرآة قاسية تعكس متاهة الضغوط الاجتماعية والخوف من الضياع.
على ضوء شاشة هاتفه لاحت أمامه وعود جامعة أجنبية ذات إسم مألوف، دراسة سهلة بلا تعقيد، وشهادة جامعية خلال عامين فقط، ظنها النور في نهاية نفق مظلم، غير أن الحلم سرعان ما انقلب إلى كابوس، حين اكتشف أن الشهادة التي دفع فيها مدخراته لا وزن لها، ولا تعترف بها أي جهة رسمية، وأن ما ظنه فرصة ذهبية لم يكن سوى وهم يحمل أختامًا.
تتتبع "الأخبار" في هذا التحقيق شبكة من الشركات التجارية في الخارج، مدعومة بوسطاء داخل مصر، تستغل ثغرات قانونية في بعض الدول الأجنبية لإصدار شهادات تحمل مسميات أكاديمية دون سند تعليمي أو اعتراف رسمي، وتعمل على تسويقها للطلاب تحت لافتة "التعليم الدولي"، مستفيدة من غياب الرقابة العابرة للحدود وضعف آليات التحقق من الشهادات، فيما يدفع الطلاب الثمن من أعمارهم ومدخراتهم، قبل أن يصطدموا برفض اعتماد شهاداتهم من الجهات التعليمية الرسمية.
خسر هيثم عامين من عمره في جامعة منحته شهادة لم تسعفه في تحقيق أحلامه في العمل والسفر، وكذلك عانى خسارة مادية حين دفع لما يسمى بـ "ليفوبول كولدج إنترناشونال" ألفي دولار أي ما يعادل حاليًا 100 ألف جنيه، ثم اتضح له لاحقًا أن الكيان البريطاني الذي درس فيه مع زملاء له ليس بجامعة وغير معترف به داخل مصر، ولا يمكن معادلة شهادته بحسب ما أخبرهم به المجلس الأعلى للجامعات رغم وجود أختام وزارتي الخارجية البريطانية والمصرية.
"كنت ساذج لما خدت قرار إني أدرس في مكان من غير ما أسأل"، بصوت يتخلله مشاعر الندم، قال هيثم إنه شعر بعد مرور عدة أشهر أن المواد التي درسها أشبه بدورة تدريبية بالإضافة إلى عدم تخصص الشارحين في المواد بل إن المحاضرات كانت قصيرة في موضوعات سطحية، لكن الرد من جانبهم دائمًا أن الجانب العملي هو الأساس رغم أن الدراسة "أونلاين".
لم يكن هيثم الوحيد الذي تقدم نحو جامعة وهمية، ففي بيت صغير بمحافظة الشرقية جلست مروة حسن تتأمل حديث الأقارب عن صعوبة الحصول على وظيفة، وأنه لم يعد بالساهل الالتحاق بمؤسسات ذات رواتب مجزية، والأفضلية دائمًا تكون لذوي شهادات التعليم الأجنبي، لتقرر حينها السعي للحصول على شهادة تدل على إجادتها للغات وتنال الأولوية المنشودة بناء على نصائح المقربين.
 وفي منتصف عام 2022، بعدما أنهت مرحلة الثانوية العامة، جلست تتصفح مجموعات خاصة بالمنح التعليمية والجامعات بالخارج على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى ظهر أمامها إعلان عن برنامج تعليمي يمنحها شهادة البكالوريوس في التخصص الذي ترغب فيه وهو إدارة الأعمال صادر عن كيان يحمل اسم "كلية كامبريدج الدولية" بمدة دراسة لا تتجاوز 18 شهرًا، دون الحاجة إلى السفر. 
الإعلان وعد الطلاب بشهادة "دولية" قابلة للمعادلة في مصر برسوم أقل كثيرًا من الجامعات الأجنبية المعروفة، تواصلت مروة مع مسؤول الصفحة ليؤكد لها أن الكلية في بريطانيا وتحمل أيضًا الاعتماد من جامعة أمريكية مرموقة، وأن شهادتها معترف بها في جميع الدول، ورغم ترددها في البداية بعد التشاور مع ذويها، حسمت قرارها ودفعت الرسوم على دفعات تجاوزت 1500 دولار.
خلال فترة الدراسة، لاحظت مروة أنه لا يوجد اهتمام بحضور المحاضرات المقدمة بعد غيابها لمدة أسبوعين بسبب ظرف عائلي، وأن التفاعل الأكاديمي محدود، لكنها أقنعت نفسها بأن الهدف النهائي هو الشهادة، قائلة: "أنا ما اشترتش شهادة مزورة وعدونا إنها معتمدة "، هذا ما وصلت إليه بعد انتهاء البرنامج وتسلمها الشهادة المزعومة، وبدأت أولى محاولات التقدم إلى وظيفة، لتُفاجأ برفض جهة العمل لشهادتها وطالبتها بمعادلة الشهادة أولًا داخل مصر، الأمر الذي تنافى مع وعود "كامبريدج" بأن أختام وزارة الخارجية البريطانية كافية.
في واقعة أخرى وأثناء تدقيقٍ روتيني بدا في ظاهره إجراءً إداريًا لا يحمل مفاجآت، توقفت لجنة فحص أوراق المتقدمين لوظيفة محاسب بإحدى الشركات الكبرى أمام شهادة تخرج صادرة عن معهد "هارفارد إنترناشونال" لكن اللجنة لم تسمع عنه من قبل، ما دعى رأفت محمد، رئيس فريق الموارد البشرية بالشركة، للبحث عن ماهيته إذ تبيّن له أن الشهادة صادرة عن كيان غير معتمد أكاديميًا في بريطانيا ولا يحظى بأي اعتراف.
يقول رأفت، إن هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تتكرر بصورة مقلقة خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أنه قابل حالات كثيرة متشابهة لمتقدمين يحملون شهادات صادرة عن كيانات غير معتمدة، بعضها يتخفى خلف مسميات أجنبية أو مقار افتراضية توحي بوجود جامعات دولية، بينما هي في الواقع غير معتمدة ولا تخضع لأي إشراف أكاديمي، وهو ما اكتشفه خلال بحثه وراء هذه المؤهلات ما جعله يتخذ احتياطاته في كل مرة يراجع فيها ملفات المتقدمين للوظائف.
"المشكلة تهدد سوق العمل، فيمكن أن يصل أشخاص غير مؤهلين إلى مواقع حساسة اعتمادًا على أوراق لا تعكس أي كفاءة حقيقية"، هكذا يرى رأفت، مؤكدًا على ضرورة تشديد آليات التحقق داخل الشركات والمؤسسات، وعدم الاكتفاء بالمظهر الخارجي للشهادة أو اسم الجهة المانحة.


شهادتان بسعر واحدة
دفعت هذه الوقائع مُعد التحقيق إلى تتبع الشركات والكيانات المانحة للشهادات من الخارج، من خلال التواصل مع سماسرة لها، وبدأت رحلتنا بالتواصل مع وسطاء نشروا إعلانات على صفحات متخصصة في التعليم بمواقع التواصل الاجتماعي، إذ رصدنا أكثر من 50 إعلان يستهدف الطلاب، بينهم 12 كيانًا يحمل اسم "أكسفورد" باختلافات بسيطة في اللقب.
تواصلنا مع أحد ناشريها وهو "ياسر محمد" المقيم بالأردن، والذي قدم لنا عرض "الإثنين في واحد" وهو عبارة عن بكالوريوس وماجستير بسعر شهادة واحدة من "مركز جامعة أكسفورد والجامعة الأمريكية الدولية"، قائلا: "الطالب لا يحتاج إلى دراسة، بيكّفي صورة شخصية وبطاقة هوية ودون مؤهل"، وأن الشهادتان تصدران مقابل 600 دولار تُسدد على دفعتين خلال 20 يومًا، معتمدتان من هيئة التعليم البريطانية وبعض النقابات المهنية في بلد الطالب، مع إمكانية إضافة تصديقات أخرى عند الحاجة.
وللتحقق من العرض، وافق معد التحقيق على استخراج شهادتين، إحداهما بكالوريوس في الإعلام الرقمي، وأخرى ماجستير، ليُرسل لنا الوسيط نموذجين باسم "انترناشونال أوكسفورد كوليدج" مؤرخين في 24 إبريل  2025  وعليهما 3 أختام وشعار الجامعة المزعومة، إحداهما في الطب والأخرى في إدارة الأعمال والتسويق، وكلاهما باسم نفس الشخص رغم اختلاف التخصصات.
"شهادات أجنبية مسجلة للبيع"، هكذا يعرض خالد عمار عبر "فيس بوك" بكالوريوس من أمريكا وبريطانيا وقبرص وتركيا وألمانيا وفرنسا، بأسعار تراوحت بين 3000 و3500 دولار حسب الدولة، كما ادّعى أن كل شهادة نظامية مسجلة ولها ملف كامل داخل الجامعة، وكأن الطالب درس سنوات كاملة، ويمكنه استخدامها للتقديم في القطاع الخاص وتعزيز السيرة الذاتية، وإضفاء صبغة أكاديمية على المؤلفات والبحوث الشخصية.
وفي عرض آخر، تواصلنا مع "نور المحمدي" عبر واتس آب برقم دولي، والذي عرض شهادة بكالوريوس من "ليفربول كولدج" في بريطانيا مقابل 4000 دولار، تٌدفع في حساب "الجامعة" بشكل مباشر مع إمكانية تسديد المبلغ بالعملة المحلية للبلد بزيادة 5٪ لتكاليف التحويل، واستلام الشهادة بالبريد الإلكتروني بعد إضافة بيانات الطالب رسميًا في نظام الجامعة.
للتأكد من تبعية هؤلاء الوسطاء مع الكيانات التي يروجون لها، تحدثنا مع "ليفربول كولدج" – كنموذج- مباشرة عبر رقم "واتس آب" على موقعها الإلكتروني، وعرفت الكلية نفسها عليه بأنها "منارة للتعليم الذي يتجاوز الحدود"، وردًا على أسئلتنا أكد أحد مندوبيها أن الدراسة بها متاحة في أكثر من 213 تخصصًا، وتختلف القيمة المالية حسب التخصص وإذا كانت عن بعد أو مكثفة أو حضورية، وكذلك نوع الشهادة في حال كانت أكاديمية أو مهنية.
اخترنا تخصص الهندسة المدنية، ليخبرنا بأن أقل مدة للدراسة عن بعد في هذا التخصص  هي عام ونصف، وبعدها يمكن الحصول على الشهادة معتمدة من الجامعة ووزارة الخارجية البريطانية ومن الجهات المعنية داخل دولة الطالب بإجمالي 3700 دولار – وفقًا لما يدعي – وفي حال الرغبة باعتمادها من التعليم العالي البريطاني تكون بتكلفة إضافية 3000 دولار، كما يزعم أنها معتمدة في بريطانيا بشكل رسمي، وتقدم مناهج متقدمة رافضة التحدث عن هوية هيئة التدريس.

 تتبعنا سجل "ليفربول كولدج" في النظام البريطاني، لنجدها في سجل الشركات ""Companies House من عام 2024 فقط وليس 2012 كما هو مذكور بموقعها الإلكتروني، والشركة مرخصة باسم شخص مصري الجنسية يدعى "م. أ. ع" - تحتفظ "الأخبار" بنسخة من وثيقة التسجيل-، بالإضافة إلى وجودها على السجل البريطاني لمقدمي خدمات التعليم "UKRLP" تحت مسمى "مزوّد تعليم أو تدريب".
عند مراجعة الجهات المسؤولة عن اعتماد المؤسسات التعليمية، لم تظهر الكلية في أي من السجلات الرسمية، فهي ليست مدرجة لدى مكتب شؤون الطلاب البريطاني (OfS)، أو مكتب تنظيم المؤهلات والامتحانات "Ofqual" المسؤولة عن اعتماد المؤهلات، وكذلك هيئة ضمان جودة التعليم العالي، كما لا ترتبط بأي جامعة بريطانية معترف بها تمنح درجات أكاديمية.

وثيقة تسجيل

مواجهة الهيئة البريطانية
تُظهر بيانات خدمة التحقق من صحة الشهادات الجامعية في بريطانيا، أن نحو 8% من الشهادات المقدمة سنويًا للفحص، لا يمكن تأكيد صحتها إما لصدورها عن مؤسسات غير معترف بها أو وهمية، وتضع الهيئة التنظيمية لقطاع التعليم العالي في إنجلترا "مكتب شؤون الطلاب" حدًا فاصلًا بين ما يُعد تعليمًا عاليًا معترفًا به، وما هو مجرد نشاط تدريبي أو تعليمي بلا غطاء أكاديمي قانوني، تواصلنا مع الهيئة عبر البريد الرسمي لها لمواجهتها بما رصدناه خلال التحقيق، لتؤكد لـ"الأخبار" أن منح درجات البكالوريوس أو الماجستير أو الدكتوراه لا يُعد مسألة تسويقية، بل صلاحية قانونية لا تمتلكها إلا مؤسسات محددة، ولا تُكتسب بالتسجيل كشركة تجارية أو كمدرب، وإنما عبر اعتماد رسمي يخضع لتقييم مسبق قبل منحه أو رفضه.
وتوضح الهيئة أن المؤسسات التي لا تمتلك صلاحيات منح الدرجات يمكنها "نظريًا" تقديم برامج تعليم عالٍ فقط إذا كانت الدرجة النهائية "مُجازة" أو "معتمدة" من مؤسسة مسجلة لديها، أما تقديم برامج تحمل مسميات أكاديمية دون هذا الغطاء، يضع المؤسسة خارج الإطار القانوني، مما يفتح الباب أمام تضليل الطلاب بشأن القيمة الحقيقية للمؤهل، وأن القانون البريطاني يتعامل بصرامة مع مسميات مثل جامعة وأكاديمي وتعليم عالي ومركز جامعي كألقاب "محمية قانونيًا" ولا يجوز إدراجهم دون موافقة رسمية، عكس كلمات مثل "كلية" أو" دولي".
ورفضت الهيئة التعليق على استغلال شركات تجارية لاختلاف المسميات التعليمية بالقانون البريطاني،  مؤكدة أن تشديد القوانين أو تعديل الإطار التشريعي لمواجهة تجارة الشهادات، في نطاق اختصاص الحكومة، مؤكدة أن استخدام التسجيل في السجل البريطاني لمقدمي التعلم أو رقم مزود الخدمة التعليمية كأداة تسويقية توحي، صراحة أو ضمنيًا، بوجود اعتماد أكاديمي أو ضمان لجودة التعليم، يُعد ممارسة مضللة للطلاب، وفي مثل هذه الحالات، يملك مكتب شؤون الطلاب، بموجب اتفاقية الشراكة المبرمة مع هيئة المعايير التجارية البريطانية، صلاحية إحالة الجهات المخالفة إلى الهيئة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية.
وتنصح الهيئة البريطانية الطلاب الراغبين في الدراسة بالخارج بالبحث في سجلها الإلكتروني مما يمنحهم أداة تحقق حاسمة، تُمكّنهم من التأكد مما إذا كانت المؤسسة مسجلة، وما إذا كانت تمتلك صلاحيات منح الدرجات، فضلًا عن الاطلاع على وضعها التنظيمي، كما توصي باستخدام منصة "Discover Uni" للحصول على بيانات أكثر تفصيلًا حول البرامج والمؤسسات التعليمية.
وتشير إلى أن الإجراءات المتخذة بحق الجهات المضللة –حسب وصفها- تختلف باختلاف جسامة المخالفة، ففي حال كانت الجهة مسجلة لدى المكتب، قد تخضع لفتح تحقيق، أو تشديد الرقابة والمتابعة، أو فرض شروط تسجيل إضافية، وتصل العقوبة إلى فرض غرامات مالية، أو تقييد أو سحب صلاحيات منح الدرجات العلمية، أو إلغاء تسجيل المؤسسة، أما إذا كانت الجهة غير مسجلة، تُحال إلى هيئة المعايير التجارية البريطانية، لتتخذ بدورها الإجراءات القانونية المناسبة.
مساحة رمادية
ويعقب عمر سالم، المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، بأن الوضع الشرعي لهذه الكيانات في دول مثل بريطانيا وأمريكا يتعلق بوجود ثغرة أو مساحة رمادية، عن طريق استخدام مسميات قانونية مسموح بها لبعض المراكز التعليمية، حيث يتيح لها القانون إطلاق تسميات مثل "أكاديمية" أو "إنترناشونال"، رغم أنها لا تتمتع بالوضع الأكاديمي الكامل الذي قد يوحي به هذا المسمى، ضاربًا مثالًا على ذلك بما هو معمول به في مصر، حين يقوم فرد بإنشاء كيان يطلق عليه مسمى "أكاديمية" أو غيره من الأسماء التعليمية رغم أن الوضع القانوني في حقيقته ليس كذلك. 
ويشير إلى أن بريطانيا على سبيل المثال تحقق حكومتها عوائد مالية من تسجيل هذه الكيانات بشكل تجاري، في حين يتم استغلالها تعليميًا خارج حدود المملكة المتحدة وليس داخلها، موضحًا أن هذه الكيانات لا تمثل ضررًا على المواطنين داخل بريطانيا، إنما الضرر الحقيقي يقع على المتعاملين خارجها خاصة الطلاب من الدول العربية، إذ تُصدر هذه الكيانات شهادات لا تحمل أي قيمة قانونية أو تعليمية بالداخل البريطاني، بينما يتم تسويقها على أنها مؤهلات ذات قيمة في دول أخرى.

شهادتان تحملان الاسم نفسه في تخصصين مختلفين

تحذيرات عالمية
بريطانيا ليست وحدها، فبحسب تقرير صادر عن شركة "Parchment" الأمريكية المتخصصة في التحقق من الشهادات الأكاديمية، يصل حجم سوق الشهادات غير المعتمدة والمزورة بأكثر من 7 مليارات دولار سنويًا، ويشير التقرير إلى أن إحدى شبكات الاحتيال التعليمي الكبرى نجحت وحدها في بيع أكثر من 8 ملايين شهادة غير موثقة خلال سنوات قليلة، لطلاب في نحو 190 دولة، عبر كيانات تحمل أسماء جامعات دولية لا وجود أكاديمي فعلي لها.
وتقدر منظمة خدمات التعليم العالمية (WES)، وجود أكثر من 2,600 مؤسسة وشركة تقدم شهادات غير معتمدة حول العالم، من بينها أكثر من 1,000 كيان في الولايات المتحدة وحدها، والتي تحذر فيها لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) من انتشار واسع لما تصفه بـ"الدرجات الوهمية"، مؤكدة أن مئات الكيانات التعليمية غير المعتمدة تنشط حاليًا عبر الإنترنت، وتسوّق شهادات بكالوريوس سريعة مقابل مبالغ مالية، دون أي إشراف من جهات اعتماد رسمية وتستقطب غالبًا طالب من الخارج.
استكملنا البحث في سجلات مجلس اعتماد التعليم العالي، ووزارة التعليم الأمريكية التي تعد الشهادات الصادرة من غيرها غير معتمدة، وبالبحث عن ثلاث كيانات روج لها السماسرة منهم "الجامعة الأمريكية الدولية" اتضح أنها ليست ضمن قوائم المؤسسات المعتمدة، وتسوّق نفسها كمصدر للتعليم عن بعد وتمنح درجات أكاديمية.
وتمتد الإشكالية إلى كندا وأستراليا التي لم تخل من عروض شهادات بلا اعتماد، إذ بحثنا عن "كامبريدج إنترناشونال كوليدج أستراليا" وهي إحدى الكيانات التي عرضها "سماسرة" للحصول على شهادة بكالوريوس، وكشفت مراجعة السجلات الرسمية أن المؤسسة غير مسجلة لدى هيئة جودة ومعايير التعليم العالي "TEQSA"، ومسجلة فقط في السجل الأسترالي لمؤسسات ودورات الطلاب الدوليين وهو سجل حكومي يضم الجهات المسموح لها بتقديم الخدمات التدريبية للطلاب الدوليين، ولا يُعد اعتمادًا أكاديميًا.

محادثة مع أحد سماسرة الشهادات
عناوين على ورق
رصدنا 6 مكاتب تلعب دور الوسيط بين الطلاب والجامعات غير المعترف بها في الخارج، تدعى أن لها مقرات بمختلف دول العالم تاركة عناوين لهم في مصر، ومن بينها أكاديمية تحمل اسم "د.ب" في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، انتقلنا إليها بالفعل بحسب العنوان الموضح على موقعها الإلكتروني بالقرب من المحور المركزي، لكن لم نجد أي لافتة تحمل اسم المكان، وبسؤال حارس العقار بالعنوان المتروك نفى وجود أي مكتب يحمل هذا الاسم حتى في الوحدات المجاورة.
توصلنا مع الكيان المزعوم عبر رقم هاتفهم، ليخبرنا ممثل المكتب أن المقر إداري فقط ولا يمكنني التوجه إليه، وفي حال الرغبة بالإشتراك معهم للحصول على شهادة بكالوريوس مهني أو تخصصي من جامعة كانديد أو الجامعة الأمريكية للعلوم، يتم ذلك "أون لاين" بدءًا باختيار التخصص والدفع عبر حساب المكتب، مع تقديم ضمانات مثل إدراج الاسم في سجل الجامعة والتأكد من رسالة القبول عبر موقعها الإلكتروني قبل تسديد قيمة المؤهل كاملة بما يقارب 800 دولار بعد إضافة التصديقات.
انتقلنا إلى العنوان التالي لــ "الأكاديمية الدولية" بالقرب من ميدان رمسيس بمنطقة "وسط البلد" بالقاهرة، لم نجد لها أثرًا كسابقتها، على الرغم من أن موقعهم الإلكتروني يؤكد أن مكتبهم موجود، ويمنح عرضًا مغريًا: "في 30 يومًا فقط احصل على شهادة البكالوريوس المعتمدة من كبرى الجامعات العالمية في إنجلترا وأمريكا"، الكيان الوسيط يدعي أن الشهادة سيتم الحصول عليها من خلال نظام المعادلات وليس عن طريق الاختبارات أو الدراسة، أو بنظام دراسة لمدة تتراوح بين 48 ساعة إلى سنة كحد أقصى، مع تصديقها من سفارات 17 دولة عربية في بريطانيا، حسب جنسية الطالب.

محرر
مخالفة قانونية
"الشهادات الصادرة عن جهات أجنبية غير معتمدة تُعد من الناحية القانونية، محررات عرفية صادرة عن جهات خاصة، لا تتسم بالصفة الرسمية، ولا تتمتع بأي حجية قانونية أمام الجهات الرسمية في الدولة، وفقًا لما يوضح عمر سالم المحامي، موضحًا أن حيازة الشهادة لا يُعد تزويرًا، طالما كانت صادرة عن جهة أجنبية حقيقية، ولم يتوافر أي اصطناع أو تقليد للأختام أو البيانات الواردة بها.
ويشير إلى أن حامل الشهادة يتحول من ضحية إلى متهم بالتزوير والاحتيال في حالات محددة، وذلك إذا استخدم ختمًا منسوبًا إلى جهة رسمية، أو قدّم الشهادة باعتبارها مؤهلًا معتمدًا أو أجرى تعديلًا على بياناتها أو أضاف إليها درجة علمية غير صحيحة، وفي هذه الحالات يُطبق نص المادة (215) من قانون العقوبات، وتكون العقوبة الحبس مع الشغل لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
وبشأن مسؤولية "السماسرة"، فيوضح أنها قد تواجه مسؤولية جنائية عن جريمتين، الأولى جريمة النصب، نتيجة استخدام أساليب الخداع للتربح، والثانية الاشتراك في جريمة التزوير في محرر عرفي، أما عن جهة العمل التي قبلت الشهادة فلا مسؤولية قانونية عليها لمجرد القبول، باعتبارها ليست جهة فحص أو تحرٍّ، إلا إذا ثبت علمها بعدم اعتماد الشهادة وقبولها رغم ذلك، مع تقديم مساعدة لحاملها للتحايل بشأنها.
وساطة مقابل عمولة
لم تقتصر محاولاتنا على تتبع شبكات الوسطاء العاملين في الخفاء، وقررنا خوض التجربة بأنفسنا، تواصلنا مجددًا مع "ليفربول كوليدج"، لكن هذه المرة اتفقنا للعمل معهم لمدة شهر كسمسار لاستقطاب الطلاب والتعرف على "التسعيرة" ونظام العمل معهم، وخلال المحادثات عبر الصفحة الرسمية لهم على "فيس بوك"، حدّد القائمون عليها إحضار 12 طالبًا شهريًا كحد أدنى لبدء العمل كوسطاء معتمدين لديهم، مقابل عمولة 10٪ من إجمالي الرسوم التي يسددها كل طالب.
وبحساب أرباح الوسيط بعد توفير الحد الأدنى بمتوسط مصروفات 3000 دولار لكل طالب، يكون إجمالي الرسوم 36 ألف دولار، تحصل الجهة الوسيطة منها على عمولة تبلغ 3600 دولار، أي ما يعادل نحو 170 ألف جنيه مصري في الشهر، أما وسائل التحصيل، فتتم داخل الدولة نفسها، إما من خلال حسابات بنكية محلية، أو عبر وسطاء ماليين معتمدين لدى الكيان، دون اللجوء إلى أي تحويلات مالية مباشرة إلى الخارج، مع التأكيد على أن صياغة الإعلان المنشور لابد من موافقتهم عليها.
"اختلاف التكلفة حسب توثيق الشهادة" حسبما ادعى ممثلو الكيان، وأن بعض الطلاب يكتفون بالحصول على الشهادة فقط، بينما يطلب آخرون توثيقها من الخارجية البريطانية في لندن، أو توثيقًا مزدوجًا يشمل الخارجية البريطانية ونظيرتها المصرية، لكننا لم نبدأ العمل مراعاة للمعايير الأخلاقية.
 تواصلنا مع وزارة الخارجية المصرية والتي أكدت بدورها لـ "الأخبار" أن التصديق على شهادات التخرج الجامعية الصادرة من الخارج يمر بعدة اجراءات تبدأ بتصديق الشهادة من وزارة خارجية الدولة الأجنبية المانحة لها ثم وضع خاتم شعار الجمهورية من السفارة المصرية في الدولة نفسها، أو اعتماد الشهادة من سفارة الدولة الأجنبية المعتمدة داخل مصر، وتُستكمل الإجراءات في مرحلتها الأخيرة بتصديق أحد مكاتب التصديقات التابعة للخارجية المصرية.

سلامة الأرواح
وعن نوع الشهادات، طرح "ليفربول كوليدج" خيارين وهما بكالوريوس أكاديمي أو بكالوريوس مهني، رغم حكم المحكمة الإدارية العليا بعدم قانونية الشهادات المهنية ومنع منحها أو الاعتداد بها داخل مصر، وأن قانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 809 لسنة 1975 لا تتضمن أي درجة علمية تحت مسمى "مهني"، وشدد الحكم على أن استحداث هذه المسميات بقرارات إدارية يُعد مخالفة صريحة للقانون، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني في التعيين أو القيد بالنقابات المهنية.
"بعض التخصصات يتوقف عليها حياة المواطنين ولا تصلح للدراسة أونلاين"، هذا ما يؤكده أ. د. هاني مصطفى، الأستاذ بجامعة كيبك في مونتريال بكندا، ورئيس تحالف الجامعات الكندية للثورة الصناعية الخامسة، وأن التدقيق في الشهادات الأكاديمية مسألة بالغة الأهمية، مشيرًا إلى أن الواقع العملي في كندا يكشف عن حالات لشهادات غير معتمدة أكاديميًا.
ويضرب الأستاذ بجامعة كيبك مثالًا بأن بعض القادمين إلى كندا يحملون ما يُقدَّم على أنه "بكالوريوس هندسة"، بينما تكون هذه الشهادات في حقيقتها أقرب إلى شهادات مهنية لا يُعتد بها قبل المرور بإجراءات المعادلة الأكاديمية، وتتطلب أحيانًا تعليمًا إضافيًا والحصول على مناهج مكملة لاستحقاق لقب "مهندس"، وفي حال عدم المعادلة، يكون الوضع المهني لحامل الشهادة "فني" دون اعتراف نقابي.
ويشير إلى أن التشديد في معادلة الشهادات أمر حتمي، لا سيما في المهن الحساسة مثل الطب والهندسة، موضحًا أن مهندسًا مدنيًا، على سبيل المثال، يكون مسؤولًا عن رسومات وتصميمات هندسية تنطوي على مسؤوليات جسيمة وكذلك الطبيب وغيرها من المهن، فعدم الكفاءة يعرّض الأرواح للخطر.


كفاءات وهمية

الشركات التي تمنح الدرجات العلمية بالخارج يطلق عليها "مصانع الشهادات" نظرًا لتبعاتها على التعليم، هذا ما يؤكده د. سيد سعد، خبير الاختبارات الدولية والمنسق الأكاديمي لمركز جامعة القاهرة للغات والترجمة، قائلًا إن الكيانات الأجنبية غير المعتمدة مرفوضة من الناحية الأكاديمية، إذ تتناقض مع المعايير الدولية، ويرفض المجلس الأعلى للجامعات في مصر التعليم عن بعد لضرورة تغطية البرامج التدريبية والتعليمية كاملة، بما يشمل عدد الساعات المعتمدة والمواد الدراسية، ولا يمكن معادلة الشهادات الإلكترونية التي تمت عن بُعد بالشهادات الرسمية لأنها بمثابة دورات تدريبية. 
وعن الحلول، يستعرض د. سعد بعض الآليات منها مراقبة المجلس الأعلى للجامعات للكيانات المسموح بها وغير المسموح بها وتحديث دوري بقائمة المؤسسات التعليمية في الداخل والخارج، وإصدار نشرات بالجامعات والكيانات المعترف بها دوليًا، ناصحًا الطلاب بالتوجه إلى "الأعلى للجامعات" للتحقق قبل التقديم، ويختتم بأن الكيانات غير المعتمدة لها آثار سلبية على التعليم، فهي تضعف قيمة المؤهلات الرسمية وتخلق سوق موازي وهمي للكفاءات.
معادلة الدرجات العلمية
يعد المجلس الأعلى للجامعات هو الجهة الوحيدة المختصة داخل مصر بمعادلة الدرجات العلمية الصادرة من الخارج، ويشمل اختصاص المجلس أيضًا الشهادات الصادرة من مؤسسات تعليمية لا تخضع لقانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية، حتى وإن كانت تلك المؤسسات تعمل داخل مصر أو خارجها.
وردًا على تساؤلات "الأخبار" فيشدد المجلس على أن الاعتراف بالشهادة يرتبط في الأساس بالاعتراف الرسمي بالجامعة أو المؤسسة التعليمية المانحة في بلدها الأم، إذ يشترط اعتمادها من وزارة التعليم العالي أو الجهة المختصة المناظرة في دولة الدراسة، وانتظام الدراسة بشكل كامل خاصة في التخصصات العملية، ولا يُعتد بالدراسة عن بُعد. 
ويشير المجلس إلى أن إجراءات معادلة الشهادات تمر بمراحل محددة، تبدأ بتقديم طلب رسمي عبر النظام الإلكتروني للمجلس الأعلى للجامعات، مرفقًا به جميع المستندات المطلوبة، وعلى رأسها الشهادة الأصلية، والسجل الأكاديمي، وبيان المقررات الدراسية، وتُعرض هذه المستندات بعد ذلك على لجان فحص وتقييم متخصصة، تتولى دراسة كل حالة بشكل منفصل ثم تصدر قرارًا رسميًا.
غياب إحصاءات رسمية
يؤكد المجلس أنه لا توجد حتى الآن إحصائية رسمية منشورة بشكل دوري أو علني عن عدد الشهادات أو الكيانات الأجنبية غير المعتمدة، موضحًا أن التعامل يتم مع كل طلب على حدة، وفق معايير تقييم واضحة، وأن قرارات الرفض تصدر بصورة فردية استنادًا إلى أسباب أكاديمية أو لعدم الاعتراف الرسمي بالجهة المانحة.
ويلفت المجلس إلى عدم وجود قائمة رسمية أو تصنيف معلن يحدد أكثر الدول أو الجهات التي ترد منها مثل هذه الطلبات، وأنه ينشر من حين لآخر قوائم استرشادية لجامعات من دول معينة يتم التعامل معها في طلبات المعادلة، مثل أوكرانيا، جورجيا، أرمينيا، كازاخستان وروسيا عبر موقعه الرسمي، لكنها لا تمثل حصرًا شاملًا لكل الجامعات بدول العالم، ولا تُعد قاعدة بيانات نهائية بالكيانات المعتمدة أو غير المعتمدة.
ويختتم المجلس رده بالتأكيد على أنه في حال ثبوت أن الشهادة صادرة من جهة تعليمية غير معترف بها رسميًا في الدولة المانحة، يتم رفض طلب المعادلة بشكل قاطع، ويُخطر مقدم الطلب بقرار الرفض مسببًا، وفي هذه الحالة تظل الشهادة غير معترف بها داخل مصر، سواء بغرض استكمال الدراسة أو العمل أو التقدم للوظائف.
في النهاية اضطر "هيثم" إلى الالتحاق بإحدى الجامعات الخاصة داخل مصر، ليبدأ من جديد طريق الشهادة المعترف بها، بعد أن فقد وقتًا ومالًا كان يظنهما استثمارًا في المستقبل، ليكتشف متأخرًا أن بعض الشهادات لا تسرق المال فقط، بل تسرق أعوامًا كاملة من العمر.