الضريـح الرابـع

د. مبروك عطية
2/7/2019 7:33:20 PM  
 234 

يوميات الأخبار

إذا رأيت الرجل يمشي علي الماء، ويطير في الهواء، ولا يعمل بكتاب الله تعالي، وسنة رسوله   فلا تصدق أنه ولي.
السبت:
كتبت دواوين من الشعر، وأكثر من مائة وأربعين كتاباً في الثقافة الإسلامية، ولكني لم أكتب إلا رواية واحدة، لم تزل محفوظة بخط يدي إلي لحظة كتابة هذه اليوميات، فلم اطبعها، ولا أدري لذلك سبباً سوي أنني لم أكن أنوي طبعها يوم كتبتها وأنا أستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بأبها السعودية، أي منذ خمس وعشرين سنة بالتمام والكمال، إنما كتبت هذه الرواية لوناً من ألوان الخطاب الديني غير المباشر، وسميتها (الضريح الرابع) والخطاب الديني غير المباشر يؤثر في النفس تأثيراً أعلي من المباشر بدليل القصص القرآني، الذي قال الله تعالي فيه »لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب»‬، والهدف الذي من أجله كتبت هذه الرواية  »‬يوسف» اليتيمة بيان أن الولاية في الأعم الأغلب صناعة، بينما الولاية الحقيقية عامة مفتوحة، بدليل أن كثيراً من الناس لا يعرفون من أولياء الله الصالحين إلا اصحاب الأضرحة، كالبدوي بطنطا، والدسوقي بدسوق، والقناوي بقنا، وكذا، وأولياء الله بلا عد ولا حصر، وخلاصة تلك الرواية أن أحمد هاشم بطلها نشأ في قرية بها ثلاثة أضرحة، وكان رجلاً من المتواكلين الذين لا يرون أن العمل له قيمة، وهو طفيلي يأكل الملذات عند الناس، ويستشهد بذلك علي أنه لا يعمل، ويأكل مالا يأكله العاملون، وكان له عم كفله بعد وفاة أبيه، وكان يؤمل فيه الخير، فلما لم ير منه خيراً طرده من بيته، ومن القرية، وهجر أحمد القرية، واستقر في مكان بعيد، وعمل وشقي، وتزوج، وأنجب، وصار ذا ثروة عظيمة، وقبل موته أوصي أن يدفن في قريته، فاستثمر عمه تلك الوصية، وقال: سوف أحصل من ورائه وهو ميت أضعاف ما كنت أود أن أحصل عليه وهو حي، فنشر في الناس أنه ولي من أولياء الله الصالحين، وأن الأولياء السابقين هم الذين دعوه إلي الفرار من القرية، وقد عاد إليها لكي يحقق الخير لأهلها، وأقام له الضريح الرابع، وقد جند عمه صعاليك من رفاق دربه ومحبي الشعوذة، وهؤلاء صنعوا منه ولياً بالروايات، والقصص، والخرافات حتي صار وليا عند الناس، وأتم بموته الأضرحة أربعة.
مفردات صناعة الولي عند الله والناس
الأحد:
الولي الصالح عند الله مفرداته: إيمان، وتقوي، وذلك قول الله تعالي: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ : الآيات من سورة يونس.
لكن مفردات الولاية عند الناس، كرامات بلا سند، خرق للعادة، شفاء المريض بتمتمة، وإنجاب العاقر بتلاوة تعويذة، ونداء الأسري وهم في موطن أسرهم فإذا هم يقبلون بلا أذي ولا كيد، ومن تلك المفردات المشي علي الماء، يفرش الولي منديله علي الماء، ويضع رجليه فوقه فيحمله المنديل كأنه سفينة آمنة، وقد قال أهل العلم من السادة الصوفية: إذا رأيت الرجل يمشي علي الماء، ويطير في الهواء، ولا يعمل بكتاب الله تعالي، وسنة رسوله - صلي الله عليه وسلم فلا تصدق أنه ولي، وهذه كلمة تحترم فالعبرة بالإيمان والعمل الصالح، ومن ثم تجتمع المفردات عند الله وعند الناس علي طريق واحد، أما المبالغة والمغالاة في الكرامات، وتحقق المنامات، وتصوير الكرامة علي أنها فوق المعجزات فخطر علي الولاية الحقيقية، التي يسعي إليها جميع الناس، وما وسعه الله في قوله: »‬الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ» ينبغي الا يضيقه أحد، وقد وسع ربنا تعالي موضوع الولاية، إلي هذه الدرجة، التي هي بلا حد ولا عد، أي كل مؤمن بالله عز وجل، ويتقي الله الذي آمن به من أولياء الله الصالحين، هم الذين ينالون الكرامة، ودعاؤهم أحري بالقبول، أي يتقبل الله دعاءهم لانفسهم، ولغيرهم، ولا تخشي بوادرهم، فجيرانهم آمنون شرهم، ليس لهم بوادر غضب، وهؤلاء منهم حارس العمارة الذي يناولك ما سقط من جيبك، وأنت تجري نحو سيارتك، لتدرك ما وراءك، من أعمال، يأبي أن يأكل الحرام، مع أنك ظالم له لم تعطه حقه الشهري، وقد يكون الولي ذلك العامل النكرة الذي لا مكتب له، وهو يؤدي عمله الموكل إليه علي أتم وجه، دون انتظار شكر من مدير، أو جائزة من وزير، هذا من أولياء الله الصالحين، وقد جاء ذكرهم تطبيقاً عملياً في سورة الإنسان، حيث يقول تعالي »‬وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَي حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا».
 علاقة الحق بالقصص
الاثنين:
وللحق علاقة بالقصص يكاد الحق يكون شرطاً فيه، بدليل قول الله تعالي: »‬نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ» في سورة الكهف، أي نبأ أهل الكهف الذين آمنوا بربهم فزادهم الله هدي، وقد قال تعالي في سورة المائدة: »‬وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ» فانظر كيف ارتبط الحق، بالقصص، وكأنه بمثابة الشرط فيه، وإنما كان كذلك لأن السرد في القصص فيه مجال خصيب واسع للإضافة التي هي تحبيشة خطيرة، قد تذهب بجمال المعني المقصود الذي سيقت القصة من أجله، وقد تؤدي تلك التحبيشة الي ظلم كبير، بأن ينسب سوء الي أحد الأشخاص، وهو منه براء. وقد كان أساتذتنا في الأزهر الشريف يقولون لنا في هذا السياق: إن أول ناقل للقصة يزيد فيها (شنيطة)، وثاني ناقل لها يزيد علي الشنيطة (شطيطة) حتي تفرغ القصة من محتواها الأصلي؛ فلا يبقي بها إلا الزيادات التي لا تفيد شيئاً، ومن ثم كان نقل القصص بأمانة من الإيمان، وكان التصرف فيه بغير علم أو حسن من المفاسد، وفي صناعة الأولياء نري الصناع يعتمدون علي الخيال الواسع في حكي القصص عن مدعي الولاية، أو الولي الحقيقي، ويؤكدون ذلك المروي خيالاً بالواقع، فيقول لك أحدهم: إنه رأي سيدنا الولي، وقد دخل عليه رجل غريب لم تكن له صلة به من قبل، فقال له أهلاً يا ابن زينب، فتعجب الرجل، وقال له: من اين عرفت أن اسم أمي زينب، ثم هبط يقبل قدميه ورجليه، ويقول لك أنا كنت حاضراً، ورأيت بعيني، وسمعت بأذني، ويحكي لك هذه الرواية راو آخر من صناع سيدنا الولي.
فيقول: وبعد أن ناداه باسم أمه زينب، قال له: وفي جيبك ألف جنيه، وشوية فكة علي بعضها كده سبعة وستون جنيها، فقال ابن زينب: نعم الألف موجودة، لكن والله ما عددت الفكة، فأمره أن يخرجها من جيبه الشمال، ويعدها أمام الناس، فأخرجها أمام الناس، وعدها، فإذا مقدارها كما قال مولانا الولي، وعلا المجلس التكبير، والتهليل، والصلاة علي الحبيب، ذلك الفضل من الله عز وجل، وقد وضعت لهذا الموضوع قاعدة فيها راحة البلاد والعباد، أنه متي ذكر عن النبي صلي الله عليه وسلم موقف ما يحكي ويقص فينبغي طرح ما يحكي وقص، وقد ثبت أن النبي صلي الله عليه وسلم زاره الناس من كل مكان، فكان يسأل كل انسان عن اسمه، وعن قبيلته، لأنه لا سابق معرفة بينه وبينه ، فكيف يسأل الرسول رجلاً عن أسمه، لأنه لا يعرفه، ويعرف مثل هذا اسماء الناس وأمهاتهم، وإذا كان هذا من فضل الله علي سيدنا الولي فهل يعقل أن يؤتيه الله شخصاً ما فضله ويحرم رسوله منه، وقد احتج بهذا المعني قيس بن سعد بن عبادة علي عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع حين كان قيس مع عمر، وجمع من الصحابة، فاشتري قيس من رجل أعرابي عدداً من الجمال، ليذبحها تكرمة لصحابة النبي صلي الله عليه وسلم علي أن يسد لصاحبها ثمنها تمراً حين يرجعون إلي المدينة، فتوقف عمر وقال للأعرابي: لا تبعه، فإن التمر تمر أبيه وليس له، فتوجه قيس بن سعد إلي عمر وقال له: اتظن يا عمر أن سعد بن عبادة يعطي التمر الأجانب، ولا يعطيه ولده! فقال عمر: صدقت، وقال للأعرابي: بعه يا أعرابي، فإنه الكريم ابن الكريم، فسلم الأعرابي النوق إلي قيس، فذحبها، وأطعم صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وبقول قيس بن سعد أقول: إذا كان معرفة اسماء الناس، وأمهاتهم دون سابق معرفة من فضل الله فكيف يعطي الله فضله عبداً عادياً من عباده ولا يعطيه رسوله!
المجانية مصيدة
الثلاثاء:
وصناع الأولياء يقولون: إن سيدنا الولي يحل المعضلات، وسائر المشكلات، ويداوي المرضي، وينفس الله به الكرب عن المكروبين، ويقرأ القرآن علي العاقر، فتحمل، وعلي المكتئب، فيعود منشرح الصدر، يغني للطير، وقد انتزعت كلمة اكتئاب من قاموس حياته إلي الابد، وغير ذلك من العجائب والغرائب دون أن يتقاضي من هؤلاء المحتاجين جنيها واحداً، أي أنه لو كان متخذاً من الولاية أجراً لحصل الملايين، لكنه يفعل ذلك لوجه الله تعالي، وقد اتصلت بي سائلة، وأخبرتني بأنها قصدت أحد هؤلاء المدعين للولاية، وكان بينها وبين زوجها خلافات لا يبدو لها سبب، وأفتاها المفتون من الجيران بأن هناك عملاً معمولاً لها ولزوجها، وسألتها وكم أخذ منكم ذلك الولي؟ فقالت: لم يأخذ شيئا غير ثمن البخور واللبان الدكر والزعفران، فقلت وكم أخذ نظير ذلك؟ فقالت: أخذ في هذا الكيس الذي به بعض أعواد البخور، وحبات اللبان الدكر، والزعفران ألف جنيه، ويقيني أن كيس النصب هذا لا يزيد ثمنه في محل العطارة عن خمسين جنيهاً، فانظر إلي هذه التجارة التي تدر الربح الكثير، وهو سحت علي سيدهم الولي، ومن دلهم عليه، ومن شاركهم في صناعته، وعند الناس ميول للدجل واصحابه، ليقينهم أن هنالك سراً كامناً عند الأولياء يفوق ما عند الأطباء من وجع القلوب، وغلو سعر الدواء الذي يفرغ كل ما في الجيوب، وقد صار كل الأطباء إلا من ندر لا يصلون إلي تشخيص سريع مباشر إلا بعد إجراء تحاليل وفحوصات تكلف الناس الكثير، والناس لا طاقة عندهم للصبر، ولا يحبون الانتظار الطويل حتي يشخص الطبيب، ويصف الدواء، ويأتي الفرج بالشفاء، إنهم يريدون من يدجل عليهم، فيقول: أهلاً يا أبناء زينب، ذلك الاسم الذي ابلغه به بعض أعوانه، لأنه لا يعلم الغيب، وكيف يعلمه، والغيب كله لله! وبعد أن يقول مرحباً يا أولاد زينب يقول لهم: هنالك عمل معمول، وسحر مدفون تحت شجرة بعيدة، أو في مقبرة مهجورة، وهو يصادف هوي لديهم يجيبون بعده سيدهم الولي بقولهم: وما الحل يا مولانا؟ فيغمض عينيه وينادي: يا حي، وبعد برهة من الزمن يسيرة يتلو عليهم ما يوحيه فيهم بالمطلوب من البخور، والدجاج اليتيم، والعصفور العاشق الذي لم يسبق له الزواج، والعصفورة الأرملة الشقية التي تركت بلاد الهند، واستقرت في شبرا الخيمة، ليجعموا ريشها في الأيام البيض، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، قبل أن تسود تلك الليالي، وتسافر الأرملة المسكينة، لتقضي تلك الأيام السود في مرسي مطروح، والعجيب أن الدجال كلما بالغ في مطلوبه كان الناس أشد تصديقاً له، فالناس يصدقون أن معضلاتهم لا تحل بالمعوذتين، والنظر في السبب الذي يقتضي علاجاً، يرون ذلك أمراً سهلاً، وقد قلت من قديم لسائلة: عليك بالمعوذتين: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، فقالت متعجبة: بس؟ فقلت لها لو قرأت القرآن كله، وقلت بعده: بس لما نفعك، أنت في حاجة إلي من يضحك عليك ويسألك أن تحضري الأعاجيب.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار