الإعلانات المخالفة.. خطر فوق الرؤوس!

6/9/2019 8:30:14 PM  
 372 
  

لافتات علي أسطح العمارات وزنها مئات الأطنان تنذر بالموت وتتحدي القانون

كتل حديدية ضخمة تحمل إعلانات تجارية مختلفة، تعتلي أسطح عدد كبير من الأبنية والعقارات السكنية المتهالكة.. مشهد يسيطر علي أغلب المناطق الحيوية بالقاهرة والجيزة بشكل يهدد حياة الكثير من المواطنين من ساكني هذه العقارات، بعد أن زادت الأحمال عن الوزن الذي تستطيع تلك البنايات تحملها، في ظل غياب كبير من الجهات والهيئات المعنية بالتصدي لملاك العقارات ممن لا يهتمون سوي بتحصيل الأموال من الشركات المعلنة، بعد أن أصبحت تتهافت عليهم نظراً لوقوع عقاراتهم في مواقع متميزة.. وما زاد الأمر سوءاً هو وصول تلك الإعلانات لأسطح الأبنية التاريخية المنتشرة بمناطق مختلفة بالقاهرة متحدية قرارات إزالتها عن هذا النوع من الأبنية.
ومن هنا أجرت »الأخبار»‬ جولة ميدانية لرصد مخالفات بعض المباني والعقارات المتهالكة التي تضع كتلا إعلانية تهدد حياة السكان وأهالي المنطقة وواجهت المسئولين في سطور هذا التحقيق.

الأهالي: أرواحنا مهددة.. ونعاني من جشع الملاك
خبير تنمية محلية: القانون في غيبوبة.. واللامركزية هي الحل
البرلمان: توضع بدون تراخيص.. ونحتاج إلي قانون جديد


البداية كانت من منطقة الفجالة بمحافظة القاهرة، تلك المنطقة المكتظة دائمة بالسكان وتدب بها الحركة طوال اليوم، فتعد واحدة من المناطق العتيقة بالقاهرة كما انها المركز الأول لتجارة الكتب الدراسية والمستلزمات المدرسية مما يجعلها من أكثر المناطق حيوية.. المباني يظهر عليها عبق التاريخ ويبدو عليها التهالك، التشققات والطلاء المتساقط يتصدر المشهد، ومع ذلك إذا رفعت رأسك قليلا للأعلي تجد العديد من الكتل الحديدية الضخمة تحمل إعلانات تجارية يمكن أن يصل حجمها لأطنان، لتجد نفسك تتساءل كيف يمكن ان يتحمل هذا المبني القديم أطنان الإعلانات، وإلي متي سيظل صامدا..
طابع تاريخي
جالسا أمام محال تجاري يباشر عملية البيع والشراء، يقول سمير عبد الفتاح رئيس اتحاد شاغلين بمنطقة الفجالة، أن وضع الإعلانات الضخمة فوق المباني بالمنطقة أمرا لطالما شكا منه كل القاطنين بالمنطقة، نظرا لأنه يشكل خطرا كبيرا علي حياة المواطنين، وعلي الرغم من منع القانون لهذا الأمر باعتبار العقارات بالمنطقة ذات طابع تاريخي، إلا أن القانون لا يتم تطبيقه، ويتابع ان هناك قرارا صدر من قبل بإزالة الاعلانات من أسطح عدد من تلك المباني ولم يتم تنفيذه حتي الآن.
ويضيف عبد الفتاح أن مالكي العقارات لاينظرون لمصلحة الساكن أو يحرصون علي حياته، وإنما كل ما يشغل بالهم هو جمع الأموال وتحقيق أكبر استفادة مادية ممكنة من العقار، فيمكن أن يصل سعر الإعلان إلي 800 ألف جنيه واحيانا مليون جنيه، وهو مايمثل عرضا لايمكن رفضه من قبل صاحب المنزل..يلتقط طرف الحديث إمام إسماعيل، أحد ساكني المنطقة، ويؤكد أن المبالغ الضخمة التي تعود علي مالك العقار نظير وضع الإعلان تجعله يقبل بالتأكيد لأنه لن يستفاد ماديا من المنزل القديم المتهالك ولذلك يلجأ لطرق أخري مثل وضع الإعلانات..ويشير إلي أن هناك البعض من مالكي المنازل هم من يقومون بالبحث عن المعلن لوضع الإعلانات علي أسطح منازلهم حتي يجنوا مالا وفيرا، ويتابع أن هذه الكتل الضخمة يمكن أن تسبب بالتأكيد انهيار العقار، لأن هذه المنازل قديمة والأسس الخاصة بها ضعيفة حيث تم الاعتماد علي الألواح الخشبية في وضع الأساسات مما يجعلها غير مدعومة ولا تتحمل هذه الأحجام الضخمة.
ويناشد إسماعيل المسئولين بضرورة تشكيل لجنة هندسية لفحص ودراسة الوضع، وإزالة المخالفات حتي لا تحدث كارثة لا يحمد عقباها.
أرواح السكان
لم يختلف الأمر كثيرا في منطقة وسط البلد، من حيث انتشار الكتل الإعلانية الضخمة علي أسطح منازل تعاني من ويلات الزمن، فلا تكاد تنهي أحد الشوارع حتي تصادف منزلا من عدة طوابق، له باب خشبي قديم، يضم عددا قليلا من السكان، وعلي سطحه كتلة حديدية ضخمة تحمل لوحة إعلانية لاحدي المنتجات الشهيرة.
تجولنا بالمنطة لرصد هذه المخالفات وفي طريقنا تحدثنا مع عدد من السكان فيقول محمد أبو المجد،أحد سكان المنطقة، وعلي وجهه علامات الضيق والتعجب أنه تفاجأ منذ 4 سنوات بوضع إعلان علي سطح المنزل الذي يقيم به مع أسرته، وعلي الفور تحدث مع مالك العقار والذي أكد أن الإعلان ليس له خطورة علي سلامة المنزل وانه بكونه مالكا للعقار فيحق له التصرف كما يشاء طالما لن يقع أذي علي أرواح ساكنيه.. ويضيف أن هناك حالة من التخوف لدي السكان نظرا لحالة المنزل القديمة، والتي يمكن مع الاحوال الجوية الصعبة أو أي هزة أرضية ان تحدث كارثة تودي بحياة الكثيرين.
ويقول عبد الغني إبراهيم مالك إحدي العقارات بالمنطقة، أن منزله لايحمل إعلانات، لكن إذا عرض عليه وضع إعلان فوق سطح المنزل سيوافق بالتأكيد بعد أخذ الموافقات اللازمة، ويضيف أن مالك العقار سيكون حريصا كل الحرص علي سلامة منزله وحقه، ولا يمكن ان يقبل علي خطوة من الممكن ان تعرضه للانهيار، كما أن الحفاظ علي أرواح السكان يتحمل مسئوليتها مالك المنزل أيضا..ويضيف ان صاحب العقار خاصة القديم يعاني من مسألة الإيجار القديم، فلا يستفيد ماديا من المنزل، ولذلك لايمانع القبول بالاستفادة المادية من الاعلانات طالما لن تضر بمنزله، وهو أمر مقبول ولا توجد به مشكلة علي حد قوله.
معايير وضوابط
من جانبه يعلق حمدي عرفة، خبير التنمية المحلية، بأن الاعلانات التي انتشرت في الفترة الأخيرة يوجد لديها أكثر من جهة مسئولة عنها ـفهناك الاعلانات المنتشرة علي الطرق السريعة تكون هيئة الطرق والكباري هي المسئولة عنها، أما الاعلانات التي توجد في المدن العشوائية والجديدة تكون إدارة الهيئات والمحافظات والمحليات هي المسئولة عنها، موضحًا أن هناك عددا كبيرا من الاعلانات انتشر فوق المباني السكنية المتهالكة داخل مناطق عشوائية عديدة دون وجود رقيب، مع العلم أن معظم تلك الاعلانات تكون غير مرخصة.
ويؤكد عرفة أن قانون 119 لسنة 2008 من المادة 26 حتي المادة 37 والذي يطلق عليه »‬قانون البناء الموحد» ينظم من خلاله مسألة وجود الاعلان فوق المباني من حيث شكل الاعلان ووزنه والالوان المستخدمة فيه، فكان من المفترض أن يتم تطبيق هذا القانون بكل مواده ويتم توقيع مخالفة مادية علي صاحب العقار، ولكنه لايطبق، لذا علي الدولة إنشاء جهة واحدة تابعة لكل محافظ ويتم من خلالها تنظيم الاعلانات التي انتشرت بشكل مخيف مما يؤدي ذلك إلي إلحاق الأذي بالساكن.
ويضيف محمد موسي، رئيس حي العمرانية السابق، أن مشكلة الإعلانات علي المباني القديمة قائمة بالفعل بشكل يمثل خطورة علي حياة المواطن، ويؤكد أن المسئول عن هذا الأمر هي إدارة الإعلانات التابعة للمحافظة، ويكون رئيس الحي مكتوف الأيدي عن هذه المشكلة في ظل وجود اللامركزية التي تسيطر علي الجهاز الإداري للدولة.
ويؤكد أن من يريد وضع إعلانات فوق سطح منزله عليه أولا أخذ الموافقة من لجنة المحافظة والتي من المفترض ان تقوم بإرسال لجنة لفحص ومعاينة المنزل، ولكن هناك من يضع الاعلانات بدون أخذ تصاريح، ولذلك لابد من تشديد الرقابة علي مثل هذه العقارات المخالفة حتي لا يتعرض المواطنون للأذي.
قابلة للسقوط
من جانبه يوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن الأمر له جانب اقتصادي كبير، فالبيوت القديمة إيجارتها منخفضة للغاية، لذا فإن صاحب العقار يوافق علي وجود إعلان فوق المبني السكني ليدخل له إيراد إضافي، وبالتالي الاعلانات تعوضه عن الايجار المنخفض من الساكن، مضيفًا أن صاحب العمارة يقوم باستغلال الاعلانات التي تأتي إليه من شركات تجارية كبري والتي يستفيد منها بنسبة 50 أو 60 ضعف المبلغ الذي يتقضاه صاحب المبني من الساكن لذلك لا يلتفت لمصلحة المواطن بل يقوم بالبحث عن مصلحتة الشخصية أولاً.
ويضيف رشاد عبده، أن إيراد الاعلان الواحد يبدأ من 10 الاف فأكثر حسب موقع المبني السكني، أما من جهة انهيار المبني فهو ممن مصلحة صاحب السكن حتي يتمكن من بيعه حسب السعر الحالي لذلك لا يهتم بانهيار العقار بسبب الكتل الإعلانية الضخمة من عدمه، ويوضح قائلا» المالك ميهموش مصلحة الساكن الغلبان اللي بيدفعله إيجار 3 أو 4 جنيهات»، ولذلك يجب علي الدولة الاهتمام بهؤلاء المواطنين البسطاء من خلال تجديد المباني السكنية المتهالكة القابلة للسقوط من خلال وجود صيانة بشكل دوري لهذه المباني والذي يرفض صاحبها القيام بها لعدم موافقته علي دفع مصاريف غالية لتصليح العمارة، هذا بالاضافة إلي قيامهم بتزويد عدد أدوار العمارة فعلي سبيل المثال إذا كان العقار مقررا به ثلاثة أدوار فقط فمن الممكن عندما تراها الان في حدود 11 دورا مما يشكل عبئا علي الأساس التي كان من المفترض أنه يسمح بثلاثة أدوار فقط وليس أكثر من ذلك.
قيد البحث
من منطلق ضرورة تكاتف كافة جهات الدولة للتصدي لهذة الظاهرة، يشير علاء والي، رئيس لجنة الاسكان بالبرلمان، إلي أن هناك قانونا قدمته الحكومة للبرلمان بهذا الشأن إلا أنه قيد البحث، ويوضح أن هذا القانون يفيد منع تواجد الاعلانات نهائيًا فوق المباني السكنية إلا إذا كان هناك تصريح من الحي يؤكد بأن المبني السكني يصلح بوضع إعلان مهما كان وزنه، فهذا القانون سيتم تقديمه في البرلمان خلال دور الانعقاد الثالث.
ويؤكد والي، أنه سيتم الانتهاء منه قريبًا حتي يتم تطبيقه في أسرع وقت قبل وقوع كوارث لهذه المباني السكنية والقضاء بشكل نهائي علي جشع أصحاب تلك العمارات.
ومن جانبه يوضح ممدوح الحسيني، أحد أعضاء لجنة الادارة المحلية بالبرلمان، أنه لايمكن وضع أي إعلان علي المباني السكنية إلا من خلال تراخيص، ولكن كل الاعلانات المتواجدة فوق المباني السكنية المتهالكة تعد بالتأكيد بدون تصاريح.
ويؤكد أن كل ما يؤدي إلي انهيار مبني أو تلفه يعاقب عليه القانون بشكل واضح وصريح، لذا يجب أن يكون هناك تشريع واضح لقانون يجرم وجود إعلانات نهائيًا فوق المباني السكنية مما يضر بمصلحة المواطن.
ويوضح أنه علي جميع الجهات المعنية تشديد الإجراءات لمنع وجود الاعلانات فوق المباني السكنية المتهالكة والتكاتف من أجل الوقوف ضد أصحاب تلك المباني الذي يغيب عنهم الضمير ولايهمهم مصلحة المواطن بل مصلحتهم الشخصية فقط.
















الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار