بلاغة لم تعرفها الكتب

1/11/2018 11:20:57 PM  
 5806 

لايعرف عبدالقاهر الجرجاني ولا الزمخشري ولا سعد الدين التفتازاني ولا السكاكي عبارة »الدار من غيرك تربة»‬.

السبت:
أقطع دون تردد بأننا في حاجة إلي تجميع هذه البلاغة التي لم تعرفها الكتب من أفواه بلغائها وهم من كل حدب ينسلون، وللموضوع قصة، حيث كنت أحد القلائل في قريتنا الذين يعرفون الكتابة، وكان عمال التراحيل في قريتنا يرحلون إلي مواطن عملهم في الصحاري البعيدة، وبعد رحيلهم بخمسة وعشرين يوما يرسل اليهم أهلوهم بلقمة طرية ونفحة من اللحم أو البط أو الدجاج سخية، وأهم من ذلك كله رسالة يكتبها أمثالي علي لسان من يرسل هذه الرسالة من أب أو أم أو زوجة تكون بريد طمأنينة ورسول شوق ومناجاة دعاء بالعودة بعد خمسة عشر يوما لأن مدة الرحلة أربعون.
وكان مضمون الرسالة التي يخطها كاتبها علي لسان مرسليها معلومة للغادي والبادي، فهي تبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم حضرة المحترم، ثم سرد أسماء الذين يسلمون عليه من أهله وجيرانه ومعارفه، ثم إعلامه بأهم ما جري في غيابه من الأخبار السارة دون المحزنة، وأهم تلك الاخبار ولادة جاموسة أو شفاء مريض أو عودة غائب أو النجاح في استثمار بعض المال الذي تركه، ثم ترنيمة الدعاء والختام.
وجاءت إحدي زوجات المسافرين تحمل ورقة وظرفا وهي علي يقين أن عندي القلم، وسلمت علي والدي رحمهما الله واستأذنتهما في أن أكتب رسالة إلي زوجها المسافر فلا قيمة لاستئذاني إذا حضر والداي فهما يأمراني أو ينهياني.
فلما قال لي أبي اكتب كتبت، وجنبت كتابي وركنت مستقبلي فلا شيء يشغلني إلا ما أمر به أبي، لكني كتبت علي غير المعهود إذ كنت عامها أحسبني فوق طه حسين والعقاد، وأمسكت بالقلم وأمطرت علي وجه الورقة ما لا أنساه حيث قلت: »‬زوجي الحبيب فرج الطبال، أرسل إليك بهذه الرسالة فلا تحسبنها حبرا علي ورق وإنما هي عمري الذي طار إليك روحي التي تناثرت مني فتجمعت بين يديك، ولاتحسبن أنك وحدك في غربة فأنا في غربة أشد من غربتك وإن كنت بين أهلي وفي ديار قومي، فما الحياة بدونك إلا عذاب، وما الآمال في بعدك إلا سراب وعلي هذا النحو كتبت ثم توقفت لتملي علي ما تريد، ولأني كنت خفيف الظل والبدن ملت نحو أمي وهمست في أذنها قائلا: أحضري بصلة أو نشوقا لأنها سيغمي عليها بعد سماع كلماتي، فقالت لي: خلصت الشوية بتوعك؟، تقصد: »‬حضرة المحترم وصباح الخير إن وصلتك هذه الرسالة في الصباح ومساء الخير إن وصلتك في المساء»، فقلت: نعم قالت: سمعني، فأسمعتها بإلقاء يفوق الملقي من الكلمات وبعد كل عبارة أنظر إليها هل أغمي عليها أم لا، والعجيب أن جملة واحدة مما كتبت لم تؤثر فيها والأعجب أنها قالت: قل له: يافرج الدار من غيرك تربة، فأغمي علي أنا دون أن أقع علي الأرض.
فاقت عبارتها كل ما كتبت، وقد عاشت معي هذه العبارة حتي صرت أستاذا في الجامعة وشاعرا مستقيم النظم وكتبت فيها قصيدة طويلة منها:
أملت علي خطابا من بلاغتها
مع أنها لم تطأ في العلم روضات
الدار بعدك يازوجي كمقبرة
تضمني جسدا من غير نبضات
أمشي بها لهفتي حيري مزلزلة
أقضي بها لحظتي في ضعف ساعات
يادار من غير الأمواج سابحة
أين السنين التي كانت دقيقات
غدا تعود بإذن الله في عجل
وحين ألقاك أنسي كل مأساتي
وقد توجهت بخطاب إلي مثلها في زماننا، وقلت لها:
وقد منحتك من روضاتها ورقا
فما رأيت به إلا النفايات
فرحت أجمعها وأستعين بها
هديا يرافقني في البحث عن ذاتي
لايعرف عبدالقاهر الجرجاني ولا الزمخشري ولا سعد الدين التفتازاني ولا السكاكي عبارة »‬الدار من غيرك تربة»، فهذه بلاغة لاتعرفهاالكتب وإنما تعرفها الفطرة التي يملي عليها الحب بالأعاجيب.
ونحن في أشد الحاجة إلي جمعها قبل أن تختفي تماما فلا تعود أبدا وعندئذ ستكون الخسارة أكثر من فادحة.
كأني لأول مرة أسمعها
الأحد:
في زاوية صغيرة علي يسار الماشي في شارع الأمراء بالعباسية متجها إلي المستشفي الإيطالي صليت المغرب خلف إمام عجوز سنة 1985م، وقرأ بنا بعد فاتحة الكتاب سورة المطففين، ومن حلاوة صوته كأني كنت أسمعها لأول مرة، وماذا ينتظر القاريء من شرحي لحلاوة وهو يعرف الحلاوة المادية التي تكون في مقابلة المرارة والتي مصدرها السكر وإخوته، ويعرف الحلاوة المعنوية بأن يطلق لفظ حلو أو حلوة علي كل شيء يعجبه، وربما أعجبه ما لايعجب غيره.
وجد الكافر هذه الحلاوة في القرآن الكريم فقال عبارته المشهورة »‬إن له  لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وأنه يعلوولا يعلي عليه».
أضاف معطوفات علي لفظ الحلاوة قد تبدو مرادفات لها ولكن تبقي الحلاوة سرا بعيد الأغوار طويل المشوار عظيم الأسرار ما بقي الليل والنهار.
مسكين من لم يجد غير هذه الحروف المتماثلة في الجذر اللغوي »‬ح ل و»، لن تسعفه معاجم اللغة بشرح، ولن يشفي غليله إلا شيء واحد هو أن يغرق في بحر الحلاوة أكثر وهو ساكت، لا يفتح فمه فيغرق أو يستدعي أحدا ليشرح له فيحترق، ومن ثم كان تعليق من استمع إلي محاضرة أو قصيدة أو دخل شقة واسعة أو زارمدينة لم يزرها من قبل بكلمة »‬حلوة» لا يحتاج إلي مزيد، لأنه وإن قال بعد هذا الجذر اللغوي معلقة من الشعر أو فريدة من النثر فلن يجلي معني الحلاوة، وقد وجدت في رجل شبه أعجمي ما دفعني إلي أن ألتقط منه هذه البلاغة التي لم تعرفها الكتب، فقد فسر معني الحلاوة تفسيرا جديدا، حين قال معقبا علي وصف أحد لطعامه بأنه حلو حيث قال: حلاه من روحك.
تماما كما يقول أهل الثقافة والتنوير في الرد علي من مدحهم بجمال وجوههم: عينك اللي حلوة.
وأظن أن هذا الرجل المسكين الذي دعاه أحد الأمراء إلي طعامه وأراد أن يمن عليه أمام الناس فقال له: كل ما لم تأكله قط، فقال له هذا المسكين: اعلم أيها الأمير أن طعامك لم يجمله مالك وإنما جملته عافيتك، فندم الأمير علي هذا المن حيث غلبه الرجل الذي أرجع معني الحلاوة إلي عافية الإنسان لا إلي الإتقان في إعداد الطعام الذي يتناوله المريض فلا يشعر له بطعم ولا يتذوق ما فيه من حلاوة، ولله در البوصيري حيث قال:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
»‬ويبقي المعني فقيرا إلي الشرح»
الاثنين:
ومن قديم قال كتير صاحب عزة:
لو يسمعون كما سمعت حديثها
خروا لعزة ركعا وسجودا
لم يقل لنا كيف سمع حتي نسمع كما سمع، فنخر لها ركعا دون ركوع وسجدا دون سجود، أي نقر بأن حسن صوتها وجمال عبارتها لم يصل إليه بشر قبلها.
وقد قيس علي هذا الشعر القديم فقيل لمن يتعجب من رؤية أحد الناس إنسانا جميلا أو شيئا جميلا: »‬خذوا عيني شوفوا بيها»
لم يقل لنا كيف شاف أو كيف رأي حتي نري مثله فإذا بالإعجاب الذي سري فيه يمتد فيسري فينا، فإن قيل إن هذه هي الذاتية واختلاف السمع والرؤية أو النظر الذي لولاه لبارت السلع فمازال الأمر مبهما فقيرا إلي الشرح والتوضيح.
وكذلك التعقيب في كل أمر من الأمور بالجمال والحسن بالحروف التي لايزيدها العطف جلاء لمعانيها، وإن كان بمثابة الشرح عند العلماء، فالجنة في القرآن الكريم جاءت في سياق العطف كما في آيات سورة  الواقعة:  (فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ، وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ »‬» وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ،) إلي آخر الآيات التي يزيدك العطف محبة وعشقا في تلك الجنة، لكن تبقي المفردة اللغوية من أسرار المعاني، فالله يقول في ابراهيم:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً) ويقول: »‬فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ»، ويقول: (لَقَدْ رَأَي مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَي)، ويقول: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَي) كما جاء التعبير بالمفردة المغنية عن زحام الكلمات وهي: »‬بلي» في قوله تعالي: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ  قَالُوا بَلَي)
ومن عظيم هذه المعاني كلمة »‬سبحانك» التي وردت في القرآن الكريم في موضعين جليلين علي لسان الملائكة من سورة البقرة: »‬قَالُوا سُبْحَانَكَ» وعلي لسان عيسي عليه السلام في سورة المائدة: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ)
إن سفرا من الكلمات لايعدل »‬سبحانك» ولايساويها ولا يدنو من عظمتها أو فخامتها، ولها بذلك سر وهذا سرها، كلمة تغني عن مكتبة كما كان خليل الله ابراهيم يغني عن أمة.
وقد تحتاج اللفظة المفردة إلي صفة واحدة تخرجها من جنسها وتجعلها مخلوقا بلانظير وهذا يتمثل في قول الله تعالي علي لسان لوط عليه السلام حيث قال مخاطبا قومه الذين تجمعوا علي السوء: (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)، والوصف هنا »‬رشيد» فليس كل رجل رشيدا، ولو وجد رجل واحد رشيد لتغيرت الدنيا، وقد هدي بعض الأعلام إلي هذا الرشد الذي تذهب فيه النفس كل مذهب.
كان الأحنف بن قيس سيد قومه ولم يكن ذا هيبة ولا هيئة ولاجمال، كان  رجلا قصيرا دميما ممتعا بعين واحدة، وسأله رجل بالبصرة حين نزلها فقال: أأنت الأحنف بن قيس؟ قال: نعم، فقال: بم سدت قومك؟ فأجابه بقوله: بأني لم أتحدث فيما لايعنيني.
ووالله لو تصورنا جدلا أن قرية واحدة أو أن حيا واحدا من أحياء المدن أخذ فيه الناس عهدا ألا يتحدثوا فيما لا يعنيهم لتوفر من المال ملايين ولحلت قضايا شائكة سببها الرغي والهلفطة والهمبكة وادعاء الحكمة والنصح والارشاد والعك والمعجنة والفونات والشات وضياع الأوقات فيما لايعني ولايفيد.
ولذا جاء من أوصاف النبي صلي الله عليه وسلم أنه كان دائم الصمت لايتحدث في غير حاجة ونحن نتكلم في كل حاجة ونقول كل حاجة وما قضينا من الأعمال الجادة أي حاجة.




الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار