طبيب مُزيف يُفقد سيدة حلمها في الإنجاب.. وأستاذ وهمي بالمدرجات
بورصة الدرجات العلمية: 50 ألف جنيه للشهادة والعربون بـ"النُص" قبل التنفيذ
قانوني: عقوبة التزوير لا تزيد على 5 سنوات سجنًا.. وتحتاج إلى تغليظ
مدير موارد بشرية: المؤهل أكثر المستندات تزييفًا لنيل الوظائف.. والكشف عنها بالخبرة فقط
نائب رئيس جامعة القاهرة: الرقمنة الشاملة حل جذري
وزير سابق: تهديد لجوهر التعليم.. ومراكز للتحقق تُنهي المشكلة
"التعليم العالي": نضع ضوابط صارمة.. ولجان الضبطية القضائية تتولى الرصد وإبلاغ النيابة
في قرية صغيرة بمدينة الصف جنوب الجيزة، ترددت النساء على عيادة متهالكة، تتدلى فوق بابها لافتة زرقاء كُتب عليها "أخصائي النساء والتوليد"، تدخل كل امرأة إليها حاملة خوفها وآلامها وآمالها معًا، تبحث عن متابعة حمل، أو نصيحة تطمئن بها من يد خبيرة، تفهم ما يعجزن عن شرحه، وداخل الغرفة المتواضعة، جلس "صلاح" مرتديًا بالطو أبيض، يضع سماعته على بطونهن، يدوّن تشخيصات مطمئنة، ويكتب روشتات مليئة بالمصطلحات الطبية والأدوية، بينما لم يخطر على بال أي سيدة منهن أن هذا الرجل لم يكن طبيبًا من الأساس.
بدأت الخيوط تنكشف مصادفة عندما حرر رئيس قسم العلاج الحر بالإدارة الصحية في الصف محضرًا ضده بتاريخ 1 مارس 2021، وذلك بعد عدة شكاوى ومطالبات بتقديم أوراق تراخيص العيادة دون جدوى، لتثبت التحقيقات أن "صلاح. م. ع"، البالغ من العمر 39 عامًا، لم يحصل على أي شهادة طب طوال حياته، بل حاصل على بكالوريوس زراعة، وفرّ قبل عام من قرية الشوبك الغربي بالجيزة بعدما عمل فيها عدة سنوات دون رقابة حتى بدأت الشكوك تتزايد حوله، ليعيد افتتاح عيادة جديدة في قرية المنيا بنفس المحافظة متقمصًا دور الطبيب مرة أخرى.
ومع توسع التحقيقات، أكدت نقابة الأطباء وقف ملفه منذ عام 2012 بسبب توقيعات غير صحيحة، بينما نفت جامعة المنوفية تمامًا أي صلة به، ووصفت الشهادة التي كان يستند إليها بأنها مزورة من الختم إلى التوقيع، لتوجه إليه عدة تهم شملت هتك العرض بغير قوة أو تهديد، وكشف عورات النساء وملامسة مناطق عفتهن، واهمًا إياهن أنه طبيب، وإجراء عدد من عمليات الولادة القيصرية والطبيعية قبل أن يُكتشف أمره، وهكذا وجد أهالي القرية أنفسهم أمام واقع موجع، فلم يملك "صلاح" من الطب سوى بالطو أبيض وثقة زائفة.
شهادة مزورة واحدة كانت الباب المفتوح أمام ضحايا كن على مشارف الموت وبعضهن فقد القدرة على الإنجاب، "الأخبار" تكشف سماسرة يتربحون مقابل استخراج شهادات مزيفة لبعض المنتفعين بغرض تقديمها لمؤسسات حكومية أو خاصة للحصول على مكتسبات غير مشروعة ومزاولة مهن في غير تخصصهم مما يؤدي إلى وقوعهم في أخطاء تعرض حياة المواطنين للخطر في ظل وجود ثغرات قانونية وضعف العقوبات والرقابة.
السيدة الثلاثينية "نهى.ع" إحدى ضحايا طبيب الصف المزيف، لم تعلم أن ولادتها الأولى ستكون أيضًا الأخيرة، دخلت غرفة العمليات مفعمة بالأمل، تنتظر لحظة سماع بكاء طفلها الأول، لكنها خرجت منها بجسد مُنهك، ورحم مُتهتك، ومستقبل أُمومة انتهى قبل أن يبدأ في غرفة العمليات نتيجة نزيف حاد نتج عن شق جراحى خاطئ، وظهر ارتباك الطبيب المزعوم وتأخر التدخل، مما أدى إلى تدهور حالتها واضطر ذووها لنقلها إلى مستشفى آخر لإنقاذ حياتها، حيث قرر الأطباء هناك استئصال الرحم.
"كنت بحلم أشوف ابني وأحضنه.. معرفتش حتى أفرح بيه، خرجت من الولادة من غير رحم.. ومن غير حق تاني في الأمومة"، هكذا خرجت تلك الكلمات من قلب نهى التى لم تكف عن البكاء بعد انتهاء أحلامها في إنجاب شقيق أو شقيقة لصغيرها.
الحصول على وظيفة غير مستحقة دون عناء هو أكبر دوافع الراغبين في الحصول على شهادة مزيفة وهو ما تكرر مرة أخرى بمحافظة القاهرة، لكن هذه المرة لم يكن التزوير من أجل عيادة، بل للحصول على منصب أكاديمي، "أستاذ" في كلية التجارة بإحدى الجامعات الخاصة، يحاضر للطلاب على مدار خمس سنوات متتالية، بينما كانت أوراقه كلها كذبة، هذا ما أثبتته تحريات مباحث الأموال العامة في شهر مارس عام 2020 بأن الدكتور المزيف "محمود. ع" حصل على شهادات منها البكالوريوس ومعادلات دراسية مزورة منسوبة لإحدى الجامعات الحكومية، قدمتها له سيدة متخصصة في "صناعة المؤهلات"، ومن خلالها تم تعيينه رسميًا في عام 2016 بوظيفة عضو هيئة تدريس، وظل يعمل حتى وقت كشف الواقعة.
العالم السري
وقائع متعددة دفعت محرر "الأخبار" إلى دخول العالم السري لبيع الشهادات الجامعية المزيفة، لكشف هذا السوق المظلم وحجمه وأذرعه والطرق الملتوية للحصول على شهادة، ورصد الأسعار وأساليب التسويق وأماكنها، واتضح تركيز "سماسرة الشهادات" على الترويج بشكل مباشر على صفحات فى مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رصدنا حوالى 20 صفحة نشطة مغلقة وعامة، غالبيتها على "فيسبوك" تضم ما يقرب من 100 ألف متابع ومشترك، وكذلك 5 قنوات على "تليجرام".
"مهما كان مؤهلك تقدر تحقق حلمك وتحصل على شهادة بكالوريوس معتمدة وموثقة بالكامل في جامعات عريقة"، بهذه الكلمات نشر حساب يحمل اسم "شهادات جامعية معتمدة"، إذ كان التواصل مع السماسرة عبر "فيسبوك" هو نقطة الانطلاق، بدأ مُعد التحقيق بالاستفسار عن تفاصيل إصدار شهادة وسعرها والأوراق المطلوبة من أجل الحصول عليها، ليقدم مسئول الصفحة الإجابات بأن سعر الشهادة 20 ألف جنيه، مع وجوب دفع 6 آلاف جنيه كعربون، والمدة المطلوبة 3 أسابيع لاستلام الشهادات، كما ادعى أنه قادر على استخراج الشهادات كمستخرج رسمي من الجامعة فى أي وقت.
وللتأكيد على مصداقيته أرسل عدة نماذج لشهادات جامعية أنجزها سابقًا وهي عبارة عن 6 نماذج من جامعات مختلفة خاصة وحكومية، تشمل كليات العلوم والعلوم الطبية في التمريض، والتمريض، والحقوق، والهندسة، والتجارة، لسنوات 2019 و2020، 2021 و2024، زعم أنها موثقة في هذه الجامعات، وتحتفظ "الأخبار" بنسخة منها.

عرض السرعة
"شهادات موثقة" صفحة على "فيس بوك" نشر عليها "م. ف" - أحد المعلنين- عرضًا سماه "عرض السرعة"، تمثل في إمكانية الحصول على شهادة معتمدة من جامعة معروفة خلال أسبوع واحد فقط مقابل 30 ألف جنيه، على أن يسجل الاسم في قاعدة البيانات الجامعية، ولا يُشترط امتلاك شهادة ثانوية عامة، فقط يكفي الإعدادية وربما لا تحتاجها، لكن مقابل ذلك تكون التكلفة أعلى، تصل إلى 40 ألف جنيه "على حد قوله"، وحول الطريقة التى سيتم إدخال البيانات بها إلى النظام الجامعي، فكانت الإجابة دائمًا تتسم بالغموض، مع تأكيدات غير دقيقة عن إمكانية التحقق من البيانات بعد الدفع.
"نحن نقدم شهادة مختومة، بها توقيعات صحيحة وأختام سليمة، لكنها ليست مسجلة في قاعدة بيانات الجامعة"، هكذا كان الرد عندما انتقلنا إلى "إ. ح"، التي قدمت لنا عرضًا آخر، مؤكدة أن الشهادة ستكون كافية لاستخدامها في أغراض خاصة، سواء للسفر أو التوظيف داخل أو خارج مصر والسعر 8000 جنيه، وأن الأمر لا يتعدى كونه مجرد إجراءات شكلية تضمن وجود الشهادة في المستندات الشخصية، لكنها أضافت بأن توثيق الشهادة رسميًا خارج البلاد يتكلف 2000 جنيه إضافية – على حد زعمها-.

صيغة سرية
أما الشهيرة بـ"الدكتورة" والتي لها عدة منشورات على صفحات فيس بوك بحساب يحمل اسم "د. حنين" تبيع من خلاله الشهادات المزيفة، تواصل معها مُعد التحقيق والتي بدورها عرضت الحصول على شهادة بكالوريوس معتمدة في قاعدة بيانات الجامعة، قائلة: "ستقوم الجامعة بتسجيلك على النظام ليصبح لديك ملف ورقم تعريفي كأنك درست بها بالفعل، وبعد التأكد من بياناتك، يمكننا إرسال الشهادة إليك في أسرع وقت – لينا ناسنا- "، مع التأكيد على ضرورة دفع 50% من المبلغ مقدمًا، والنصف الآخر عند استلام الشهادة.
أما عن الأوراق اللازمة فطلبت "الدكتورة" إرسال صور لآخر مؤهل دراسي وبطاقة الرقم القومي وصورة شخصية، وتحديد تاريخ التخرج والتقدير المطلوب ذكره في الشهادة.
الأمر لا يقتصر على شهادات من الجامعات المصرية فحسب، بل رصد مُعد التحقيق بعض السماسرة يعلنون على مواقع تواصل إمكانية إصدار شهادة من جامعات عربية كبرى - تحتفظ "الأخبار" بأسمائها - فداخل مجموعة مغلقة على تطبيق "تليجرام"، تحمل اسم "الأكاديمية العربية لتأمين الشهادات الجامعية" يظهر إعلان بلغة مباشرة تلعب على مشاعر إنسانية وتخاطب احتياجات الشباب للعمل وزيادة الدخل: "ضاعف دخلك الآن بشهادة تفتح لك الأبواب" .
تواصلنا مع الرقم الدولي المتروك على الإعلان ليتضح أن الشهادة تتراوح بين 30 و 50 ألف جنيه حسب نوع الكلية والتخصص المطلوب، أوضحنا له أن المبلغ المطلوب كبير ليكون رده: "الشهادة لها ملف داخل الجامعة، ومسجلة على السيستم" والمطلوب فقط تقديم مجموعة من المستندات الروتينية مثل الصورة الشخصية وآخر مؤهل دراسي إن وجد".

أركان الجريمة
التزوير في القانون هو تغيير الحقيقة بقصد الغش في محرر، بإحدى الطرق التي نص عليها القانون، تغيير من شأنه أن يسبب ضررًا، وتنقسم أنواعه بالقانون المصري إلى نوعين رئيسيين هما التزوير المادي والتزوير المعنوي، هكذا يقول طارق المهدي، المحامي بالنقض والدستورية العليا، وأن التزوير المادي هو الذي يقع بفعل محسوس وظاهر، كالتلاعب في الخط أو الإمضاء، أو الشطب والإضافة في المحرر، مشيرًا إلى أن هذا النوع نظمته المادة (211) من قانون العقوبات بالتفصيل، أما التزوير المعنوي، فهو تغيير الحقيقة في موضوع المحرر أو في ظروفه وملابساته أثناء تحريره، دون أن يكون هناك أثر مادي ظاهر، موضحًا أن المادة (213) من قانون العقوبات تناولت هذا النوع.
وينص قانون العقوبات في جرائم التزوير وفقًا لـ"لمهدي" على عقوبة تتراوح بين الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن أو الحبس، تبعًا لطبيعة الجريمة وظروفها، إذ جاء في المادة 206 من القانون: "يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن كل من قلد أو زور، أختامًا أو تمغات أو علامات إحدى المصالح أو إحدى جهات الحكومة ختم أو إمضاء أو علامة أحد موظفي الحكومة"، بينما ورد بالمادة 206 مكرر: "يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنين على الجرائم الواردة في المادة السابقة"، وحتى تنطبق العقوبة لابد من تحقيق أركان التزوير المتمثلة في ثلاثة أركان أساسية، وهي: "تغيير الحقيقة في محرر، وتوافر القصد الجنائي أو العمد، ووقوع الضرر"، مؤكدًا أن العقوبة تحتاج إلى تغليظ لأن من الجائز أن يؤدي استخدام شهادة مزورة إلى أضرار كبيرة بالناس خاصة في المجالات الطبية.
ويشير المهدي إلى أن إحدى صور التزوير المنتشرة مؤخرًا قيام بعض الجهات أو الأفراد بالادعاء بمنح شهادات جامعية مزعومة بأنها معتمدة، مؤكدًا أن هذه الممارسات تمثل مخالفة جسيمة للقانون، وتندرج ضمن جرائم التزوير، وينطبق عليها الأركان الثلاثة ضاربًا مثالًا على ذلك بقوله: "لو أن شخصًا ادعى أنه خريج كلية الطب بجامعة القاهرة دفعة 2020، وثبت من استعلام الجامعة أنه غير مقيد ضمن خريجيها، ففي هذه الحالة تقوم الجهة المختصة بالتحفظ على الشهادة وإرسالها للجامعة للتحقق من صحتها، وإذا تبين أنها غير صادرة عنها، تُحال الواقعة للنيابة العامة التي قد تطلب من الطب الشرعي أو الأدلة الجنائية فحص الأختام والتوقيعات".
وفي هذه الحالة يكون هناك تزوير في محرر رسمي واستعمال لمحرر مزور، ويُعاقب المتهم الذي زوّر الشهادة بنفسه على جريمتي التزوير والاستعمال معًا، أما إذا كان هناك شخص آخر هو من قام بالتزوير، فيُحاكم كل منهما بحسب فعله، الأول على التزوير، والثاني على استعمال المحرر المزور، كما يقول "المهدي"، مشددًا على ضرورة إبلاغ النيابة العامة فورًا من قبل الجهة المكتشفة للتزوير.

اعترافات مزور
البعض يرفض الانتظار في طابور خريجي الجامعات، الذي يقدر عددهم بـ 762,5 ألف خريج بحسب آخر إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، واستسلموا للطريق السهل بدلًا من الالتحاق بالمنظومة التعليمية، يريدون المنافسة في سوق العمل والسفر والفرص الحياتية دون أدنى مجهود.
"أغلبية اللي بيطلبوا أزور لهم الشهادة مبيعروفوش يكتبوا ولا يقروا من الأساس"، هكذا كانت اعترافات أحد المزورين للشهادات الجامعية وهو "أ. ح" مهندس تم القبض عليه بتهمة التزوير في سبتمير عام 2020، أكد أنه منح تلك الشهادات لأميين لا يجيدون القراءة أو الكتابة، وحاصلين على شهادات إعدادية وخريجى دبلومات مهنية، ووصل عددهم إلى 266 شهادة مقابل مبالغ تصل إلى 60 ألف جنيه أحيانًا، وروج لذلك من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
"عملية اكتشاف الشهادات غير الصحيحة داخل المؤسسات لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الخبرة الشخصية، وليس على أجهزة أو أنظمة إلكترونية حديثة"، هكذا تقول دينا يحيى، مسئولة الموارد البشرية بخبرة تتجاوز 12 عامًا، مستنكرة أنه حتى الآن لا توجد آلية تقنية تمنح الشركات القدرة على التأكد من صحة المستندات بشكل مباشر، ما يجعل خبرة موظفي الـHR هي السلاح الأساسي في مواجهة هذا النوع من التضليل.
تعتمد الشركات والمؤسسات عادة على عملية "مراجعة ثانية" للملفات بعد جمعها من الموظفين الجدد، إذ يقوم موظف أكثر خبرة -غالبًا مدير الموارد البشرية أو أحد كبار الفريق- بالتأكد من سلامة الأوراق، كما توضح "دينا" أن من أكثر المستندات التي يظهر فيها التزوير هي شهادة المؤهل.
تشرح دينا أن اكتشاف التلاعب في الشهادات يتم عبر علامات بسيطة لكنها معروفة لأصحاب الخبرة، منها شكل وخامة الورق، اختلاف طبيعة الشهادات، وكذلك ختم النسر ولونه وشكله، إضافة إلى العلامات المائية، مشيرة إلى أن الموظف الجديد في مجال الموارد البشرية غالبًا لا يستطيع ملاحظة هذه التفاصيل الدقيقة.
تنقسم رؤية الشركات تجاه الشهادات الجامعية إلى نوعين: الأول يعتمد تمامًا على الشهادات الأكاديمية، ويرفض المتقدم فورًا إذا لم يقدم المستند المطلوب أساسًا، بل ويشترط أحيانًا جامعات أو جهات تدريب محددة، والنوع الآخر - وهو ما تفضّله دينا- يعتمد على الكفاءة الفعلية والاختبارات العملية، معتبرًا أن الموهبة والخبرة قد تتفوق على أي ورقة، وتشير إلى أنها شخصيًا قد تعطي فرصة للمرشح وتدعمه للحصول على الشهادة بعد التعيين إذا رأت فيه موهبة حقيقية، وتختلف آليات التقييم وفقًا لطبيعة الوظيفة إذا كانت تخصصات مالية، موارد بشرية، تصميم، هندسة، برمجة، كل منها له معايير اختبار تؤكد جدارة الشخص بعيدًا عن الورق.
"لو الشخص مش أمين في ورقة بسيطة.. مش هيكون أمين في شغل كبير"، هكذا تقول دينا إنها لا تُبقى على أي موظف تكتشف له واقعة تزوير، مهما كانت مبرراته، لأن الثقة عنصر أساسي لأي بيئة عمل.
وترى أن الحل الجذري لهذه المشكلات هو إنشاء منظومة حكومية رقمية موحدة تربط كل بيانات المواطنين التعليمية وسجلات العمل، بحيث يدخل مسئول التوظيف الرقم القومي للمرشح، فتظهر تلقائيًا كل الشهادات الحقيقية والوظائف السابقة ومدتها، وتعتقد أن هذا النظام لو طبق سيقضي فعليًا على ظاهرة التزوير، ويخفف عبء التحقق على الشركات.
تروي دينا أحد أغرب الوقائع التي واجهتها، حين انتقلت للعمل في شركة كبيرة، وأثناء مراجعة ملفات قديمة كإجراء روتيني للتأكد من اكتمال المستندات، اكتشفت أن أحد كبار الموظفين، والذي يشغل منصبًا مؤثرًا ويقود قطاعًا مهمًا في الشركة، يحمل شهادة تخرج مزورة، إذ تقول: "قدمت كل الدلائل للإدارة الأجنبية، لكنهم لم يتخذوا أي إجراء، لأنه كان يحقق أرباحًا كبيرة للشركة، وموجود فيها من سنوات، لم يعترف ولم يتحرك أحد، كانت واقعة صادمة بالنسبة لي، لأن هذا النوع من الموظفين قد يسبب مشكلات فنية وإدارية لاحقًا، خصوصًا إن كان دوره يعتمد على مهارات أو معرفة لم يدرسها أصلًا".

ممنوع أفراد
مع دقات ساعة جامعة القاهرة في الثانية عشرة ظهرًا بالتمام، توجه معدّ التحقيق إلى المجلس الأعلى للجامعات بجوار مبنى كلية الحقوق، للاستعلام عن صحة إحدى الشهادات الصادرة من الجامعة -كنموذج-، وهناك أكدت الموظفة المسئولة عن التأكد من صحة الشهادات، بأن المجلس يختص فقط بالشهادات الصادرة من الجامعات الخاصة والمعاهد، موضحة أنه يمكن للجهة المختصة بالتوظيف تقديم طلب رسمي للمجلس ليتم الرد عليها بشأن مدى صحة الشهادة، أما الجامعات الحكومية يكون المسئول هو إدارة شئون الخريجين بالكلية.
وبالتوجه إلى الإدارة القابعة بكلية الحقوق جامعة القاهرة للاستعلام عن شهادة تخرج لعام 2020، بدت حالة واضحة من التردد، إذ حاول كل موظف التهرب من المسئولية وإحالتها إلى موظف آخر، انتهى الأمر بأحد الموظفين يطالبنا بالتوجه إلى "شئون الطلبة"، الذين أكدوا بدورهم أن هذا الاختصاص يعود إلى شئون الخريجين، بالعودة مجددًا، طلب الموظف التوجه إلى زميلة أخرى بنفس القسم لتحيلنا هي الأخرى إلى موظفة غيرها، والتي طالبتنا بضرورة التوجه إلى قسم يُسمى "التدقيق وصحة البيانات" باعتباره الجهة المسئولة عن ذلك.
بمجرد وصولنا للقسم، سارعت الموظفة المسئولة إلى إبلاغنا بأنها لا تستطيع التعاون معنا، إذ إن القسم لا يتعامل مع الأفراد نهائيًا، وإنما مع المؤسسات والشركات فقط.
بعد ساعة ونصف داخل الجامعة، والتنقل بين مكاتب متعددة، والتحدث إلى 7 موظفين في محاولة للتحقق من صحة شهادة واحدة فقط، لم يتمكن مُعد التحقيق من الوصول إلى نتيجة، وتوصل في النهاية إلى أن جامعة القاهرة لا تتيح الاستعلام عن صحة الشهادات للأفراد، وأن الإجراء الوحيد المتاح يتم للمؤسسات والشركات، وهو ما ينطبق أيضًا على جامعات أخرى تواصلنا معها وهي "عين شمس وحلوان"، إذ أوضحوا أنهم يستقبلون طلب التحقق عبر البريد الإلكتروني، ليجري بعدها القسم المختص عملية التدقيق والتحقق.
الرقمنة ضرورة
تواصلنا مع د. محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة، والذي يرى أن حماية الشهادات الجامعية من التزوير يبدأ بالاعتماد على الشهادات الرقمية المؤمنة التي تحتوي على علامات مائية يصعب تقليدها ووجودها ضرورة، وهو ما تطبقه الجامعات المصرية بالفعل في الوقت الراهن، إلى أن تنتقل نحو التحول الكامل إلى الشهادات الإلكترونية في المستقبل، بحيث يتم الاستغناء تدريجيًا عن الشهادات الورقية التي يسهل تزويرها.
ويضيف أن التطور التكنولوجي المستمر سيسهم في جعل الشهادات الرقمية مؤمنة بدرجة عالية، بحيث يصبح التحقق من صحتها أمرًا سهلًا، ويصعب تمامًا تزويرها، لأن عملية التأكد من البيانات ستكون إلكترونية ومشفرة، موضحًا أن التفرقة بين الشهادة الأصلية والمزورة في الوقت الحالي تتم من خلال فحص العلامات المائية والتأكد من صحة التوقيعات، لكن مع التحول الرقمي الكامل ستصبح العملية أكثر دقة وسرعة بفضل التوقيع الإلكتروني المشفر.
عمليات الترويج لبيع الشهادات المزيفة تشوه سمعة التعليم المصري، وتقلل من قيمة الشهادات الجامعية حسبما يقول نائب رئيس جامعة القاهرة، مؤكدًا أن مواجهة هذه الممارسات يجب أن يكون على مستويين: الأول قانوني من خلال ملاحقة المزورين قضائيًا وتوقيع العقوبات الرادعة عليهم، والآخر توعوي من خلال تنبيه المجتمع إلى مخاطر اللجوء لهذه السلوكيات.
آليات التأكد من صحة الشهادة داخل الجامعة مختلفة، كما يشرح د. السعيد قائلًا إن هناك إجراءات محددة لكل نوع من الشهادات، فبالنسبة لخريجي مرحلة البكالوريوس يتم التأكد من صحتها عن طريق إدارة الخريجين بإدارة التعليم والطلاب، أما في حالة شهادات الدراسات العليا فيتم التحقق منها داخل إدارة الدراسات العليا، وذلك عبر مطابقة الأسماء في السجلات الرسمية والتأكد من صحة التوقيعات بالشهادة.

اهتزاز قيمة الشهادة
تحاول الدولة التصدي لهذه المشكلة من خلال جهود الجهات الأمنية، ولعل من أبرزها كشف مباحث الأموال العامة وجرائم الإنترنت شبكة لتزوير الشهادات الجامعية الحكومية والخاصة والمعاهد، تضم سبعة متهمين يتزعمهم مبرمج كمبيوتر مفصول وسيدتان وأربعة آخرون، بعد تورطهم في تزوير شهادات منسوبة لجامعات مثل القاهرة وعين شمس وغيرها، داخل شقة مستأجرة بمدينة 6 أكتوبر باستخدام أجهزة "كومبيوتر" وطابعات، لتقضي محكمة الجنايات الاستئنافية، في 11 سبتمبر الماضي بمعاقبتهم بالسجن المشدد عشر سنوات وغرامة قدرها 200 ألف جنيه.
وعُثر مع عناصر هذه الشبكة على شهادات مزيفة مختومة بأختام منسوبة لجامعات حكومية وأهلية، والترويج لأعمالهم كان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما كشفت التحقيقات استخدامها من قبل مصريين وأجانب للتقديم على وظائف في جهات حكومية وخاصة.
د. حسين خالد، وزير التعليم العالي الأسبق، يؤكد أن وجود بيع وشراء للشهادات الجامعية لا يمثل مجرد مخالفة فردية، بل يهدد جوهر التعليم العالي، فالخطر الحقيقي يبدأ من لحظة اهتزاز قيمة الشهادة نفسها، عندما يصبح الحصول على المؤهل ممكنًا دون دراسة أو تقييم، تفقد الجامعات وظيفتها الأساسية، وهي إنتاج معرفة حقيقية وتهيئة كوادر قادرة على تحمل مسئوليات مهنية ومجتمعية، كما أن هذا النوع من التلاعب يُصدِّر إلى سوق العمل أشخاصًا بلا كفاءة، ما يهدد مهنًا حساسة مثل الطب والهندسة والتعليم.
الاعتماد على حلول تكنولوجية متقدمة ضرورة كما يرى د. خالد لحماية الشهادات ومنع تزويرها وبيعها، من خلال دمج عناصر أمان داخل الشهادة نفسها، من بينها استخدام رموز QR المضادة للتزوير (ACQR Code) بالتعاون مع شركات تكنولوجيا متخصصة، هذه الأكواد تتيح لأي جهة التحقق من صحة الشهادة بشكل فوري عبر تطبيق على الهاتف الذكي، دون الحاجة للتواصل المباشر مع الجامعة، وهو ما يجعل عملية التزوير شديدة الصعوبة ويُسهل في الوقت نفسه إجراءات التحقق أمام الموظفين وأصحاب العمل، وكذلك تزويد الشهادات بعلامات مائية صعبة التزوير.
ويوضح أن هذه المنظومات تُعد خط دفاع أساسيًا لضمان مصداقية المؤهلات الأكاديمية والحفاظ على قيمة الشهادات ومعادلتها دوليًا، إلى جانب دورها المهم في مكافحة الغش والتلاعب بالمستندات التعليمية، مشيرًا إلى أن مواجهة تزوير الشهادة لا تقتصر على حلول التكنولوجيا وحدها، بل تشمل إجراءات تنظيمية ومؤسسية أوسع، منها عقد ورش عمل للتوعية والتدريب داخل الجامعات لتمكين الموظفين من التعرف على أحدث أساليب التزوير وطرق كشفها، إضافة إلى التوجه نحو إنشاء مراكز وطنية للتحقق من الشهادات لتوحيد الجهود، وتوفير الوقت والحد من التزوير بفاعلية أكبر.
التنسيق العربي والدولي مهم أيضًا في رأي د. خالد، لوضع معايير واضحة وضوابط موحدة، بما يساهم في الحد من حالات تزوير الشهادات، ويعزز الثقة في المؤهلات الصادرة عن المؤسسات التعليمية.
قرائن دولية
في الوقت الذي لا تزال بعض الجامعات والمعاهد لا تستخدم علامات مائية على شهادات تخرجها الأصلية مما يسهل تزييفها وهو ما رصده مُعد التحقيق أثناء رحلته في البحث، فإن هناك بعض الدول التي تعمل على تأمين الشهادات بوضع خواص أمان في المستند تشمل تصميم معقد وآليات تحقق إلكترونية موحدة، وتخضع الشهادة الجامعية الموثوقة لمجموعة من المعايير والأنظمة التي تضمن أصالتها، فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل المؤسسات مع الشهادات الجامعية بمنهج يجمع بين الاعتماد الرسمي والرقمنة الكاملة، ويعتمد أصحاب العمل والمؤسسات الأكاديمية على خدمات "ناشيونال ستودنت كليرينج هاوس" التي توفر تحققًا فوريًا من بيانات التخرج والحضور، فيما تسمح منصات مثل Parchment بإصدار شهادات رقمية تحمل روابط تحقق لا تقبل التلاعب.
أما في اليابان، فتميل الدولة إلى نموذج دقيق قائم على التقييم المؤسسي، وتتولى مؤسسة NIAD-QE عمليات المراجعة الشاملة لجودة التعليم العالي، وتُعد مرجعًا رسميًا للتحقق من موثوقية أي جامعة تصدر شهادة، لتضمن عدم التلاعب بشهادات التخرج.
بينما في بريطانيا، تُستخدم خدمة HEDD للتحقق من شهادات الدرجات الجامعية (degrees)، وكشف "شهادات الجامعات الوهمية" أو الجهات التي تمنح درجات دون دراسة حقيقية (diploma mills)، وفقًا لموقع MIT News التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة.
بلا علامة
ما زالت منظومة الشهادات الجامعية ينقصها الرقمنة بنظام تحقق موحد ومزيد من أساليب التوثيق الحديثة لمنع التلاعب والتزوير، وهذا ما واجهنا به د. عادل عبد الغفار، المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وعرضنا عليه ما كشفناه خلال التحقيق، ليؤكد أن الوزارة عبر المجلس الأعلى للجامعات، تضع ضوابط صارمة على إصدار الشهادات الجامعية، تتضمن في العادة استخدام أوراق معتمدة تُطبع بعلامات أمان مثل علامة مائية أو باركود أو تصميم يصعب تزويره، كما تصدر بختم الكلية/ الجامعة وشعار الجمهورية أو "ختم رسمي للمعاهد والجامعات الخاصة" لضمان أنها صادرة من الجهة المعنية، وعند المعادلة أو الاستخدام الرسمي خاصة خارج مصر تُطلب وثائق معادلة وتصديق من الجهات الرسمية (كالخارجية عند الحاجة)، أو نسخة "مصدقة" من الجامعة.
ويشير المتحدث الرسمي إلى جهود الرقابة والمتابعة من الجهات المختصة مثل "لجان الضبطية القضائية" التابعة للوزارة ضد "الكيانات الوهمية" أو جهات غير معتمدة تدّعي إصدار شهادات، وفي حال وجود شهادة دون علامة مائية يتم التأكد من أن الشهادة مختومة بختم رسمي وشعار الجامعة أو الكلية وأن الختم يبدو واضحًا ورسميًا، وليس مجرد صورة أو ختم مزور.
يمكن الرجوع إلى الجامعة أو المعهد المُصدِر، وطلب "سجل الخريجين" أو مستند رسمي يُثبت أن حامل الشهادة مسجّل وخريج فعلي من تلك الجامعة، أي تطابق في الاسم/ الرقم/ تاريخ التخرج، وهذه الطريقة تُستخدم عادة للتحقق عند الشك، وفقًا لما أوضحه متحدث "التعليم العالي".
ويؤكد عبد الغفار أن لجان الضبطية القضائية التابعة للوزارة تتولى رصد الجهات الوهمية ويتم إعداد قائمة تحدّث بشكل مستمر لبعض الكيانات الوهمية، التي تحاول بيع شهادات جامعية مزوّرة، عبر مواقع تواصل اجتماعي أو صفحات تدّعي منح شهادات معتمدة، وتحال ملفات القضية للنيابة العامة ضد من يثبت تورّطه وهو إجراء قانوني متبع، مطالبًا جهات التوظيف وأفراد المجتمع أن يكونوا يقظين، ويتحققوا من الشهادات بدقة وليس بمجرد صورة أو مستند غير موثّق.
في مايو عام 2022 صدر الحكم ضد "صلاح" من محكمة جنايات القاهرة بالسجن المشدد 10 سنوات، في حين واجهت "نهى" عقوبة مدى الحياة بحرمانها من الإنجاب مجددًا، وافتقاد مولودها لمن يشد بعضده ويسانده في هذه الدنيا.