في وداع الشهر الفضيل

محمد بركات
6/12/2018 9:27:24 PM  
 907 

يوميات الأخبار

في الشهر الفضيل الذي أوشكنا علي وداعه،..، كانت ولاتزال قلوبنا واجفة متوسلة للرحمن الرحيم، طلبا للهداية وأملا في العفو والمغفرة.


اليوم الاربعاء الثامن والعشرون من رمضان،..، وهو ما يعني أن أمامنا فقط يوماً وبعض يوم في رحاب الشهر الكريم، الذي اختصه الله جل شأنه بخير كثير وبركة عظيمة، ومغفرة ورحمة تسع كل البشر وكافة الخلائق، منذ قال الله كلمته فكانت الدنيا والآخرة وكانت السماء والأرض وكان الانسان.
أي أن أمامنا ساعات قلائل ويودعنا الشهر الفضيل شهر الصوم، الذي كان ولايزال وسيظل من اكثر الشهور منزلة وقدرا وسموا في نفوس المسلمين، نظرا لما شرفه الله رب العالمين واختصه به، وهو نزول القرآن الكريم فيه، هدي للناس ورحمة للعالمين، في ليلة مباركة هي خير من الف شهر يعم فيها السلام وتظللها الرحمة والمغفرة.
وداع رمضان
اليوم.. وغدا.. نحن في رحاب الشهر الفضيل الذي ما زلنا في كنفه حتي الآن نستمتع بعظيم فضله، ونلتمس فيه الوسائل والطرق لنيل القبول والرضا من رب العالمين، ونسعي جاهدين كي يشملنا الله سبحانه برحمته ويهدينا بكرمه إلي سواء السبيل.
وفي رمضان من كل عام ترق القلوب وتصفو النفوس ويتطلع العباد جميعا لمرضاة الله عز وجل، ويبذلون غاية جهدهم للتطلع لمغفرته والتقرب اليه بالصوم والعبادة والدعاء،..، وفيه تهفو قلوب البشر إلي رحمة من الله ومغفرة، وتتطلع النفوس إلي عفوه ومرضاته، أملة سائلة راجية في القبول والسماح من الرحمن الرحيم رب العرش العظيم، مالك الملك الذي وسعت رحمته كل شيء وكل البشر.
وفي هذا الشهر الذي أوشكنا علي وداعه كانت ولاتزال قلوبنا واجفة متوسلة للرحمن الرحيم طلبا للهداية وأملا للمغفرة، متطلعة إلي نفخة من هداه وقبس من نوره، فهو الحي القيوم السلام القادر المهيمن العزيز الجبار.
وهو الخالق الباريء المصور السميع البصير، العالم بمكنون الصدور والمطلع علي الأفئدة، وما يعتمل في اغوار النفس البشرية، ماظهر منها ومابطن وما يسرون ومايعلنون.
ونحن في هذه السويعات القليلة المتبقية لنا من شهر البر والاحسان والتضرع والزلفي لله العزيز الحكيم، لانملك إلا أن نستغفره سبحانه عن كل ما وقعنا فيه من أخطاء في الشهر الفضيل، عندما ربطنا بين ما يجب أن نكون عليه من محاولات صادقة للتقرب لله عز  وجل، طلبا لراحة النفس وهدوء القلب وصفاء الروح،..، وبين تلك الممارسات البعيدة كل البعد عن روح وفلسفة الشهر الكريم وأهدافه الراقية وغاياته السامية.
نستغفره عما ارتكبناه من خلط سيئ بين روحانيات الشهر الكريم وبين الاغراق في الإسراف السفهي في الطعام والشراب،..، ونستغفره ايضا من الربط الظالم والمتعسف الذي قمنا به بين ليالي رمضان المباركة التي يجب ان نحييها بنور الايمان، فإذا بنا نحييها بالبحث عن التسلية والسمر،..، واذا برمضان يصبح شهرا للكسل والسهر والأكل والتسلية والسمر.. وعسي الله ان يغفر لنا ويرحمنا.
بناء الإنسان
أحسب اننا جميعا ندرك الآن بوعي كامل أننا بدأنا بالفعل مرحلة جديدة من مسيرتنا الوطنية بعد أن تولي الرئيس بالفعل ورسميا مسئولياته الدستورية لقيادة سفينة الوطن خلال السنوات الأربع القادمة في دورة رئاسية جديدة، حدد ملامحها وأهدافها وغاياتها في كلمته للأمة منذ أيام، والتي اكد فيها ان التنمية الشاملة علي كل المستويات الاقتصادية والسياسية  والاجتماعية والثقافية، هي الهدف الأسمي للدولة المصرية في المرحلة الحالية،..، وذلك يتطلب تنمية صحيحة للانسان المصري،الذي هو قوام المجتمعات وأساس الدول، بكل ما يعنيه ذلك من تعليم وثقافة وصحة وبناء قيمي وحضاري، في ظل حياة كريمة ومستوي اجتماعي لائق علي المستويين المادي والمعنوي بدنيا وعقليا.

وطالما أن هذه هي الاهداف وتلك هي الغايات، فدعونا نقول بصراحة ودون مواربة، ان النجاح في تحقيق ذلك يستوجب العمل بكل الجدية والاصرار لتعديل حالنا وعلاج ما طرأ علينا من أمراض اجتماعية، وما أصابنا من تشوهات واعوجاج قيمي وأخلاقي في الآونة الأخيرة،..، وذلك يعني المسارعة بوضع حد عاجل لكل السلبيات التي التصقت بسلوكنا الجمعي في أوجه كثيرة من حياتنا، وهو ما أدي إلي ما أصابنا من قصور وعجز واضح للأسف في جميع الأنشطة والمجالات المعيشية والاقتصادية خلال السنوات الماضية، علي جميع  الأوجه الانتاجية والخدمية، بكل ما تشتمل عليه من صحة وتعليم واسكان وطرق ومواصلات ومياه وكهرباء وصرف صحي، وغيرها.. وغيرها،..، وايضا بكل ما تحتاجه هذه الكتلة الضخمة من البشر من غذاء للجسم وثقافة للعقل وسمو للنفس ورقي في القيم،..، وهو ما وضح ان به نقصا وعجزا كبيرين، يصعب ان يحدث التقدم والانتقال إلي الافضل والوصول إلي المكانة التي نسعي اليها دون علاجه علاجا شافيا وناجعا.

اعوجاج القيم

وبداية الطريق الصحيح للعلاج في اعتقادي، هي الاعتراف بالمرض، والإقرار بما طرأ علي الشخصية المصرية من متغيرات جسيمة بالسلب خلال السنوات الماضية، مما أدي إلي ما نحن فيه الآن.. ولعل اكثرها لفتا للانتباه وإثارة القلق العام، ذلك الانحدار الأخلاقي والقيمي الذي أصاب البعض منا وطفح علي السطح بصورة يصعب القبول بها أو السكوت عليها.

وفي هذا، وعلي سبيل المثال وليس الحصر، علينا أن نشير إلي ما نشاهده ونلمسه من جنوح البعض للفوضي وعدم احترام القانون والميل في كثير من الأحيان للعنف في الآداب والسلوك لدي البعض الآخر.
وهناك أشياء أخري كثيرة لمسناها وشاهدناها طفحت علي السطح خلال هذه السنوات تمثل اعوجاجا عاما في التفكير والسلوك والقيم الأخلاقية، بحيث أصبحت ظاهرة مؤسفة تتطلب المواجهة والعلاج السريع، نظرا لما تمثله من خطر مؤكد علي المجتمع بكل مكوناته، وخروج فج علي القيم المصرية الأصيلة التي تعارفنا عليها وتوارثناها جيلا بعد جيل، والتي كانت مضرب الأمثال بين شعوب العالم، وموضع احترام الكل.

دعونا نعترف في هذا المقام، أن أمامنا أمثلة حية وواضحة علي ذلك الاعوجاج الذي اصاب القيم الاجتماعية الأصيلة لدينا، فيما نراه الآن من زيادة انتشار ظاهرة الإهمال وعدم الانضباط وتفشي ظاهرة التسيب، في مواقع كثيرة وأماكن متعددة للعمل وفي ادارات وهيئات ومؤسسات خدمية وانتاجية كثيرة للأسف،..، ولعلنا نلمس ونري ما ينتج عن ذلك من تعطيل للمصالح وإهدار المال والجهد وتضييع للحقوق،،..، وهوما يتطلب المواجهة الحاسمة لمثل هذه الظواهر السلبية، قبل أن تتحول إلي مرض عضال يصعب مواجهته ويستعصي علاجه.

العمل والإنتاج

وطالما أننا نتحدث عن المرحلة الجديدة التي نبدأ أولي خطواتنا فيها الآن، سعيا للانطلاق بمصر علي طريق التقدم والحداثة والتنمية الشاملة، فلابد أن نكون صادقين مع انفسنا كل الصدق، وذلك يستتبع ان تكون دعوتنا لكل المصريين الآن وطوال المرحلة الجديدة هي الدعوة للعمل، وأن يكون نداؤنا في كل وقت وكل حين، هو نداء الإنتاج وبذل غاية الجهد لزيادة الإنتاج.

وبعيدا عن الشعارات البراقة التي نسمع منها الكثير، لابد أن نؤمن باليقين ان مصر لن تبنيها سوي سواعد ابنائها، وانها لن تقوم لها قائمة سوي بجهد هؤلاء الابناء وعرقهم وعملهم ونتاج ايديهم وابداع عقولهم.

وفي ذلك لابد أن ندرك جميعا أن مصر في حاجة ماسة الآن لحشد كل الطاقات الخلاقة والابداعية لابنائها في كل مجال من مجالات العمل والانتاج، واضعين في قلوبنا وعقولنا حب الوطن والسعي للانطلاق به إلي الأفضل بإذن الله.

وفي هذا الشأن لابد أن ندرك أن الضرورة تقتضي منا جميعا العمل بكل اخلاص من أجل هذا المستقبل الأفضل الذي نسعي اليه، وان نكون علي ايمان كامل بأن العمل والمزيد من العمل هو وسيلتنا لتحقيق ذلك، وان الطريق الصحيح للخروج من الحالة الصعبة التي نحن عليها الآن هو العمل والإنتاج، بوصفه السبيل الوحيد والآمن لتحقيق الأهداف الطموحة التي نتطلع اليها.

وإذا كنا بالفعل نتطلع إلي الحياة الكريمة لكل اسرة وكل مواطن مصري، فلابد أن نؤمن بأن ذلك لن يتحقق دون عمل وجهد وعرق، وان القضاء علي مشكلة البطالة وايجاد فرص العمل للشباب والخروج من ازماتنا المتراكمة، يحتاج منا جميعا إلي جهد كبير وعمل مستمر دون كلل أو ملل، ودون اضاعة للوقت ودون التفات إلي الدعاوي المشبوهة، التي يحاول أعداء الوطن الكارهون لمصر وشعبها الترويج لها والدعوة اليها سعيا لإشاعة الفتنة ونشر الإحباط واليأس في نفوس المواطنين.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار