الفراخ الحية.. تهجر محلات الطيور!

11/8/2018 7:04:29 PM  
 252 

أقفاص وعشش تمتلئ عن آخرها بأنواع مختلفة من الطيور، تقف متراصة أمام المحال التي لا تتوقف الحركة داخلها وخارجها، عامل يذبح وآخر ينظف ويقطع وزبون يقف منتظرا طلبه ويطمئن علي نظافة ما طلبه بنفسه.. كل هذه المشاهد نراها عند بائع الفراخ الحية ولكنها من الواضح ستختفي، وذلك بعد قرار منع بيع الدواجن الحية والذي صدر مؤخرا وسيتم تطبيقه خلال شهرين علي محافظات الجمهورية تنفيذًا للقانون رقم 70 لسنة 2009، ولائحته التنفيذية، والذي صدر قبل 9 سنوات وتم تطبيقه لمدة عامين، وتوقف مع أحداث ثورة يناير.. القانون جاء صادما لكثير من أصحاب المحلات والأهالي أيضا، ولكنه كان صريحا فهو ينص علي الحد من بيع الدواجن الحية وتشجيع استهلاك الدواجن المجمدة والمبردة بدلا منها بهدف مكافحة انتشار مرض أنفلونزا الطيور، والتأكد من سلامة الدواجن.. الأرقام المعلنة من جانب وزارة الزراعة تؤكد أن هذا القطاع يستثمر به 56 مليار جنيه ويعمل بها 2.5 مليون عامل، ويوجد أكثر من 70 ألف مزرعة علي مستوي الجمهورية منها 70% مملوكة لشركات كبري، وحوالي 30% للقطاع الريفي وصغار المربين، ويبلغ عدد محلات بيع الطيور حوالي 20 ألف محل، مصر واحدة من 3 دول فقط في العالم بها هذا المرض المنتشر.

القرار يغلق الباب الخلفي لتجارة الأطعمة الفاسدة ويقضي علي أنفلونزا الطيور
استثمارات صناعة الدواجن تتجاوز 56 مليار جنيه ويعمل بها أكثر من 2.5 مليون عامل
المواطنون: يحمينا من الأمراض ولكن نخشي ضعف الرقابة
أصحاب المحلات : نحتاج مهلة ويجب مساعدتنا في توفير البديل
رئيس شعبة الدواجن : يضمن وصول منتجات آمنة للمواطنين.. ويوفر فرص عمل بالمجازر
الخبراء : انتعاش السوق السوداء وزيادة الأسعار أبرز الأضرار


المسئولون أكدوا أن هذا القرار لا يستهدف إغلاق محلات بيع الطيور الحية والتي توفر وظائف لعشرات الآلاف من المواطنين، وإنما يحولها إلي محلات لبيع الدواجن المجمدة.. ولكن جميعاً يحتاجون إلي توعية وقبول ودعم قبل تطبيق القرار، الذي يراه الخبراء، أنه سيوقف خسائر القطاع الداجني، والتي تصل لحوالي 50% نافقا نتيجة انتشار الأمراض والفيروسات الوبائية.

»الأخبار»‬ تناقش جميع الأطراف من المواطنين وأصحاب المحلات والمسئولين ووجهت الأسئلة للخبراء والمتخصصين في كيفية تطبيق هذا القرار والاستفادة من هذا القانون في منع انتشار الأمراض والأوبئة كأنفلونزا الطيور.

قرار منع بيع الطيور الحية جاء مفاجئا وصادما للكثيرين رغم عدم تفعيله منذ 9 سنوات ولكن الحكومة أعطت مهلة شهرين لبدء تطبيق قرار حظر بيع وتداول الدواجن الحية، علي أن يتم الإتجار أو الذبح وفقًا للشروط والإجراءات، وفي الأماكن والمجازر ويعاقب المخالف بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد علي 10 آلاف جنيه، أو بإحدي هاتين العقوبتين، وتضاعف العقوبة في حديها الأدني والأقصي في حالة العودة إلي ارتكاب ذات المخالفة، وفي جميع الأحوال يقضي في حكم الإدانة بمصادرة الطيور والدواجن محل المخالفة لحساب وزارة الزراعة، وبإغلاق الأماكن التي تم ارتكاب المخالفة فيها لمدة ثلاثة أشهر، ويكون الإغلاق نهائيا في حالة العودة لممارسة هذا النشاط مرة أخري.

الشراء بالقطعة

جولتنا بدأت من منطقة بولاق وبالتحديد من سوقها الشعبي والذي يشتهر بمحلات بيع الفراخ الحية، توجهنا إلي محمد عبد الله صاحب أقدم محل بالسوق والذي أكد أن القرار ظالم لنا نحن أصحاب محلات بيع الدواجن والطيور الحية وظالما أيضا للغلابة الذين يشترون بالقطعة، فهناك أناس من الطبقة المتوسطة يشترون وركا واحدا فقط ونصف كيلو أجنحة لعمل وجبة من الفراخ لأولادهم ولكن مع القرار الجديد لن يستطيع أمثال هؤلاء من الحصول علي قطعة »‬زفر»، وأكد عبد الله أن تجارة العلف والنقل والمزارع التي تربي هذه الدواجن ستتأثر بشكل كبير في بداية تنفيذ القرار، وأضاف: »‬المحل فاتح بيوت ناس كتير، فهل من المعقول امشيهم وأجيب تلاجة مكانهم»، ونحن نحتاج مهلة لتوفيق أوضاعنا ومساعدة من الحكومة حتي لا ينقطع أكل عيشنا.

وتلتقط منه طرف الحديث الحاجة سعدية »‬ربة منزل» والتي تتعامل مع المحل منذ أكثر من 20 عاما، وأكدت سعدية: »‬أنا واحدة رايحة اشتري فراخ لأولادي ازاي أعرف أنها مدبوحة ولا ميتة فنحن نخاف من شراء المجمد خوفا من أن تكون مريضة»، وأضافت أن القرار جيد ويحمينا من الأمراض ولكننا نخشي من ضعف الرقابة ودخول دواجن فاسدة، وأضافت أن هذا القرار له إيجابيات مثل القضاء علي نفايات هذه الطيور التي تعاد تدويرها في مستحضرات التجميل والأطعمة الفاسدة ولكن يصب في النهاية في صالح شركات الدواجن المستوردة ورجال الأعمال الكبار».

أشوفها حية !

»‬أهم حاجة أشوف الفرخة صاحية وبتتدبح قدامي» بهذه الكلمات تحدثت أم عبير عن قرار إغلاق بيع الطيور الحية، وأكدت السيدة الأربعينية أنها لا تحب الطيور المجمدة أو غير الطازجة.. قائلة: »‬لو طبقوا القرار بجد هربي الفراخ في البيت وعلي السطوح زي زمان» ، وأضافت: »‬إزاي أعرف إذا كانت مدبوحة ولا ماتت أو كانت مريضة»، فنحن السيدات لازم نقف علي يد البائع للتأكد من عملية الذبح والتنظيف للإطمئنان علي سلامة أسرهم، وبيع الدواجن المجمدة يثير الشكوك حول البائع».

ويقول عبد المنعم سعيد »‬مهندس» والذي جاء من أجل الحصول علي فرختين له ولأولاده: »‬أنا مع القرار ولكن لم يتحدث واحد من هؤلاء جميعا عن مبادرة لدعم أصحاب محلات بيع الدواجن الحية، عن طريق قروض بفائدة بسيطة لمساعدتهم خلال تطبيق القانون، حتي يتمكنوا من تجاوز الأزمة والفترات الأولي الصعبة عليهم وعلي المستهلك، الذي اعتاد طوال عمره أن يشتري ويتناول الفراخ والدواجن الحية، وفجأة سيكون عليه تغيير هذه العادات والأذواق».

ثلاجات مستعملة

وفي منطقة الكيت كات بامبابة »‬بدأ أصحاب المحلات في البحث عن الثلاجات والمبردات الكبيرة التي تتحمل وتتسع وتستوعب كميات كبيرة من الفراخ المجمدة، وعلي الرغم من أن أسعار هذه الثلاجات والمبردات إلي 20 ألف جنيه، إلا أن عددا من أصحاب المحلات قاموا بالذهاب إلي مناطق بيع الثلاجات والمبردات المستعملة والتي لا تتجاوز الـ 5 آلاف جنيه ويمكن أن تستوعب ما يقرب من نصف طن دواجن مجمدة، ويقول صبحي السيد »‬فرارجي» : »‬بعض أصحاب محلات بيع الدواجن والطيور الحية يخشون الحصول علي قروض من البنوك حتي لا يتعثروا وتحدث لهم مشاكل وربما يدخل أحد منهم السجون لذلك نطالب الحكومة بدعمنا نحن أصحاب هذه المحلات وبيع المعروض في محلاتنا ومزارعنا حتي لا نتكبد خسائر كبيرة لا نستطيع أن نتحمل فاتورة الإصلاح بمفردنا فأقل عامل عندي يأخذ 70 جنيها يوميا وأسر كبيرة ستضر من هذا القرار فيجب دراسته جيدا وتقنين أوضاعنا نحن الفرارجية قبل تنفيذه».

ويلتقط منه طرف الحديث حمدي علام عامل بأحد محلات بيع الفراخ: »‬أنا أشتغل في الفراخ الطازة أحسن لي لأن الزبون بيحب يشوفها وهي بتدبح قدامه، ولو اشتغلت في المجمد مش هاعرف اعيش، ولكنني سألتزم بالقانون حال تطبيقه»!..

ويري محمد أبوالعلا »‬موظف» أنه من الصعب تطبيق القانون في المناطق الشعبية لأن ثقافتنا مختلفة ولا نحب أن نأكل سوي الطازة وليس المجمد الذي من الممكن أن يتماشي مع ثقافة سكان المناطق الراقية، وأكد أبو العلا أن القرار ليس من أجل القضاء علي نفايات الطيور فقط ولكنه من أجل القضاء علي فيروس أنفلونزا الطيور وتجارة مستحضرات التجميل المغشوشة وأغذية وطعام بير السلم والتي تعيش علي بقايا هذه المحلات.

سوق سوداء

وفي سوق سليمان جوهر بالدقي، قابلنا عم محمد زين »‬فرارجي» والذي قال : »‬في ناس بتيجي تاخد مننا فراخ متقسمة بالقطعة ورجول وهياكل، أما الدجاج المجمد فلا يتم تقسيمه بالقطعه»، وأضاف زين : »‬القرار ممكن يخلق سوقا سوداء والأصح تشديد الرقابة علي المنظومة من بدايتها وليس الحل إغلاق آخر حلقة في المنظومة وأضعفها وهم نحن أصحاب محال الطيور الحية». ويقول السيد محمد »‬حلاق» : »‬إن القرار يضعنا علي طريق الدول المتقدمة فهو يحافظ علي البيئة من انتشار الأمراض ويعود بالنفع علي المواطن البسيط ويساعد الدولة علي القضاء علي أباطرة تجارة مستحضرات التجميل المغشوشة والأغذية غير الصالحة للاستهلاك الآدمي. أما حسن عبد الله »‬عامل تقطيع بأحد المحلات» فأكد قائلا: »‬المستوردون هم أكثر الناس استفادة من القرار نظرا لقيامهم بتوريد الدواجن للتجار في حال تنفيذ القرار.

شائعات مغرضة

ويقول د.عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الثروة الداجنة بغرفة القاهرة واتحاد الغرف التجارية: إن تنفيذ القرار الخاص بذبح الدواجن في المجازر قرار سليم ويصب في مصلحة المواطنين لأن الذبح داخل المجزر أفضل مائة مرة من عمليات الذبح العشوائية التي كانت تتم في منافذ البيع ناهيك علي أن ما يتم ذبحه داخل هذه المنافذ مجهول المصدر.

ويضيف أن القرار الذي صدر مؤخرا هو تفعيل لقانون 70 لعام 2009 وكان سبب صدوره هو الوقاية من الأخطار التي كانت تتسبب بها عشوائية التعامل مع الثروة الداجنة وعدم استخدام الاحتياطات اللازمة للحفاظ علي أرواح المصريين.

ويؤكد أن شعبة الثروة الداجنة باتحاد الغرف التجارية تؤيد تفعيل هذا القرار ولكن الأهم من التفعيل هو أن تتوفر السبل لكي ينجح هذا التفعيل ولا تحدث خسائر ومشاكل كثيرة خاصة أن الدواجن والطيور وجبة رئيسية لجموع المواطنين.

ويضيف أن أبرز هذه السبل والأسباب هو أن يتناسب عدد المجازر الموجودة التي تخدم المناطق مع عدد السكان بالإضافة إلي أنه قبل أن يتم توفير الدواجن للمجارز أن تقدم عينات يتم فحصها لمعرفة مدي جودتها والأهم من ذلك آليات التوصيل التي ستتبعها المجازر لتوصيل ما تم ذبحه لمنافذ البيع.
ويوضح أن الدواجن والطيور التي يتم ذبحها في المجازر تبدأ بأن مسئول المجزر يتعاقد مع مورد يقدم له احتياجاته من الطيور والدواجن وقبل أن يتم هذا التوريد يتم فحص عينة من قبل الطبيب البيطري الموجود بصفة دائمة داخل المجزر لضمان سلامة الدواجن والطيور مائة بالمائة وأنها صالحة للاستخدام الآدمي ليتم بعد ذلك الذبح وتأتي المرحلة الأخيرة وهي عملية التخلص من مخلفات تم ذبحه.

وعن زيادة نسبة البطالة بسبب تفعيل القرار نتيجة تسريح نسبة كبيرة من العمال التي تعمل في المنافذ يؤكد عبد العزيز أن ما يشاع أن هذا القرار سيضر بالعاملين في مجال ذبح الدواجن، شائعات مغرضة لأنه حتي وإن تخلي صاحب المنفذ عن العمال الذين سيعملون لديه فإن هذا سيقابله إن من تم تسريحه سيذهب للعمل في المجزر الذي سيكون في حاجة ماسة لهؤلاء العمال المهرة للقيام بالذبح داخل المجزر.

نمط الاستهلاك

ومن هذا المنطلق علق د.نادر نور الدين »‬الخبير الزراعي» أن قرار تفعيل القانون رقم 70 لعام 2009، الخاص بتنظيم تداول الطيور والدواجن الحية وبيعها في الأسواق، يحتاج إلي المزيد من المراجعة والدراسة، فهناك أكثر من 90% من مزارع الدواجن في مصر موجودة في محافظة القليوبية، والقرار قد يخلق سوقا سوداء ويرفع أسعار الدواجن.

وعلي الجانب الآخر يسعي البنك الزراعي المصري لتوفير قروض ميسرة لأصحاب محلات الدواجن لشراء الثلاجات المبردة خلال الفترة المقبلة خاصة بعد حظر تداول الطيور الحية، وأكد السيد القصير »‬رئيس مجلس إدارة البنك الزراعي المصري» في تصريحات علي هامش توقيع عقد بقيمة 50 مليون جنيه مع جهاز تنمية المشروعات الصغيرة، إن مصرفه يدعم المشروعات الزراعية والثروة الحيوانية والداجنة، وأشار إلي أنه سيتم توفير التمويلات لأصحاب المحلات لشراء المبردات لحفظ الدواجن المجمدة بها خلال الفترة المقبلة».

وفي نفس السياق يقول د. رشاد عبده الخبير الاقتصادي أن تفعيل القانون الخاص بمنع بيع الدواجن الحية الذي صدر مؤخرا قرار صحيح في التوقيت الخاطئ والسبب أن الوضع الحالي لسوق الدواجن مستقر وليس به أي مشاكل ولا توجد بوادر لأزمة علي عكس وقت صدوره.

ويوضح أن هذا القرار سيتسبب في زيادة التكاليف الخاصة بالدواجن وبالأخص في المناطق الشعبية وذلك لأن تكاليف النقل من المجزر إلي المحلات ومنافذ البيع ستزيد من نسبة التكلفة مما سيكون له أثر سلبي علي المشترين الذين يجدون في الدواجن والطيور ملجأ آمنا لموائدهم.

أساليب الوقاية

ومن جانبها تؤكد د.نرجس ألبرت، أستاذ الصحة العامة، أن القرار الخاص بذبح الدواجن داخل المذابح قرار صحي ويساعد في الحفاظ علي صحة المواطنين وسلامتهم.. وتوضح أن عمليات الذبح التي كانت تتم في منافذ البيع كانت تتم بطريقة غير صحية وكانت تتسبب في انتشار الأمراض بسبب عدم اتباعها للأسس السليمة للذبح مما سيكون له تأثير ضار كبير يتسبب في انتشار الكثير من الأمراض.
وتكمل أن الأخطر من ذلك هو مخلفات الدواجن التي لا يتم التخلص منها بطريقة سليمة ويقوم البعض بحرقها مما يكون له أثر سلبي كبير نتيجة أن غالبية هذه المنافذ تتواجد في مناطق مأهولة بالسكان.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار