» شباك الطليعة المكسور« ونظرية النوافذ المحطمة

• مشهد العشاء لأبطال عرض »شباك مكسور «
6/11/2019 8:46:29 PM  
 55 

> عندما يكون هناك عرض تكتبه رشا عبد المنعم فهذا محفز لي علي الإسراع بمشاهدته، وعندما يكون هذا العرض من إخراج شادي الدالي يتضاعف المحفز لرؤية العرض حتي ولو كان في مسرح الطليعة المحاصر من كل الاتجاهات والمداخل بألغام بشرية تتمثل في جحافل الباعة المحتلين لمحيط مسارح العتبة فأصبحوا » مستقرين »‬ بعد أن كانوا في الماضي »‬ جائلين »‬، ولهذا الاحتلال حديث آخر !
العرض بعنوان »‬ شباك مكسور »‬ ولغرابة الصدف ان ما يحمله العرض من خطاب درامي ينطبق تماما علي المنطقة التي يقع بها المسرح، وكأن »‬ شباك »‬ الطليعة »‬ المكسور»‬ يطل بنا علي العشوائية »‬ المقرفة »‬ التي تحيط بالمسرح، خاصة أن الكاتبة ترمي في صياغتها للنص، ويتفق معها المخرج في نفس الرؤية، علي نظرية النوافذ المحطمة عند »‬ جيمس ويلسون وجورج كيلنج »‬ في علم الجريمة التي تقوم علي أن الكبائر تبدأ بالصغائر، وعظيم النار يأتي من مستصغَر الشرر، يري كلاهما أن الجريمة نتاج الفوضي وعدم الالتزام بالنظام في المجتمعات البشرية، إذا حطم أحدهم نافذة زجاجية في الطريق العام، وتُركت دون تصليح، فسيبدأ المارة في الظن بأنه لا أحد يهتم، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولي زمام الأمور، وبالتالي ستبدأ نوافذ أخري تتحطم علي ذات المنوال، وستبدأ الفوضي تعمّ البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلي الشارع، ومنه إلي المجتمع كله، ولا تقتصر النظرية علي النوافذ المحطمة، بل تمتد للسيارات المهجورة، ومقالب القمامة، والأركان المظلمة من الحواري والطرقات، من هنا نري أن مبدأ النظرية بسيط ولكنه عبقري في تقنينه ثم جعله أُنموذجاً قابلاً للتطبيق علي أرض الواقع، فوجود النوافذ المكسورة في الشوارع يشجع المارة علي كسر المزيد منها من باب العبث، وجوهر النظرية مبني علي علم النفس البشري الذي يؤكد ان الإنسان لديه قدرة وحب الانضباط والالتزام بالقوانين والآداب العامة متي ما توافرت له البيئة المشجعة علي ذلك، وسرعان ماينفك من هذا الالتزام متي ما رأي الانفلات من حوله، وهذا ما يتجسد بالفعل في عشوائية »‬ العتبة »‬ التي كانت خضراء، وغيرها من »‬ العتبات »‬ المصابة بنفس المرض في شوارع مصر.
العرض يدور حول أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة، تحاصرها ظروف اجتماعية سيئة جدا، يقطنون شقة في الدور الأرضي نافذتها محطمة وليس لديهم مقدرة مالية علي اصلاح تلك النافذة، ومما يزداد الأمر سوءا أن هذه النافذة تطل علي »‬خرابة»، وتريد المسرحية ان تؤكد علي أنه حين يكون لدينا شئ محطم، حتي ولو في علاقاتنا الاجتماعية، وحياتنا الاعتيادية داخل وخارج الأسرة والمجتمع، ونتركه هذا المتحطم دون إصلاح في التوقيت المناسب بفعل ظروف أو ضغوط ما فسوف تتفاقم الأمور لدرجة يصبح معها الإصلاح فيما بعد من الصعوبة بمكان، وخذوا علي سبيل المثال ظاهرة »‬ التوكتوك »‬ التي بدأت بسيطة نسبيا وظلت تتفاقم كما كرة الثلج فأصبح من الصعب اصلاحها أو إيجاد حل واقعي ومنطقي لها.
أفراد الأسرة البسيطة التي تقطن هذه الشقة ذات »‬ الشباك »‬ المكسور بلا إصلاح، اعتادوا علي الرائحة النتنة التي تأتيهم من »‬ الخرابة »‬ التي يطلون عليها من الشباك المكسور نتيجة لتراكم القمامة، »‬ والشباك »‬ هناك يتجاوز كونه نافذة إلي دلالة رمزية لكل المآسي التي يعيشها الأب »‬ عطية »‬ مع أسرته »‬ بأوضاع تجمع بين الواقعية والكاريكاتورية المضحكة، وكلها في مجملها أشبه بكابوس يخرج رب الأسرة من الأحلام التي أخذ يرويها لنا، ويدخل منها إلي افراد الأسرة الذين يشكلون أنماطا واقعية في المجتمع المصري تتجسد في الفهلوي النصاب »‬ جمعة »‬ الذي يتعامل مع الأسرة من خلال »‬ الشباك المكسور »‬ ويبدو انه في النص كان يمثل »‬ سلطة »‬ ما وتم حذف الإشارة إليها، والزوجة فاطمة »‬ المدرسة الغارقة في متابعة البرامج الدينية التي ترفض الدروس الخصوصية، والجدة القعيدة علي كرسي متحرك تخاطب العالم من التليفون المحمول الذي نكتشف انه بدون خط وخارج الخدمة، والابنة الكبري التي تجسد مأساة شريحة كبيرة من النساء اللائي دفعن ثمن مجتمع مريض بأفكار بالية،والابنة الصغري التي تعتقد في الجن والعفاريت بسبب فشل في التعليم، والابن طالب الفلسفة الذي فشل في العمل السياسي، ودون الدخول في تفاصيل كثيرة يطرحها العرض، لضيق المساحة، أود أن أحيي الكاتبة رشا عبد المنعم علي النص في البناء والطرح، وأحيي مهندس الديكور والأزياء وائل عبد الله الذي جعل »‬ الشباك المكسور »‬ بطلا من ابطال العرض، ونفس التحية لموسيقي يحيي نديم، وتوزيع شريف الوسيمي، وإضاءة أبو بكر الشريف، وما يجب ان اتوقف امامه كثيرا رشاقة الأداء وصدق المعايشة عن الفنان أحمد مختار، والفنانة نادية شكري، والمخضرم مجدي عبيد، وبقية فريق العمل : وليد أبو ستيت، وعلي كمالو، وربا الشريف، ومروي كشك، وهند حسام الدين، ومروان عزب،أما المخرج شادي الدالي فهو يستحق كلاما كثيرا لا تكفيه المساحة لأنه صاحب اسلوب في قيادة الممثل واستخراج افضل ما عنده من أحاسيس،ويتميز عن الكثيرين من المخرجين الشباب لأنه يفسر النص بأدواته المسرحية التي تحمل رؤية يقصد بها دلالات واضحة.


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار