مدينة الجنة

يوميات الأخبار

إذن لعلك التقيت السحاب وجها لوجه، واجتازك هو، فاخترقك. هل لامسته في غير أحلامك؟

كأنك تسمع قرع لطبول مصنوعة من جلود داكنة، ومشدودة بحبال بدائية. لا لزوم لمعطف صوفي كثيف، أو نظارة شمسية تحجب براعة الحدث. البشرات السمراء مبتسمة دائماً، ضاحكة إن أردت الوصف، ودودة لو شئت دقة.
.. ولما حان الحين وبلغت جنوب خط الاستواء الوهمي، كانت الأشجار في الاستقبال، مرصوصة رغم عشوائيتها، باسقات تناطح الهبوط، وتحجب الرؤي عن الأسفل. الجبال راسيات، راسخات، بقمم شاهقة، لها نهايات تطال سحابات عابرة، مثقلة ببخار ماء يزيد بياضها، أما الفوهات فكأنهن لبراكين تستعد للفوران متي زاغ عنها البصر.. هكذا تبدو »مدينة الجنة»‬ كيب تاون من الجو.
أما الهبوط فيكشف مالا يفضحه الارتفاع.. فالرذاذ هُنا كافٍ للعيش، وعليه يحيا الجميع، تبدو أزمة مياه شرب ضاربة حَلت علي تلك الأرض، ظننت في البداية أن الجميع يبالغون في جدية الأمر وخطورته، بتعليمات واضحة معلقة في جميع الأمكنة تناشد بالترشيد، حتي في غرف أفخم الفنادق المطلة علي ميناء تجاري ممتد. منظمات المياه عالقة بالصنابير، بالكاد تقطر خريرا محكوما، ورشاشات المساحيق السائلة مُرتبة تترجي النزلاء الاكتفاء بها متي أمكن ذلك..
»‬وزارات السياحة وهيئاتها تفرض شروطها دائما، والأمر معتاد».. هكذا تخيلت!
لكن أنصاف أنبوبات بلاستيكية ومعدنية ساقطة من أي ارتفاع، حتي لو سطح قريب، يتكثف عليها الندي المستمر بفعل طبيعة الجو الرطبة، فتنساب منها المياه دموعاً تروي الطيور، والزروع، إذن الأمر لا يحتمل هزلا ولا تقليل. حتي أنك إذا ساقك الحظ وزرت مطعما فاخرا فلا تعشم أن كل صنابير دورات المياه تعمل، وحتماً ستجد البخاخات تحاصرك، وتحسر اختياراتك.
أما المدخنون فلا أحد أكثر منهم مطالب باليقظة، ذلك إذا ارتادوا نزهة روحية أعلي جبل، أو في متنزه مفتوح علي قمة ما، فُعقب واحد لسيجارة طائش يشعل هنا الحرائق، ويقيم ألسنة اللهب، إذا أُلقي من سائح أهوج، أو سقط سهوا من بين أصابعه بينما كان مأخوذا بمراقبة أسراب النوارس الحائمة حول مصاطب الجبل الخضراء، أو انهمك يترقب فورة بركان > لن تحدث- من إحدي الفوهات.
 لامست السحاب
- هل رأيت السحاب من قبل؟
> بالبديهة نعم.. ومَن منا لم يفعل!
- إذن.. هل جربت يوما أن تتخطي حدوده، أن تعلو عليه، وتتخطاه؟
> بالقطع مرات. فأنا من أولئك الذين ارتادوا الجو، والمشهد ببساطة.. مكرر!
.. إذن لعلك التقيت السحاب وجها لوجه، واجتازك هو، فاخترقك. هل لامسته في غير أحلامك؟
> أنت لا تقصد إلا تعجيزاً طفوليا ثقيلا.. قُل لي أنت، ومَن فعل؟!
أنا فعلت. أنا يا صديقتي لامست السحاب، وعانقته. أنا رُويت من ريقهِ، وانتشيت من عرقهِ، هو اصطفاني يا صديقتي، وأنا أذبته.. هنالك أعلي قمة الـ»ماونتين تايبل»، أو في تعريبه الفصيح، »‬جبل الطاولة». وللحق لم أتبين للاسم مغزيً دقيقا، ولكن هذا ما رأيت..
فلـ»الطاولة» يا صديقتي قمم رأسية مصفوفة، لكل قمة ساحة، تفرش حولها سفحا منفصلا، فيبدو لو أنه جبل بذاته. جميعها تعلو الجبل الأم، فترتب طاولاته تباعا، الأوسع، فالأقل قطرا، وهكذا.. حتي اذا انحسر محيط السفح، وانكمش، تكون قد بلغت -بأمان- آخر قمم »‬الطاولة» نفسه.
هنا في آخر نقطة من أرض القارة، بهو عظيم التكوين يشرف علي محيط لم أتبينه، أي المحيطين هو هندي أو أطلسي، كلاهما يختلجان، يخلقان ارتطاما شاسعا، تهدأ موجاته كلما لامست رمال الوادي الرحيب، تلك التي لم تدنسها قدم بشرية، حيث لا صوت إلا لطبيعة فخمة لم يصلها صياحات من العالم الآخر، ولا حضور إلا لجلال خلق خالق، فلا شئ يحجب الدعاء، حتي انك إذا ذُبت وانخرطت تكون قد انفردت بالخالق، تدعوه بما شئت وتحدثه عَمّا أهلكلك واستهلكك في عالم مصنوع يضج بصراخات وعويل دائم.
ونقلا عن مقياس فنار »‬الطاولة».. فإن نيويورك وسيدني تبتعدان نحو 12 ألف كيلومتر، و10 آلاف لتبلغ مزارع زهور امستردام، ومثلها لعاصمة المستعمر القديم لندن، و6000 كيلو تكون كافية لحضور مهرجان راقص في شوارع ريودي جانيرو.
هُنا بلغت »‬»‬ape of good Hope»، أو رأس الرجاء الصالح، حيث اختمار محيطين، وحظائر نعام مفتوحة، ورأساً صخرياً مغروسة في ساحل الأطلسي، وحافة عبرت من حولها الالاف من مراكب الغزاة، ومئات القوافل، وعشرات العشرات من البواخر. المحتلون دللوا بها للإرشاد إلي بلوغ آخر نقاط القارة، أو للإشارة إلي مستعمرة كيب القديمة.
 أسري من زمن قديم
يقولون إن هؤلاء الذين يقررون الانتقام، لم يبرحوا عبوديتهم بعد، وأولئك الذين يُمعنون في التشفي لايزالون يستعذبون العبودية، وأن كل قوانين الأرض ودساتيرها لن تقوي علي إزاحتها.
والعنصرية هُنا سلمية، صامتة، حتي ولو لم تكن كذلك سابقا، فقامت علي الاضطهاد، وتأسست علي التعالي والتكبر. ورغم أن الجميع هنا باتوا سكانا أصليين، إلا أن النفس تبقي في النهاية نفساً، والتصنيف غريزة بشرية يمارسها الإنسان ضد كل من يخالفه الدين، أو اللغة، أو اللون، أو حتي الفكرة والرأي.
كذوب جدا كل من ادعي التسامح، حتي وإن أقسم علي ذلك، فحتي الأنبياء منهم مَن لم يُرزق القدرة علي الصفح.
كان ليلتها راقص الفلكلور الشاب صاحب البشرة الأبنوسية، بأحد مطاعم وسط المدينة، يتفنن في أداء رقصته، يداعب الجميع، يدعوهم للمشاركة، حتي ولو بدق الكفوف، ثم توقف فجأة، ليقترب من أحد الجلوس، بدا عجوزا سبعينيا، له وجنتان حمراوان، ولحية محفوفة بعناية، تُلف فمه، تغطي بالكاد طابع الحسن الغائر بذقنه، يشبه ذلك الرجل المرسوم علي عبوات الدجاج المقلي الشهير، ذلك الذي اقتحمتنا قبل نحو ثلاثة عقود، فشوه مذاقنا، ومزق جمعنا.
وليس أكثر من محاولات تحرش الراقص بالعجوز لكسر تجهمه، وكلما ازداد ترصده، زاد تمسك الرجل بازدرائه، حتي أن دقات الطبول المصاحبة عَلت وعَلت، ثم صخبت.. ثم توقف قرعها فجأة! كأن شيئاً ما كان يستعد للوقوع لكنه لن يقع. ومثل هذه الأحداث لا تنتهي إلا بتدخل، فكانت راقصة أبنوسية أخري في الفرقة المصاحبة، تراقب إنذارات المشهد، وتدرك أن دورها قد يحين لإنهاء هذه المواجهة الصامتة بابتسامة مصطنعة.
وإن شئت الحقيقة.. فكلاهما أسري لأزمنة قديمة، لايزالون يعانون آثار ماض بدا أنه لم يمض.. فتعالي العجوز عنصري، وكيد الراقص عنصري أكثر، وكلاهما مظلوم، فالعنصرية مرض مُكتسب بالوراثة، ولا تنجح كل محاولات التحصن منه.
> بالمناسبة.. العجوز يعمل أستاذا بإحدي جامعات المدينة، يعني ليس مغترباً أو زائرا.
وللتركيبة السكانية هنا تفردها، فنظام التفرقة العنصرية قسمها إلي مجموعتين، البيض وغير البيض. أما البيض فيبلغون نحو 5 ملايين نسمة، بينما يصل عدد الوطنيين وهم قبائل البانتو أكثر من 24 مليونا، وعدد الملونين والآسيويين 4 ملايين، أي أن عدد غير البيض يقترب من 29 مليوناً، وهم بذلك يشكلون أغلبية سكان اتحاد جنوب أفريقيا، وتتكون الأقلية البيضاء من سكان جنوب أفريقيا من أوروبيين مهاجرين، ومن البيض أيضاً أجناس منها هولنديون، وألمان، وإنجليز، وفرنسيين، ولهذا الخليط قوميته فأطلق علي نفسه »‬الأفريكان»، لهم لغة مشتقة من الهولندية ممزوجة بكلمات ألمانية وإنجليزية أطلقوا عليها اللغة الأفريكانية.
 موسيقار النشاز
وفي محيط جزيرة البطريق الأفريقي الوفي، تمتد جسورا خشبية ضيقة، بانحناءات مرنة، تربط اليابسة عرضياً، ولا تسمح للزائرين بأكثر من عبور، تتصل الجسور إلي ممر واحد، ينتهي بشرفة تتسع لنحو 20 زائرا دفعة واحدة علي الأكثر، تكشف أكبر عُرس لزفاف جماعي ببذلات أنيقة، هنا تجمعات لطائر البطريق الأفريقي صاحب الصوت النشار، ذلك الذي يستخدمه للفت النظر، أو لاستقطاب شريكته التي لا يغيرها طيلة حياته.
معروف برفعة شأنه، ونُبل خصاله بين فصائل الطيور، من أصحاب الدم الحار، كما البشر تماماً، أما أناقته فلا اثنان يختلفان عليها، فلا تنقصه إلا بابيون معقودة علي عنقه لتكتمل روعة هذا البدلة السوداء صاحبة التوكسيدو البديع اللامع علي حواف معطفه الطويل كأنه موسيقار يجري بروفات حفله، أذكر أنني سُئلت مرة ذلك السؤال البالي أيام الطفولة: »‬نفسك تبقي إيه لما تكبر»، فأجبت ببراءة مُبررة: »‬نفسي أطلع بطريق»، ومنذ نهارها وأنا أتوق للقاء هذا العريس الذي لا يفارق بذلته.
وللبطريق آداب يصونها مادام علي قيد الحياه، فحياته الزوجية مُقدسة، فلا يتزوج إلا واحدة، ولا يغامر بمضاجعهتا إلا إذا وافقت، ويقدم لنفسه بعناية، فلا يقع عليها، غيور جدا أيضاً، له نخوة انعدمت في رجال كُثر، له أكثر من حياء بشر، حتي أنه اذا اختلي بزوجه اختبأ وتواري.
يعيش عمره رحالا هذا المحظوظ سابحا بين المحيطات والبحار، يرتوي من ماء مالح، ويعيد تنقيته ذاتياً، بين تجمعات كبري يحيا، غواصاً ماهراً، حتي اذا زاد العمق عن عشرات قليلة الأمتار، وسباحاً أريباً إذا أراد فلا سرعة تضاهيه في فصيلته أو جنسه، بسرعة تقترب من 20 كيلو مترا في الساعة، بأمان كامل فلا يجرؤ وحش مائي كاسر علي التهامه، فبطانته البيضاء تموه رؤيته، وتعفيه من الافتراس. أما قدرته علي الطيران والتحليق فليس كل طائر يطير!
.. أما أخيراً.. وبعد لقاء شيق جمعنا للمرة الأولي، مازلت أدعو يا ليتني خُلقت بطريقاً!



الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار