أرواح لا يقبضها ملك الموت

د. مبروك عطية
9/13/2018 8:19:43 PM  
 278 

يوميات الأخبار

ألا تري إلي قول سيدنا رسول الله : اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنهم شغلوا بميتهم! ما قال اذهبوا إلي آل جعفر، وقولوا لهم: شدوا حيلكم، ولا قولوا لهم: لله البقاء
ماذا قالت أسماء؟
السبت:
تزوجت السيدة أسماء بنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهما الزبير بن العوام حواري رسول الله صلي الله عليه وسلم، وكان فقيرا، ما عنده غير فرس، وقد اتفق مع أسماء أن تسوسه، هو يعمل خارج البيت، ويشقي، وهي تشقي أكثر، وما أشقاها شيء كسياسة الفرس، كانت تحمل علفه علي رأسها، وتنظف مكانه، وترعاه، وهذا أرهقها أيما إرهاق، ورق لها أبوها، فكفاها مئونة الفرس، بأن أرسل إليها عبدا، يقوم بهذه المهمة، فقالت رضي الله عنها: وأرسل لي أبوبكر عبدا، فكفاني مئونة الفرس، فو الله كأنما كنت سبية، فأعتقني.. أي انتقلت من حال ذل وشقاء تحت ظل السبي الكئيب، إلي الراحة والنعيم في ظلال الحرية، وشتان ما بين ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب كظل جهنم، والعياذ بالله، وبين ظلال الحرية الوارفة، في نعيم الرياض، بين الجداول الجارية، وفي صحبة الطيور المغردة، واجتماع صنوف العيش الناعم، الذي لا عنت فيه، ولا مشقة إلا مشقة الانتقال من نعيم إلي نعيم، والسؤال:
ماذا لو لم يسعفها أبوها الكريم برجل يقوم مقامها في سياسة الفرس ثروة زوجها الوحيدة، وسياسة الدجاج مرهقة فضلا عن الخيل؟ لا شك أنها كانت ستظل من السبايا اللاتي لا يجدن من يرحمهن بإعتاقهن، ومنحهم حرية العيش الكريم، وكم مثل أسماء من المعذبين في الأرض الذين تستطيع أن تقوم فيهم أرواح تموت ولكن لا يقبضها ملك الموت، وإنما يقبضها القلب القاسي، الذي ربما يكون مثل الحجارة، أو أشد قسوة، كما قال ربنا تعالي في سورة البقرة:
 »ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ»‬ ومعلوم أن الحجارة لا ينبع منها الماء حقيقة، وإنما يخرج الماء من بينها، أو من تحتها، أو يسيل فوقها فإذا هي تبدو لامعة رقيقة، وكأنها صارت جزءا من الماء، فالماء الذي لابسها أكسبها رقة ونزع عنها وصفها بالجمود والقسوة، وكذلك الإنسان إذا كان ذا قلب رحيم، تراه عطوفا علي المساكين رحيما بالفقراء والمحتاجين لا يسلمهم إلي الهلاك الذي يجعلهم موتي لم يقبض أرواحهم ملك الموت، وإنما يقبضها الشح والبخل والعمي عن أحوالهم، ومثل هؤلاء الراحمين، مثل الصديق الذي أعتق ابنته، وفي الحديث: الراحمون يرحمهم الرحمن.
ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا
الأحد:
والله عز وجل يقول في سورة المائدة »‬مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» آية محكمة تبين للمكلفين بالدين أن النفس الواحدة تعدل كل النفوس، فمن أزهقها دون وجه حق فقد أزهق البشرية كلها، ومن أحياها فقد أحيا البشرية كلها، عقاب غير متصور في السوء لمن قتل بنفس واحدة كل النفوس، وثواب غير متصور لمن كان سببا في أحياء الناس جميعا بإحيائه نفسا واحدة، ومعلوم أن الله تعالي وحده هو المحيي المميت. سبحانه وتعالي، وإنما يقدم الكريم السخي المؤمن سبب الحياة، ومع هذا لم يذكر الله تعالي في النظم الجليل كلمة سبب، في القتل أو الإحياء، وإنما أطلق التعبير المباشر: قتل، وأحيا، ليبين للناس عظم الجرم في حال القتل، وعظم الجمال في حال الإحياء، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وقد بين هنا السبيل إلي عذاب ونعيم مقيمين، وعلي الناس أن تختار، وكما يكون القتل بسكين، وضربة رصاص في مكان قاتل يكون كذلك بالحرمان، وربما يكون الموت أو القتل بالأداة القاتلة كسكين ونحوها أرحم بكثير من القتل، بالحرمان لأن المقتول بالاداة القاتلة يموت مرة واحدة، بينما يموت المحروم كل يوم، بل كل ساعة، أو إن شئت فقل: يقتل كلما احتاج إلي شيء من مقومات الحياة، ولم يجده، وحاجات من عاش لا تنتهي.
نروح ونغدو لحاجاتنا.. وحاجات من عاش لا تنقضي.
إنه في حاجة إلي سكن يؤويه، وإلي ملابس تستره، وإلي طعام وشراب يقيمان صلبه، وإلي دواء يتداوي به إذا مرض، وإلي مال يحتاج إليه عند ارتحاله، وكذا إقامته، وقد قال العلماء، إن المال قوام الحياة، فإذا فقد فلا حياة، بل موت أعنف من الموت المعروف، وقد جعل الله عز وجل للمحتاجين حقا، فقال عز وجل، »‬وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» وقال عز من قائل: »‬وَآتِ ذَا الْقُرْبَي حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ» ومع ذلك سمي المعطين الحقوق  أولي فضل، فقال تعالي »‬وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَي» فسماهم تكريما لهم، وحثا لهممهم أولي الفضل، فأنت أيها القادر علي إحياء النفوس تعطي هذه النفوس حقها المكتوب عليك، وتصبح ذا فضل، كما كان العلماء يقولون: مالي لا أفرح بالضيف، والضيف يأكل رزقه عندي، ويشكرني عليه!
وبكت البكاء المر
الإثنين:
حين توفي ولدها الذي سافر للعمل في القاهرة، ولم ينسها يوما، بل كان يمنحها جزءا كبيرا من دخله يكفيها، ويكفي أخواته الثلاث، اللاتي تركهن أبوهن في حجرها، كان يدخل عليها بالمسرة، ويوسع عليه وعليهن في الأعياد والمناسبات، قالت يوم وفاته وهي تبكي البكاء المر.
مات الحنين، مين ح يسأل علينا بقي؟
وبكت البنات لبكائها، وبكت الحواضر من اللاتي أتين لاداء ما يسمي بواجب العزاء، وأقول: إن هذا ليس من قبيل العزاء المعتبر شرعا، أن يذهب المعزون رجالا ونساء إلي بيت المصاب للجلوس دقائق في خشوع، وإطلاق عبارة البقاء لله، إنما العزاء في دين الله تقوية للمصاب، ومده بما يحتاج إليه، وقد قال الصديق رضي الله عنه لأناس ذهب ليعزيهم: لا مصيبة مع العزاء، فهل يتصور عاقل أنه لا مصيبة مع العزاء، الذي هو قول المعزي: لله البقاء، وشدوا حيلكم؟! كيف يشدون حيلهم؟ وبأي شيء يشدونه؟ إنما يشد الحيل  بحبل العطاء، ومد يد العون إلي ذلك المصاب الذي فقد من كان يعوله، وكفاه حزنه علي فراقه، لكن أن يجمع بين حزنين، حزن الفقد والحاجة بعد الفراق، وحزن الفراق نفسه لوجه كان إذا رآه رأي الدنيا  الندية فيه، فهذا من الموت الذي قبض فيه المعزون بالكلام وحده أرواح من جاءوا لتعزيته، ألا تري إلي قول سيدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنهم شغلوا بميتهم! ما قال اذهبوا إلي آل جعفر، وقولوا لهم: شدوا حيلكم، ولا قولوا لهم: لله البقاء،إنما القول أن يقال: لله ما أخذ، ولله ما أبقي، وكل شيء عنده بأجل مسمي، مع الأيدي التي تمتد بالعطاء للمصاب، فيخفف ذلك من مصيبته، ويجد شيئا من العوض يجف به دمعه، ويمسح به همه، ويواسي به بعض جراحه، حتي يحيا، لأن الله تعالي خلقنا لنحيا، »‬كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم»، ويقول سبحانه »‬يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ» ومن دعوة الله ورسوله الدعوة إلي أحياء النفوس، وقد جعل الله عز وجل الإنفاق علي المحتاجين قرضا له  عز وجل، »‬مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ» ليحث عباده الذين يستجيبون له علي هذا الإحياء الذي هو في الحقيقة إحياء لهم معشر المنفقين، لأن الله يقول، »‬مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ».
الدار بعده ما تنسكن
الثلاثاء:
كانت هذه عبارتها بالحرف، وذلك حين مات زوجها الكريم الذي ما أهانها يوما، وما بخل عليها ساعة، قالت لرفيقة كفاحها جارتها زوجة رفيق كفاحه، والله يا أختي الدار بعده ما تنسكن، ومع ذلك سكنتها، حيث لم يتوافر البديل من السكن، فأين تذهب؟ ومن أين تعيش؟ وقد تأملت عبارتها البليغة، من قديم، ورأيت أن تفسيرها أن الدار التي فارقها حيث لا رجعة لا تسكن السكن نفسه الذي تحقق في حياته، إنه يغدو منها خميصا، ويعود شبعان بما رزقه الله، لا يدخل عليها ويده فارغة، إن شكت الدار شيئا اصلحه، وإن احتاجت إلي شييء قضاه، إنه المعمر لا المخرب، والمطعم المسقي الكاسي من يناديه أصحاب الحقوق فيلبيهم، ويقضي ما علي زوجته وأولاده للبقال الذي كانوا ينزفون منه ما شاءوا، ويرسل البقال ولده عندما يعلم بوجوده في الدار إن لم يمر هو عليه قبل أن يدخلها لينظر ما سحبت زوجته من أرز ومن سكر ومن شاي، ومن زيت، وغير ذلك، فإذا دفع للبقال حسابه حمد الله الذي رزقه بما يوفي به ما عليه، وليبقي ما بقي، معه، كان يقبله قبل أن يضعه في جيبه، ثم ينطلق ومعه شيء من الفاكهة ليري وجوه زوجته وعياله أنضر من الفاكهة التي في يده، بما غذاهم به من فضل الله عليه، كان دخوله الداردخول الندي الذي يبل صدي الحياة، والغيث الذي يحيي الموات، والأمل الذي يبدد اليأس ويقضي عليه، فبرحيل هذا المدد كيف تسكن الدار، إنها إن سكنت فمن باب الضرورة، حيث لا مأوي سواها، لكن هيهات أن تسكن كالسكن الذي كان في كنفه، فمن ذا الذي يطرق بابها حاملا الخيرات التي كان يحملها؟ ومن ذا الذي سيمر علي البقال ليقول له: كم لك عندي حساب ما أخذت منك زوجتي وأولادي؟ ومن ذا الذي سيؤنس وحشتها، ويبذر المودة في أركانها فإذا كل ركن يخضر من بعد يبس، ويثمر من بعد جفاف، وإذا الجدران في ظل كرمه وعطائه لها شكل في أعين الناظرين يختلف عن شكل كل الجدران، إنها جدران من وجدان لا من طوب وطين، لم تكن مطلية بطلاء الجدران الحديثة لكنها كانت انضر منها، وأزهي، وأجمل، فكم من جدر مطلية بأبهي ألوان الطلاء، تضارع جدران القصور، والفنادق العالمية المعروفة بالروعة، والألوان، ويراها الناظر غريبة قفرا لأن من يجمل حقيقتها مفقود غير موجود، وأنت إذا دخلت مثل هذه الفنادق، ولم يكن في جيبك ما تدفعه نظير الإقامة فيها، أو تناول شيء من خيراتها في المكان الذي خصص لذلك من اللوبي ونحوه، ولم يكن هنالك من يكفيك ذلك، ويدفع عنك حسابك فلن تري فيها لونا ولا زينة، وإنما تستعد للمصير السييء الذي ينتظرك ساعة تقدم لك الفواتير الباهظة، وكنت من الأساس وعند الابتداء حينما دخلت غير مقدم رجل ومؤخر أخري من المجانين الذين لا يشعرون بالتبعة، وهؤلاء لا يفرقون بين لون القصور، ولون القبور، كم من ميت يحسبه الناس حيا، ولا يهتمون به، وبئس العيش في أي مكان آهل بالبشر ولا يسأل عنك فيه أحد، ولا يهتم بك أحد منهم، تمشي بينهم وكل ما فيك يلعنهم، وإن كان لسانك مبرمجا علي السلام عليهم، ورد سلامهم البارد الذي هو حرب لاهدنة فيها ولا سلام بعدها، فإن شعرت بأنك ميت فهؤلاء من قبضوا روحك قبض الله أرواحهم!


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار