شيخ النقاد المفكر د. صلاح فضل: 30 يونيو هزمت الفاشية الدينية وأعادت عجلة الإنتاج للدوران

شيخ النقاد المفكر د. صلاح فضل أثناء حواره مع »الأخبار«
7/11/2018 8:51:48 PM  
 520 

المثقفون أول من أدركوا أن الجماعة الإرهابية تقود الوطن إلي الهاوية
الكتاب لا يقل أهمية عن رغيف الخبز والدعم الثقافي أولي من دعم المحروقات
ملالي إيران وإردوغان نماذج لاستغلال الدين للتمسك بالسلطة
الإخوان »أخطبوط»‬ ممتد الأذرع خارجيا .. ويقيمون تحالفات غربية ضخمة ضد مصر


صحيحٌ أن تدهور الفكر وانكساره تم علي أيدي المتلاعبين بالعقول فأثر علي محيطنا العربي بعدما أوهموا الشباب بالتلفيقات المزورة والتأويلات المشوهة فارتكبوا الشناعات، وصحيحٌ أن هذا أدخلنا في بحر لُجي متلاطم الأمواج الإرهابية .. ولكن الصحيح أيضًا أنه لا تزال هناك ارتعاشة أخيرة في مصباح الثقافة قادرة، إن تمسكنا بها، علي إخراجنا من ضيق الرؤي والغلو إلي سعة الأفكار وأنوار الحضارة، خاصة أن الطريق إلي التغيير الثقافي أيسر من أن يحتاج إلي خريطة معرفية.. لذلك اتفق أو اختلف مع آرائه ما شئتَ لكنك لن تملك إنكار أنه عقلٌ مصري عظيم وقامة معرفية أسهمت كثيرًا في رفعة هذا الوطن في جميع المحافل العربية والدولية،   إنه شيخ النقاد والمفكر الكبير د. صلاح فضل، الحائز مؤخرا علي جائزة النيل في الآداب، والذي يُحلل واقعنا الثقافي في هذا الحوار: 
• بداية ونحن في الذكري الخامسة لثورة 30 يونيو.. ما الذي تحقق من أهدافها حتي الآن؟
- أبرز ما تحقق من ثورة 30 يونيو بشكل فوري ومدهش ومفاجئ كان صرخة الشعب المصري بمختلف فئاته ومستوياته وطبقاته بحيث فاجأ كل من راقبوه بعدما تم وضع حد للطريق الذي اتخذته مصر للتحول إلي دولةٍ دينيةٍ، لأن مصر بطبيعتها دولة عريقة واختمرت فيها القوي الروحية العظمي عبر التاريخ، وتُدرك في قرارة وعيها الجمعي أن المحافظة علي جوهر الدين تتمثل في تنمية الطاقة الروحية للإنسان والاحتفاظ بالأساس الأخلاقي، الأمر الذي يُفجر طاقات الإبداع لدي الإنسان؛ فالدين عند قدماء المصريين كان حافزًا جوهريا للفن والحضارة، لكن الدين الشكلي الذي كانت الجماعات الدينية قد بدأت تصبغ فيه المجتمع وبطريقة فيها شيء من القسر والتشويه لطبيعة الإنسان المصري الذي يختلف وعيه الديني عما تعلنه هذه الجماعات.. ومصر من ناحية أخري قادت حركة التنوير في الوطن العربي كله خلال القرنين الأخيرين، والأهم في هذا التنوير السعي لتحقيق التطور الحضاري باعتبار الحريات ذروة القيم المعاصرة، كما أن التحول الديمقراطي هو طموح الشعب المصري الذي عناه في ثورة يناير: عيش، حرية، عدالة اجتماعية.
إجهاض ديمقراطي
• وكيف سيطرت الجماعات المتطرفة علي هذا التحول الفكري للمجتمع واختزلت التجربة لنفسها؟
- ما حدث أن الإخوان امتطوا صهوة التطور الديمقراطي في يناير لكي يُجهضوه، وبالتالي أدركت جموع الناس ذات الوعي الكامل أن هذا انحراف بالدولة المصرية، ولأن مصر هي رائدة الوطن العربي فسوف يُهدد هذا بقية الدول العربية والمنطقة ولذلك نزل الشعب للتغيير في 30 يونيو، واللحظة التي استطاعوا فيها هزيمة الفاشية الدينية كان ذلك هو الانتصار الأول للثورة، وبعد ذلك كانت الصعوبات أمام المجتمع المصري شاقة أبرزها أن مصر قد كفت عن الإنتاج وتقريبًا تعطلت آليات الوطن في الصناعة والأنشطة الأخري وتوشك أن تدخل في مأزق اقتصادي عنيف، فأخذت تواجه هذا المأزق معطية أولوية بالدرجة الأولي لاستقرار المجتمع بعد هذه الفورات الثورية التي استمرت ثلاث سنوات، وهذا الاستقرار أوصلنا إلي حد كبير لتحقيق أمرين نحمدهما لثورة 30 يونيو في مرحلتها الأولي: الأمر الأول عودة الأمن للشارع المصري، والأمر الثاني عودة عجلة الإنتاج للدوران بعد أن أوشكت علي التوقف.
• ولماذا لم تقنع الجماعة الإرهابية بتلك النتيجة التي أرادها الشعب في ثورته؟
- للأسف لم يُسلّم الإخوان بهذا المصير لأنه يقضي علي مشروعهم، وأصروا علي أنهم أصحاب شرعية مع أن ثورة 30 يونيو سحبت منهم هذه الشرعية المزعومة، وأصروا علي أن ما حدث ليس ثورة شعبية، ثم أغرقوا الوطن في سلسلة من التهديدات التي أخذت سبيلها بفعل الجماعات التي بدأت تتمركز في سيناء وتنتشر في ربوع الوطن؛ وهذه الجماعات الإرهابية أقضَّت مضجع المجتمع المصري وأثخنت جراحه وسببت له في الفترة التي أعقبت ثورة 30 يونيو حالة من القلق وأصبحت المشكلة الأولي هي الإرهاب.
مهارة قاض نزيه
• وكيف أثر هذا التوجه الضروري علي فكرة ضرورية أخري بالتحول إلي الحياة الديمقراطية والنيابية في مصر؟
- بالطبع عوَّق ذلك التوجه إلي حد ما مشروع التحول إلي الحياة الديمقراطية والنيابية السليمة، وانتهزت القوي الوطنية ذلك في العام الذي تلا 30 يونيو علي وجه التحديد لكي تُكفكف وتُلملم جراحها وتعكف علي صياغة الدستور ليضع الأسس المتينة لمستقبل مصر، وبالفعل تم هذا وصدر الدستور في 2014 ومضت الفترة الانتقالية وقاد المستشار عدلي منصور بمهارة وحياد قاضٍ نزيهٍ، وبعد ذلك جاءت انتخابات الرئاسة التي فاز بها الرئيس السيسي.
• وما أبرز التحديات التي واجهت الرئيس السيسي في ولايته الأولي وكيف استطاع التغلب عليها؟
- بالطبع تكشفت التحديات جلية في الولاية الأولي للرئيس، وكان أبرزها إعادة التوازن لمصر في الخارج، حيث كنا في الداخل مؤمنين بأننا صنعنا ثورة 30 يونيو لتصحيح ثورة يناير، لكن تبين أن أخطبوط جماعة الإخوان الإرهابية ممتد بأذرعه إلي مصالح دولية كبيرة، بالإضافة إلي تحالفات مع قوي غربية ضخمة ومناورات أتباعها وحلفائها بالخارج لتشويه وجه الثورة المصرية التصحيحية، ومحاولة الضغط الخارجي، والحقيقة أن مواقف الدول العربية المساندة بالخارج مثل السعودية والإمارات لعبت دورًا حاسمًا في مناصرة الشرعية الجديدة في مصر، وعندما زرت بعض الجامعات والمراكز العلمية وجدتها مخدوعة بالادعاءات الإخوانية وتظن أن ثورة 30 يونيو أحبطت التجربة الديمقراطية علي خلاف الواقع وكانوا يلوموننا كمثقفين علي الوقوف معها ومناصرتها ودعمها، وكان علينا رغم العنت الشديد الذي واجهناه إفهام هؤلاء المخدوعين حقيقة ما حدث بأنه سحب ثقة مليونية من هذه الجماعات الإرهابية التي أتقنت التكتيك الانتخابي واستغلت غيبوبة نظام مبارك وغفلته لتخدع الجماهير المصرية وتبتزها بالشعور الديني لتقفز هي علي السلطة، إلي جانب التمويل الخارجي والمساعدة التنظيمية مما أتاح لهم نوعًا من الانتصار في الانتخابات، لكن ذلك تم بالتمويه والخداع الحقيقي الذي يُدركه المشتغلون بالفكر والثقافة.
الصعوبة الأولي
• وهل كان إدراك المثقفين لطبيعة هذا الفكر الإخواني المنحل كافيًا للقيام بدورهم المنوط؟
- بالطبع لا، لكن الحقيقة أن المثقفين كانوا أول من أدرك أن الإخوان يقودون الوطن إلي الهاوية.. وكانت الصعوبة الأولي التي واجهتنا كمثقفين بعد 30 يونيو في إقناع العالم بأن هناك سحب ثقة من الشرعية القديمة والخروج المليوني للجماهير التي فاق عددها عدد الأصوات التي حصل عليها الرئيس الإخواني المعزول وكان كفيلا بمسح الشرعية الإخوانية وتأسيس شرعية مباشرة جديدة.
•  ولكن ألا تعتقد أن دور المثقفين لم يكن موازيًا للدور الأمني الذي قامت به الدولة؟
- فيما يتصل بالمثقفين للأسف تمت تنحيتهم بشكل ممنهج ومنظم عن وسائل الإعلام التي هي أداة التواصل بين المثقف والجمهور، وكان الإعلام بغباءٍ شديدٍ يُصدِّرُ فئةً من الدعاة المزيفين والشيوخ المُضللين ليصب في آذان الناس نوعا خاصا من الثقافة المضادة للثقافة الحقيقية لتزييف الوعي، وهي ثقافة السمع والطاعة والخرافة والجهل وثقافة سلب واستيلاب الجمهور بدعوي المبادئ الدينية، ولأن المثقف بطبيعته ليست له طاقة هائلة علي النفاق بعكس هؤلاء الشيوخ الذين يُتقنون النفاق لأقصي درجة كنت تجد هذه الوجوه تحتل الفضائيات، ولذلك فإن الإعلام لعب دورا سلبيا جدا في تقديم هؤلاء الأدعياء الذين ظلوا فترة مخالفين للنظام ويُحاربونه في وسائل الإعلام.
• أنت إذن تظن أن المثقفين براء من كل شيء رغم أننا لم نلاحظ تماسكهم لمواجهة هذا التغول الديني.. كيف تفسر ذلك؟
- المثقفون ليسوا براء من شيء ولكن حيل بينهم وبين المواجهة، وكانت لهم- رغم ذلك- مبادرات كثيرة شاركتُ أنا نفسي في بعضها، ولا ننسي موقفهم حين التفوا لتأسيس قواعد جيدة لحقوق الدستور.
مشروعات ثقافية
• بعد كل هذه الرحلة الفكرية الممتدة.. هل تحمل مشروعات فكرية تستطيع بها تغيير واقعنا الثقافي؟
- بالطبع أحمل مشروعات عديدة أهمها أن المسجد مثلا ليس مكانا للعبادة فقط، ولكنه مدرسة للعلم والتعلم، ومكان معرفي للقراءة والاطلاع، ومكان لالتقاء الناس حين لم تكن هناك نواد حيث يجتمع الحكاؤون والرواة لإنشاد الشعر، فما الذي يجعل المسجد وهو أكثر الأماكن انتشارا في مصر محصورا فقط في طقس العبادة والخطبة المجمدة الرديئة التي لا يُمكن أن تُقدم زادا ثقافيا، ماذا لو فكرنا أن تكون المساجد مكتبات، واحدة ورقية تقليدية وأخري رقمية، وتكون الأولوية للكتب التنويرية والعلمية والدينية بما لا يُركز علي الطقوس فقط وإنما للتركيز علي الطاقة الروحية للإنسان مع القوام الأخلاقي، ويُصبح إمام المسجد هو أمين المكتبة، ويكون المصلون هم القراء، وهذا تحقيق لرسالة المساجد وليس انحرافا بها.
• ومن الجهات المنوط بها تنفيذ تلك الفكرة؟
- وزارتا الأوقاف والثقافة، مع الإعداد لتهيئة المكتبات وتبويبها، ولو تحولت المساجد إلي مكتبات لتغيرت عقول وأفكار الكثيرين، ولنبدأ مثلا بالمساجد الكبري ونترك الزوايا، وعلي الأقل سيجد الإمام شيئا مُجديا يقرأه ويُطعّم به خطبته، وبالتوازي مع ذلك نستغل بيوت الشباب التي تفتقر إلي إمكانات حقيقية للتثقيف، وقصور الثقافة التي تُخيم عليها العناكب.
ليست رفاهية
• ولكن البعض يعتقد أن تلك الأمور الثقافية رفاهية في ظل البحث عن لقمة العيش التائهة بين نوبات ارتفاع الأسعار؟
- هذه هي المشكلة، أننا نعتبر الثقافة رفاهية، وفي تقديري أن الكتاب لا يقل أهمية عن رغيف الخبز، والدولة التي تهتم فقط بإطعام شعبها مثل صاحب قن الدجاج الذي يرمي الحبوب لدجاجاته، ولسنا دجاجا إنما نحن بشر يعقل ويُفكر، وكما تنمو الأجساد تحتاج العقول إلي النمو، ومسئولية بلد كبير مثل مصر أن يجعل الدعم الثقافي أهم من دعم المحروقات.  
• ما رأيك في التحالفات التي تتم داخل البرلمان الآن.. وما مدي إفادتها لهذا التحول الديمقراطي الجاري؟
- أعتقد أن هذه التآلفات والتحالفات ضد الديمقراطية، لأن القصد منها هو توحيد الرأي، والتوحيد ضد التعددية، والتوحيد ضد التنافس الحزبي؛ وهذا عكس ما نرجوه.
• هل معني ذلك أن تظل الأحزاب- علي كثرتها- هامشية وغير مؤثرة في الشارع؟
- هذه هي المشكلة، لأن الأحزاب القوية تتم محاربتها، ونحن منذ سبعين عاما لم نتقن بعد كيفية إدارة حياتنا الحزبية..  ونفتقد للنقلة النوعية.. وقد شاهدت مثلا ما حدث في إسبانيا حين حكمها فرانكو بديكتاتورية شديدة لثلاثين عاما وبطريقة أقسي مما حدث عندنا، لكن النماذج الديمقراطية الأوربية كانت جيدة ليتبعها الملك خوان كارلوس، وعندما بدأ في التحول الديمقراطي تشكلت في إسبانيا مجموعة من الأحزاب وصلت إلي 114 حزبا، ثم تبلورت في مجموعات ليبرالية ويمينية ويسارية وخاضت التجربة.
• وما الذي أعاقنا عن اتباع تلك التجربة وتنفيذها بعد ثورتين كاملتين؟
- الذي أعاقنا أمران: القوي الدينية التي تريد أن تتربص بالديمقراطية لتقفز علي السلطة، وتستغل الانتخابات لتمسك بالحُكم ثم لا تتخلي عنه، ولدينا نموذج حماس التي أمسكت بالحُكم ولم تتخل عنه حتي الآن، وكذلك الملالي بإيران الذين لم يتركوا الحُكم، وإردوغان الذي استغل الأيديولوجية الدينية لأتباعه ليتشبث بالحُكم، وكل هؤلاء يرفعون شعار الدين ويتوهمون أنهم يحكمون باسم الله، وبالطبع لا بد أن ينتصر حزب الله علي أحزاب الشيطان ولذلك يُشيطنون أعداءهم، وقد يُهادنون في خطابهم ويزعمون أنهم يحتكمون إلي الصناديق بينما يُناورون للاحتفاظ بالسلطة، وهذا ما كان سيفعله الإخوان، بل وأعلنوه صراحة أنهم جاءوا ليحكموا قرونا.
اختطاف الخطاب
• كانت لكم تجربة لمواجهة تلك الادعاءات بأسلوب علمي بالاتفاق مع الأزهر فيما عُرف بوثيقة الأزهر.. من المسئول عن إفشال العمل بتلك الوثيقة؟
- كان مبعث التجربة أن المثقفين الحقيقيين لا بد أن يكون وعيهم عميقا وصائبا بطرائق التطور الحضاري وصناعة المستقبل؛ وأذكر أنني كنتُ أطرح علي نجيب محفوظ سؤالا وأقول له: أنت ديمقراطي ووفدي ومؤمن بالليبرالية ألا تري أنه لو تحققت انتخابات حُرة نزيهة في بلد مثل مصر سوف تنجح القوي الدينية؟ وكان يقول: نعم أعتقد ذلك، ولكن لا بد أن نمر بهذه التجربة حتي لو كان الثمن الخضوع فترة للحُكم الديني حتي يُدرك الشعب خطورة هذا الحُكم ويتخلص منه.. وعندما قامت ثورة يناير كنتُ أتوقع ومجموعة من المثقفين أن يتم استغلال واختطاف الخطاب الديني للقفز علي السلطة فلجأنا إلي الأزهر لتحييد هذا الخطاب وأصدرنا أول وثيقة كان هدفها الأساسي تأسيس مفاهيم مدنية الدولة، وأن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية وأنه لا يُناقض علي الإطلاق الحُكم الديمقراطي المدني الدستوري الحديث، ولأن الثورة كانت قد هزت مُسلمات رجال الدين فاستجابوا لذلك.
• وماذا عن أهم العقبات التي واجهت الوثيقة الثانية عن الحريات؟
- عندما أجريت الانتخابات كنا نتوقع من 20 إلي 25% للأحزاب الدينية، وفوجئنا أنها حصلت علي 70% الأمر الذي أصبح يتهدد كيان المجتمع المصري كله، فاقترحتُ أن تكون الوثيقة الثانية عن الحريات، وأصدرنا وثيقة رائعة بمشاركة الأزهر الذي كان مخضوضا ومتخوفا مثلنا، ولأن هؤلاء كانوا يُحاولون سحب البساط من تحته ويعملون علي تغييره، وعندما جاء رئيس منهم فرضوا سيطرتهم علي المؤسسة الدينية، فأعددنا وثيقة ليبرالية متحضرة عن حقوق المرأة لم يستطع الأزهر إصدارها في وقت الإخوان.
• بعد سنة الإخوان كانت هناك أيضا وثيقة مهمة عن الخطاب الديني.. كيف تمت الدعوة إليها؟
- تمت الدعوة إليها لمواجهة ما حدث في هذا الخطاب، ولكن عند العمل بهذه الوثيقة تجلت طبيعة المؤسسات الدينية المحافظة، المترددة، التي تُؤثر السلامة وتنفر من التجديد، فتوقفت العملية.
• ولماذا لم يتم البحث عن حل وسط بين المثقفين والأزهر تغليبا لمصلحة الوطن؟
- حاولتُ بقدر الإمكان القيام بهذا الدور التوفيقي الوسيط، فكنتُ أطرح مسودة الوثيقة فيدور حولها نقاش مفتوح وأستقي من الآراء الأخري ما يتفق مع الفكرة الجوهرية وأضمها إلي الوثيقة وأنفي ما لقي اعتراضا شديدًا، وأطرح فكرة ثانية وهكذا حتي أصل إلي الشكل الذي لا يُهدد الاستراتيجية الأساسية للفكرة الجوهرية ويُحافظ عليها ويحتضن كل الأفكار المتعددة الأخري، وكان هذا أقصي ما يُمكن عمله.
أكسجين الإبداع
• وماذا كانت أهم دوائر الخلاف بين المثقفين والأزهر حول بنود هذه الوثائق؟
- أذكر أنه اشتد الخلاف بيننا وبين الأزهر حول مفهوم حرية الإبداع، بالنسبة لمن يشتغل بالأدب والنقد هذه الحرية لا بد أن تكون أعلي سقفا من أي شيء آخر، لأن الحرية هي أكسجين الإبداع الذي يتنفس به أي كاتب، وإذا شعر برقابة ذاتية أو رقابة من الآخر تُملي عليه تُشل حركة تفكيره، ولكن رجال الدين كانت لهم تحفظات، وعندما يتم انتقاد الخطاب الديني مثلا فإنهم لا يرتاحون لذلك لأنه ضد مصالحهم وضد ثوابتهم، وكان الحل الوسط أن نبتلع شرطا ونتوافق عليه وهو ألا يكون في هذه الحرية ما يجرح الحس الديني لدي الجمهور أو يُسيء إلي المقدسات.. ويكفي التنبيه إلي مئات الآلاف من خطباء المساجد الذين يصبّون جهلا ونُكرا في آذان المستمعين كل أسبوع، فهم كفيلون ليس فقط بتحويلنا إلي دولة دينية ولكن إلي دولة أكثر تخلفا من الجاهلية الأولي.
• وكيف كان رد فعل الأدباء حول التنازل عن قناعات الانعتاق من الرقابة الراسخة لديهم؟
- بالنسبة إلي الأدباء فإن هتك قداسة المقدس جزء من الإبداع نفسه، فهم لا يعترفون بأي مقدس سياسي أو سلطوي أو اجتماعي خاص بالأخلاق أو مقدس ديني، والعلم كذلك صنع مقدسًا جديدًا اسمه الحرية وهو المقدس البشري الذي حل محل المقدسات القديمة، وهذا هو مفهومنا كرجال أدب وفن وإبداع، ولم يكن من الممكن لرجال الدين أن يوافقونا علي ذلك، لأن الخطاب الديني يميل إلي تقديس غير المقدس، أما الخطاب الأدبي والنقدي فعلي العكس تمامًا، وعندما كنت في المعهد الديني بدسوق كنا نمثل شخصيات الصحابة والأنبياء ولم يستنكر ذلك شيخ المعهد وكان من كبار العلماء وهو الشيخ صادق عرجون، ولكنك لا تجرؤ علي ذلك الآن.. ولذلك التقينا معهم في منتصف الطريق وتنازلنا عن هذه المُسلمات لكي يتنازلوا هم عن تجمدهم ومحافظتهم الشديدة ويسمحوا بقدرٍ من الحرية مُعتمدين علي شيء أساسي: أنه حتي الأدب والفن ليست فيه حرية مطلقة لأنه يتوجه إلي جمهور، ومعتقدات هذا الجمهور وأحاسيسه لا بد أن يأخذها الأديب في الاعتبار وألا يصدم جمهوره الذي يستطيع إسقاطه ومعاقبته، وبالتالي هناك جدلية دائمة لأن مهمة المبدع أو العالم ليست في أن يتحرر هو ولكن في أن يُحرر غيره من الجمهور؛ ولذلك فإن الأعمال الفجة التي تلفظها المجتمعات هي أعمال ضعيفة فنيا.
الخطاب الثقافي
• أنت تطالبنا برفض الخضوع الخانع للخطاب الديني وتجاهله فأي خطاب بديل تقترح ليقوم بدوره ويحل محله؟
- أقترح استبداله بالخطاب الثقافي الحي الذي يُعيد ترتيب الأمور، لأن جيولوجيا الخطاب الثقافي أعمق بكثير من غيرها، وتشمل مستويات عدة منها الروحي والديني الذي تُسانده طبقة العادات والتقاليد ثم طبقة الفنون والآداب، كما أنها تعمل علي تكييف الخطاب الديني ببطء وتؤدة وتُضفي عليه قدرًا من الحيوية والمُعاصرة، وأعلي طبقة من الخطاب الثقافي هو الخطاب العلمي وهو شديد التغير وجذري.. خاصة أن صميم مشاكلنا ذو طابع ثقافي، وتغلغل الجماعات المتطرفة في المناطق الشعبية اختلال للوعي والعقل وهو أمر ثقافي.. ومع هذا فإنني أعتقد دوما أن مصر دولة عظمي ثقافيا ولا يملك أحد تراثا ثقافيا أسهم في تشكيل العالم مثلنا.
• إذن، هل تعتقد أن مؤسسة الأزهر لم تتأثر فكريا كما يجب بكل تلك التغيرات الاجتماعية؟
- في الحقيقة أن تأثرها كان سطحيا جدا، وأنت تجد أن رجل الشارع لا يُلاقي إلا غثاء الخطاب الديني وليس حتي الخطاب الديني المستنير.. وقد كانت لدينا بالسابق خمسة معاهد دينية فقط، والآن لدينا أكثر من 15 ألف معهد ديني، فماذا نفعل بكل تلك المعاهد فنحن لسنا بحاجة إلي جيش من رجال الدين، وإنما بحاجة إلي جيوش من المهندسين والأطباء والعلماء والصناع والتجار.
قانون معيب    
• وإذا كانت نوايانا صادقة وأردنا التأسيس لخطاب ديني متجدد وحقيقي ومتفاعل مع الواقع.. فمن أين نبدأ؟
- التجدد في الخطاب يكون برفع سقف الحريات إلي أقصي مدي ممكن في الفكر والفلسفة والتجريب العلمي، ومثلا الدستور ينص علي اعتبار الحرية مسألة جوهرية، ولكن لدينا قانون ازدراء الأديان قد يُتهم به أي شخص بالشارع، ولو قلت مثلا لشخص (صباح الخير) بدلا من (السلام عليكم) يحق له اتهامك بازدراء الدين، أو قال لك أحدهم: (صل علي النبي)، ولم تقل: (عليه الصلاة والسلام) يتهمك بازدراء الدين.. فهذا قانون معيب ومشوّه جدا وصدر في ظروف كريهة.
• ومِن أين تأتي تلك الوصاية المزعومة علي أفكارنا ومَن المسئول عن رفعها؟
- تأتي من شقين: المجتمع المتخلف، والسلطة الدينية التي تُريد أن تتغول أعمق، وكلما تركت لها الساحة زحفت أكثر لتحتل مساحة أكبر، ولو تركت لرجل الدين التحكم في حياتك فلن يترك لك حتي أنفاسك، وأنا أعيب علي الفضائيات فتح الساحة لهؤلاء للفتوي في أمور مُضحكة تدل علي مدي تخلفنا واهتمامنا بالشكليات التافهة وترك المعني الحقيقي لجوهر الفلسفة والأخلاق والفكر.
• كانت لك تجربة سابقة في الحياة السياسية.. هل هناك فرصة لإعادة تلك التجربة مرة أخري؟
- تجربتي الأساسية في الثقافة والأدب والنقد، لكنني استشعرت منذ عشرين عاما أن الحياة العامة تفرض علينا مسئوليات أخري، ولذلك كانت كل مشاركاتي فكرية في الحياة السياسية، ورغم أنني كنت مؤسسا لعدد من الأحزاب فإنني لم أترشح لأي منصب نيابي أو سياسي لأن رأيي أن المثقف دوره فكري في الأساس.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار