د. محمود عطية
"كتاب المتحف المصري الكبير هدية مصر للعالم" للدكتورة الشيماء محمد عيد، ليس مجرد تطواف بين قاعات المتحف الممتلئة بالكنوز الذهبية، بل استكشاف لكيفية تحول هذه التحفة المعمارية إلى نموذج عالمي للاستدامة البيئية، وكيف تمكن المتحف أن يوظف تكنولوجيا العصر ليحفظ مقتنياته دون أن يثقل كاهل الأرض؟، وكيف تحولت مساحاته الخضرا إلى "رئة" تنقى هواء القاهرة؟ وما الدروس التي يمكن أن نستقيها من حكمة الفراعنة لمواجهة تحديات المناخ اليوم؟
كما تغوص د. الشيماء خلال فصول كتابها الخمس، وملاحقه في تاريخ نشأة المتاحف وتطورها، وفى تخطيط وعمليات بناء المتحف ليبقى، وكنوز الفراعنة الخضراء، ولتحقيق التنمية المستدامة، والمتحف كمنصة لإعادة صياغة السرد التاريخي لمصر القديمة، وذيلت كتابها بملاحق نادرة جديرة بالقراءة، عن "توت عنخ أمون" الذى حكم مصر خلال الأسرة الثامنة عشرة، و"رمسيس الثاني" الفرعون العظيم الذى حكم مصر خلال الأسرة التاسعة عشرة، و"ختوم حتب الثاني" الذى عاش في زمن الملوك العظام ،وترك بصمته في التاريخ، وكان أميرا ومحافظا محليا لإقليم الغزال.
وعن انجاز المتحف، وكيف تم التفكير فيه، واختيار نقطة بنائه، تروى لنا "الباحثة" كيف تحولت الخطوط الأولى للمتحف على ورق التصاميم إلى واقع ملموس، إنها ليست مجرد قصة بناء، بل ملحمة إنسانية عن شعب يعيد اكتشاف جذوره ليبني مستقبلا أكثر إشراقا، إنها قصة المتحف الذي أراد أن يكون شاهدا على العصر، ليس بما يضمه من آثار، بل بما يحمله من رسالة خضراء للأجيال القادمة.
وعن فكرة بناء المتحف ولدت عبر لقاء في مساء شتوي بباريس بين وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى حين سأله صديقه الإيطالي سؤالا استفزازيا: “وماذا ستفعلون بمخزن الآثار في ميدان التحرير؟"، أجاب بلا تفكير ولا يعرف كيف: "سنبنى أكبر متحف في العالم". ودارت عجلة الزمن، ويروى الكتاب قصة وصول فكرة المشروع، والتمويل لمؤسسة الرئاسة التي تحمست للفكرة، ولم يكن الطريق من الفكرة إلى التنفيذ مفروشا بالورود. فقد استغرقت الدراسات الأولية وحدها ثماني سنوات كاملة، ستة مجلدات ضخمة لدراسات الجدوى ، أربع سنوات ونصفا من البحث الدقيق ، ثم عاما ونصفا لإعداد كراسة الشروط ، وعاما أخر لاختبار الشركة المنفذة ،المفاجأة الكبرى كانت في عدد الشركات العالمية التي تقدمت للمنافسة على التنفيذ" 1557" شركة من " 83"دولة، رقم قياسي لم يشهد العالم مثيلا له في تاريخ المشاريع الثقافية، وبعد لأى فاز التصميم المقدم من الشركة الايرلندية "هينغان بينغ"، فقد تمكن التصميم ببراعة من التوفيق بين "الحداثة والأصالة" بين احتياجات العصر، وعبقرية الموقع الأثري الفريد.
لم تكن الرحلة سهلة، فقد فتحت الرمال الصفراء ذراعيها لاستقبال هذا الصرح العملاق، وكان التحدي الأكبر هو خلق تحفة معمارية تتنفس الاستدامة من كل زاوية، بداية من عبقرية اختيار الموقع الذي يتيح رؤية بصرية استثنائية، فمن هذا الموقع بالذات هو الموقع الوحيد الذي يمكن للزائر أن يشاهد الأهرامات الثلاثة في تناغم هندسي مذهل، وكأنها لوحة فنية رسمتها يد التاريخ.
وتكمن قصة التفاصيل الدقيقة، والحقيقية في تلك التي لا يراها الزائر للوهلة الأولى، فالمدخل الرئيسي المستوحى من مدخل معبد حتشبسوت، والواجهات الداخلية المائلة، والمغطاة بالرخام التي تشابه واجهات معبد فيلة، والارتفاع الشاهق للمدخل الرئيسي الذي يضاهى بهو المعابد، ونظام جمع مياه الأمطار المستوحى من حنكة القدماء في الري. وتلك المساحات الخضراء المحيطة التي صممت لتنقية الهواء، وتخفيف حرارة الصحراء، لكنها تشهد أن هذا المشروع لم يكن مجرد مبنى، بل فلسفة كاملة في التعامل مع الأرض والتراث. والواجهة الزجاجية الشاهقة للمتحف التي تبدو كشلال من نور، لم تكن مجرد عنصر جمالي، بل نظاما دقيقا يحاكى ذكاء الطبيعة في التحكم بالضوء والحرارة، أما نظام التبريد فكان إعادة اختراع مذهلة لتقنيات التهوية الفرعونية القديمة. مزودا بأحدث ما وصلت إليه تكنولوجيا العصر. الحرص في استخدام الرخام المصري" تريستا" للحوائط الداخلية، والخارجية للمتحف، والأرضيات الجرانيتية التي كان يستخدمها المصري القديم تشييد مبانيه وتماثيله.
وراء كل هذه العناصر كان هناك رؤية إنسانية عميقة، رؤية تقول إن حماية التاريخ لا تعنى التوقف عند الماضي، بل بناء جسر متين بين عبقرية الأجداد، وإبداع الأحفاد. لقد نجح "المتحف المصري الكبير" في أن يكون أكبر متحف لعرض للأثار من حضارة واحدة، وفى الوقت نفسه، نموذجا حيا لكيفية احتضان المستقبل بأسلوب يحترم البيئة. الكتاب إصدار الهيئة العامة لقصور الثقافة.