خطوة أشادت بها المنظمات الدولية.. دور رعاية رحيمة للأطفال الأحداث

الدولة وفرت مراكز مجهزة لإعادة تأهيل أطفال الأحداث
11/28/2018 7:24:53 PM  
 256 

 مراكز مجهزة لإعادة تأهيل الأحداث بإشراف من »التضامن»‬ و»‬الداخلية»

رغم جرائمهم لكنهم في النهاية ضحايا، ذنوبهم لا تشبه براءة أصحابها ، هم الجاني والمجني عليه في آن واحد ، والمتهم والضحية في الوقت نفسه، إنهم اطفال الأحداث ، او كما يعرفهم مجتمعنا بالمجرمين الصغار ، تلك الفئة العمرية التي كتب عليها ان تري الوجه القبيح للحياة مبكرا ، فالبرغم من كونهم مرتكبي جرائم شنعاء إلا انهم ضحايا هذه الجرائم إما بالدوافع او بالأسباب او بالنتائج.. هؤلاء الأطفال يحتاجون لإعادة تأهيل نفسي واجتماعي ليستعيدوا فطرتهم الطيبة حتي لا تنمو بذرة الشر داخلهم ، هذا الدور الذي تقوم به الان دور رعاية الأطفال قيد التحقيق في مبادرة اطلقتها وزارة التضامن بالتعاون مع وزارة الداخلية ومؤسسة الهلال الأحمر لاستضافة الأطفال الذين لم يتم الحكم في قضاياهم ، وهذه الخطوة اشادت بها الكثير من منظمات حقوق الطفل المحلية والعالمية.. »‬الأخبار» قضت يوما وسط الأطفال قيد التحقيق في أحد دور الرعاية بمحافظة القليوبية لتنقل بالكلمة والصورة مأساة هؤلاء الأطفال ولمعرفة الدور الذي تقدمه هذه المراكز في التأهيل النفسي والاجتماعي لأطفال الأحداث كما ناقشت الخبراء في أهمية هذه الدور في التخلص من النبتة الإجرامية التي قد تهدد مجتمعا بأكمله إذا اكتمل نموها.

مسئولو الدار: جلسات نفسية ودينية للنزلاء ودعم خاص للطلاب
خبراء علم النفس والاجتماع: سلاح ذو حدين .. وتحتاج إلي متخصصين


المركز يشبه في وصفه البيوت السكنية الواسعة التي تتكون من اكثر من طابق ، وربما ما يختلف في الوصف هو الأسوار الحديدية العالية التي تحيط بالمكان تأميننا لهؤلاء الأطفال من محاولات الهرب التي دائما ما يناوبهم التفكير بها ، خطوات من بوابات الدخول وانتقالا إلي غرف الأطفال تجدها اشبه بعنابر المرضي حيث تصطف أسرة الأطفال بجانب بعضها البعض ولا تخلو الغرفة من بعض مظاهر الترفيه مثل شاشات التلفاز وبعض الألعاب البسيطة ، أبواب الغرف مصممة علي هيئة الزنازين حيث الأبواب الحديدية العريضة ذات الشراع الحديدي المفرغ ، والذي يتحدث الأطفال من ورائه ، هذا التصميم الذي يحاول الجمع بين هدوء المنزل ووحشة السجن ايضا حتي لا يخلو الأمر من الجانب العقابي
مآسي الأطفال
أما عن الأطفال فقد تنوعت مآسيهم وحكاياتهم التي يندي لها الجبين ، والمؤسف ان بعض هذه الحكايات كان بدافع نبيل تحول في النهاية إلي جريمة ليست متوقعة ، وهو الجزء الأكثر حزننا في الحكاية فهذه الفئة مازالت تجهل ما لها وما عليها وما زالت لا تعبأ بالعواقب ولا تستطيع أن تحسبها.
احمد أول الحالات التي التقينا بهم في دار الملاحظة والرعاية ، وهو طفل لا يتعدي عمره العشر سنوات ، رحب بنا ترحيبا شديدا عند الدخول ولم يحاول تجنبنا مطلقا ، ولكنه كان يتجنب الحديث عن مأساته ربما لشعوره بالذنب او بالخجل ، وربما لأنه يريد الحفاظ علي صورته امامنا ، كان اغلب حديثه عن حبه لوالده ووالدته وعن طرائفه مع إخوته ، تميزت كلماته بالمرح الشديد رغم الحزن الذي يكسو عينيه ، اقتربنا شيئا فشيئا من مأساته حتي اطمأن وبدأ في الحديث قائلا »‬ تركت مدرستي بسبب كرهي لمعلمتي التي كانت تتعمد صفعي يوميا ولا ادري لماذا كانت تعاملني بهذه الطريقة بالرغم من انني كنت دائما احاول تنفيذ كل ما تطلبه ، حتي قررت ان اترك مدرستي وان اتعلم حرفة استطيع ان احصل بها علي نقود تجلب لي كل ما اريده انا واخوتي ، عارضني والدي في البداية ولكنني صممت علي رأيي ، وبدأت انزل لسوق العمل ابحث عن حرفة ، فعملت في البداية »‬جزمجي» ثم عامل نقاشة ، ثم »‬سباك» بدأت في هذه الأثناء اختلط بكل فئات الشارع واصبحوا هم كل اهلي حيث كنت لا اعود للمنزل سوي متأخر جدا ، وفي يوم كنت عائدا إلي منزلي وبعد ان ركبت الميكروباص كان لم يكتمل إعداد ركابه فجلست أنتظر إكتمال أعدادهم ، وكان السائق يعرفني جيدا فترك سجائره وبعض اشيائه في السيارة ووقف بالخارج ، وطلب مني ان اعتني بأشيائه حتي يعود ، ثم حضر احد اصدقائي وركب بجانبي في الميكروباص وحين وجد علبة السجائر التي تركها السائق ، أراد ان يأخذ منها سيجارة فرفضت وطلبت منه ان يستأذن السائق أولا ربما يوافق علي ذلك ، فرفض صديقي ، وصمم أن يأخذ السجائر عنوة، فأخبرته ان السائق تركهم معي أمانة وسوف يحاسبني عليها ، ومع احتداد الشجار بيننا اخرج صديقي »‬المطوة» من جيبه وأراد ان يجرح يدي كي تفلت منها علبة السجائر، ولكنني استطعت ان آخذها من يده ، ولم اقصد مطلقا إيذاءه ولكن عنف شجارنا ادي لأن اقطع يده دون ان اقصد حتي امتلأ المكان بالدماء ومنذ ذلك الحين وقد اصبحت مجرما اعاقب علي ما فعلت ، رغم انني كل ما فعلته هو انني حافظت علي سجائر السائق التي تركها في امانتي ، ثم صمت احمد لبضع دقائق ، وعاد يتساءل مستنكرا، اليس الحفاظ علي الأمانة فضيلة ؟!
اما محمود الطفل الذي بلغ من العمر 13 عاما، فكان لا يرغب بالحديث معنا مطلقا ، وانزوي في سريره لا يكلم احدا ، حاولنا الحديث معه بشتي الطرق ، ولكنه رفض تماما ، وابدي استياءه الشديد منا ، فخضعنا لرغبته بعد ان علمنا من الأخصائي النفسي للدار انه يعاني من أزمة نفسية إثر مأساته وهو ما جعله يرفض الحديث مع اي احد منذ ان دخل الدار حتي زملائه لا يتعامل معهم ، واخبرنا انه متهم في قضية قتل اخيه الأصغر ، حيث ألقاه بقطع رخامية وهو يمزح معه تسببت له في قطع جذع المخ مما ادي إلي وفاته، ولكن ملابسات القضية لا يعرفها احد والطفل يخضع للعلاج النفسي حتي الآن.
كاميرات مراقبة
توجهنا إلي مشرفي الدار ليحكوا لنا تجربتهم، يقول وليد فاروق اخصائي اجتماعي ومدير دار الملاحظة والرعاية ان المبني تبرعت به احدي السيدات الثريات لوزارة التضامن وتم تجديده وتجهيزه وافتتاحه في عام 2012 ليستقبل الاطفال الاقل من 18 عاما الذين مازالوا علي ذمة قضايا واضاف مدير الدار ان المبني مكون من طابقين ، الطابق الاول يشمل الادارة والمطبخ والمغسلة وحجرة الاخصائيين ومدير الدار.. وبه »‬عنبر رقم 1» ويضم 10 اسرة اما عن الطابق الثاني فيتكون من عنبرين كل عنبر به 20 سريرا ومخزنين وحجرة للطعام والمبني به 32 كاميرا مراقبة موزعة علي الدار شاملة عنابر الاطفال ايضا.
ويشير مدير الدار إلي أن اغرب القضايا التي تم تأهيلها كان طفلا في المرحلة الابتدائية قام بإلقاء البنزين علي زميل له واشعل النيران به ومكث فترة للعلاج بالمستشفي لان نسبة الحروق كانت كبيرة ولكنه توفي متأثرا بحروقه ومكث الطفل 3 أشهر علي ذمة القضية واتضح من تحقيقات النيابة انه كان يمزح معه ، وأخلي سبيله ويضيف من الحالات الغريبة ايضا طفل التحق بالدار من فترة قريبة يدعي الشربيني لديه 13 عاما وهو مصنف من الاطفال شديدي الخطورة لانه حاول اكثر من مرة قتل طفل اخر معه بالعنبر وحاول التعدي علي احد المشرفين بأجزاء السرير وارسلت تقريرا انه يجب وضعه داخل عنبر منفرد لعدم القدرة علي التعامل معه، وبعدها اصدرت النيابة قرارا بايداعه بقسم بنها تجنبا لاحداث اضرار باي احد من زملائه
وزارة التضامن
اما عن دور وزارة التضامن فقد اكدت فاتن جودة مديرة ادارة الدفاع بمديرية التضامن بالقليوبية ان وزارة التضامن قامت بتجهيز الدار لاستقبال الاطفال وهناك اشراف دوري علي كل كبيرة وصغيرة تدور بالدار ويتم خلاله رفع تقرير إلي الوزارة بخطة سير العمل بالدار وذلك بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر
فيما اشار عفيفي الفرماوي المسئول عن جمعية الهلال الاحمر بالمحافظة إلي ان مشروع رعاية الاطفال الاقل من 18 سنة وعلي ذمة قضايا مسند من وزارة التضامن إلي الجمعية مؤكدا ان جمعية الهلال الاحمر بالقليوبية هي المنوطة بجميع الامور المالية والتنظيمية والاشرافية والتنفيذية بالدار واوضح الفرماوي انه لايتم استلام الاطفال الا بقرار من النيابة عن طريق محضر رسمي ويوقع عليه الاخصائي الاجتماعي بالاستلام ثم يتم تفتيش الطفل والنظر علي جميع اجزاء جسده ثم تسليمه غيارات داخلية وفوطة وبطانية وكوفرته والاشراف علي نظافته بالاستحمام قبل دخوله العنبر.ويتم تقديم ثلاث وجبات يوميا وأضاف انه يتم عقد جلسات اجتماعية مع الطفل يوميا عن طريق الاخصائيين الاجتماعيين ويتم مناقشته عن حياته واسرته وتعليمه واسباب القضية المتهم بها ثم يتم رفع هذه التقارير من 3 اخصائيين إلي مدير الدار. مشيرا إلي انه يتم عقد جلسات اخري مع الطفل والاخصائيين ليتم رفع التقرير النهائي عن الطفل الذي تطلبه النيابة لمساعدتها في التحقيق واوضح مدير الدار ان زيارة اهالي الاطفال بقرار من النيابة ويتم خلالها الجلوس مع الاب والام لمناقشتهما لمعرفة ملابسات واقعة طفلهما وسؤالهما عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية وهل هناك امور مؤثرة علي الطفل ثم رفع التقرير مع ملف الطفل ويقول احد الاخصائيين بالدار »‬يتم اعادة وتأهيل الاطفال علي ذمة قضايا »‬دينيا ونفسيا واجتماعيا» ويعقد جلسات مستمرة لاشراكهم في الانشطة المتمثلة في الرسم والالعاب ليصبح صالحا في المجتمع واضاف يتم شرح وتبسيط المناهج الدراسية الخاصة بالاطفال الذين لازالوا في مراحل التعليم عن طريق الاخصائيين والمشرفين بالدار وعند الامتحانات يتم اخطار النيابة بان الطفل سوف يؤدي امتحانات اخر العام وهي الجهة الوحيدة المنوطة باصدار امر الدخول والخروج للاطفال في الدار كما يتم الاستعانة باحد الشيوخ من المساجد القريبة بالاتفاق مع الدار لاعطاء الدروس الدينية للاطفال.
اما عن آراء الخبراء في اهمية التأهيل النفسي والاجتماعي فأكد د. ماهر الضبع استاذ علم النفس بالجامعة الأمريكية »‬ان إعادة التأهيل النفسي للأطفال مرتكبي الجرائم امرا ليس بسهل ولكنه ليس مستحيلا ، ولكن هذا التأهيل يكون بمثابة العلاج الذي يحتاج إلي متخصصين يفهمون عملهم جيدا ويجيدون التعامل مع اضطرابات الشخصية التي قد تكون دافعا للجريمة او نتيجة ، فهي تجربة قاسية جدا عليهم وقد يكون أغلبها بالخطأ وليس مقصودا وهو مايؤدي بدوره إلي تدمير نفسية الطفل، ولذلك فهذه المراكز قد تكون سلاحا ذو حدين، فحين يكون القائمون عليها متخصصين في عملهم يجيدون التعامل مع هذه الفئة يستطيعون ان يعيدوا برمجتهم ويمكنوهم من تخطي هذه التجربة حتي تتلاشي تدريجيا من ذاكرتهم ، اما إذا كانو غير متخصصين بالقدر الكافي فقد يعود هذا بالضرر علي الأطفال بل وينمي فيهم العنف والإجرام
اساءة التنفيذ
ومن جانبها اضافت د. سامية خضر استاذ علم الاجتماع »‬ ان هذه التجربة ليست حديثة علي مصر وليست مبادرة من اليونيسيف كما يدعي البعض ، بل ان مصر من رواد هذه التجربة ، ولكن المشكلة في بعض المراكز التي اساءت تنفيذ التجربة حين قرروا التعامل مع هؤلاء الأطفال علي انهم مجرمون مما رسخ فيهم الإحساس بالجريمة ومن ثم تصبح شيئا مألوفا الأمر الذي يشكل خطورة بالغة علي المجتمع بأكمله حيث تساهم بشكل رئيسي في تنمية دوافع الانتقام ومن ثم صناعة مجرم ، موضحة ان دور الإخصائي الاجتماعي هو إعادة تأهيل هذا الطفل وإخراجه صالحا للمجتمع.

مسئول الهلال الأحمر: استلام الأطفال بقرار من النيابة وتقرير نفسي واجتماعي


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار