مسجد قجماس الإسحاقي:٥٠ جنيهاً تمنح اسم المكان للشيخ «أبو حريبة»!

• بناه المشرف علي الاسطبلات والبريد
5/15/2019 9:38:16 PM  
 104 

في الطريق من باب زويلة إلي الدرب الأحمر، يقف المبني الضخم شامخا، يجتذب العيون برشاقته. غير أن الاعتياد يظل دائما أول محطات التجاهل. يتجاوز الكثيرون جامع قجماس الإسحاقي دون إلقاء نظرة واحدة. في الحارة الضيقة التي تستضيف أحد جدرانه، لم يجد صاحب محل المخللات الموجود تحته مشكلة في عرض بضاعته. خطوات قليلة تنقلنا إلي ممر صغير يربط الحارة بشارع الدرب الأحمر، بائع الدواجن في المبني المقابل لم يجد غضاضة في تحويل أحد جدران المسجد إلي معرض للطيور الحية! سؤال المحيطين عن اسم الجامع سيجد الرد سريعا:»‬ مسجد أبو حريبة». تجاهل من قام بتشييده ليس خطيئة، فللاسم الجديد مبرره، كما أن البنك المركزي المصري نفسه اعتمد مسمي أبو حريبة، لتعريف الصورة التي تُزيّن ورقة الخمسين جنيها. إنها الأسهل مقارنة بالاسم القديم، الذي يحتاج إلي تكرار نطقه عدة مرات قبل أن يُمكن لفظه بطريقة سليمة.
كان قُجماس الإسحاقي أميرا مقربا من الملك الأشرف قايتباي، عيّنه نائبا علي الإسكندرية، ثم أصبح أميرآخور لمصر، أي المشرف علي اصطبلات الخاصة والبريد والهُجُن، وفي عام 1480م أصبح نائبا للشام فأقام بها حتي توفي بعدها بسبعة أعوام. وقد انتهي العمل بالمدرسة عام 1482 خلال وجوده خارج مصر. لا تتضمن قصة حياة الأمير تفاصيل مثيرة، فقد كان حسن السيرة ومتواضعا، مما يجعل حضوره في القصص التاريخية باهتا نوعا ما.
اقتربتُ من المسجد وصعدتُ سلالمه، لا توجد لافتة تحمل اسمه أو تُوضّح تفاصيل المجموعة المتكاملة التي تتضمن كُتابا وسبيلا. دخلتُ واتجهت يمينا في الممر الذي يصل بمرتاده إلي مكان الصلاة. نقوشه بديعة، يتميز بها عن آثار عديدة تنتمي لعصره، تنتشر علي جدرانه ومنبره ومحرابه، شبابيكه ذات الزجاج المُلون تجعل الضوء العابر يكتسي بألوان الطيف، رغم وهن النور، فإنه يطغي علي وهج لمبات النيون المنتشرة في المكان. انشغلتُ عن كل ذلك بالبحث عن أي إنسان في المكان. أنهيتُ جولتي وخرجت.. كان قجماس قد أعد الضريح تحت القبة ليُدفن فيه، لكن القدر احتفظ به لشخص آخر لم يظهر إلا بعد نحو أربعة قرون، مات مؤسس المسجد في دمشق ودُفن بها، ثم جاء الولي الصالح أبوحريبة ليجد في الضريح الخالي مقبرة غير تقليدية. اتجهنا إلي معبر ضيق، يربط المسجد بمبني آخر في الجهة الأخري من الحارة الجانبية، ينتقل العابر فوقه إلي الميضأة، في تشكيل معماري فريد، تجاوز عقبة الحارة الفاصلة بين المبنيين، وحفظ لها حق الطريق.
جولة عابرة تنجح في نقل الزائر عدة قرون إلي الوراء. لكن الحاضر يفرض وجوده دائما، بتفاصيل نبرع في إضافتها، دون أن نضع الجماليات الأصلية في اعتبارنا، فالحاجة دائما تجعل الجمال فريضة غائبة!!


الكلمات المتعلقة


شكاوى الأخبار