وقائع يوم أفرو مصري في دار المستشارية

ورقــة وـقـلم

ورقــة وـقـلم

كيف جرت مباحثات القمة السابعة.. وماذا قيل عن مصر في منتدي الاستثمار بأفريقيا؟
ميركل تشيد بالنموذج المصري القدوة.. ورئيس »سيمنس« يتحدث عن الرقم القياسي للسيسي

انقشعت السحب، وتحررت الشمس. غيضت مياه الأمطار التي ظلت تهطل علي برلين طوال الليل، وارتفعت حرارة الجو إلي 16 درجة.

حل دفء الخريف المحبب، وكان صقيع شتاء مبكر طرق أبواب العاصمة الألمانية.

ألوان أوراق الأشجار في ساحة دار المستشارية الألمانية، تتدرج بين الأخضر الزاهي إلي الطوبي المشرب بأشعة الشمس الذهبية.

مبني الدار التي يقع بها مقر الحكم، ينتمي إلي المعمار الحديث، علي النقيض من مبني البرلمان الألماني «البوندستاج» التاريخي ذي القبة الشامخة والملاصق لدار المستشارية.

كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف ظهر أمس الأول، حين خرجت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من باب الدار إلي الساحة الخارجية، لتكون في استقبال الرئيس عبدالفتاح السيسي.

السيدة ميركل سبقت الرئيس السيسي إلي مبني المستشارية بدقائق. الرئيس والمستشارة كانا معا في قاعة «أكسيكا» منذ الحادية عشرة صباحا للمشاركة في منتدي الاستثمار بين ألمانيا وأفريقيا، في إطار مبادرة الشراكة بين مجموعة العشرين والدول الأفريقية.

أحد عشر زعيما أفريقيا كانوا مع الرئيس والمستشارة في قاعة «أكسيكا»، ودعتهم السيدة ميركل بعد انتهاء الجلسة الأولي للمنتدي إلي غداء يحضره معهم وزراء ألمان في حكومتها، بينما دعت هي الرئيس السيسي إلي غداء يتخلل مباحثات القمة بينهما، وكان السيسي هو الزعيم الوحيد الذي تلتقي به ميركل في مباحثات ثنائية، علي هامش القمة الألمانية الأفريقية.

بحرارة رحبت ميركل بضيفها الرئيس المصري، واصطحبته إلي قاعة المباحثات حيث سبقهما أعضاء الوفدين المصري والألماني.

***
جدار الطابق الثاني - حيث تعقد جلسات المباحثات - يحمل لوحات زيتية حديثة، عبارة عن بورتريهات لزعماء ألمانيا الغربية: كونراد أويناور، ايرهارد، كورت كيسينجر، فيلي برانت، هلموت شميث، ثم مستشار توحيد الألمانيتين هلموت كول، وجيرهارد شرودر.

لا توجد لوحة لميركل، ابنة ألمانيا الشرقية، وأستاذة الفيزياء، مستشارة ألمانيا علي مدي 4 دورات منذ عام 2005.

ربما ترسم لوحتها بعد أن تغادر منصبها كمستشارة، وتعتزل السياسة عام 2021.

هذا القرار اتخذته ميركل عشية لقائها السابع بالرئيس السيسي في القمة المصرية الألمانية أمس الأول، في أعقاب النتيجة غير المرضية لحزبها والأحزاب المتحالفة معها في انتخابات ولاية هيسين ذات الأهمية الاستراتيجية وعاصمتها فرانكفورت قلب الاقتصاد الألماني.

أعلنت ميركل أيضاً أنها لن تترشح لرئاسة حزبها «الديمقراطي المسيحي» في مؤتمره المقبل خلال شهر ديسمبر.

***
بدا التأثر الشديد ممتزجاً بالعرفان، علي وجه ميركل وهي تستمع إلي عبارات مرتجلة قالها عنها الرئيس السيسي في بداية كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي أعقب جلسة مباحثات أولي للقمة المصرية الألمانية استغرقت 75 دقيقة.

قال السيسي في مستهل كلمته: «أود أن أعرب عن خالص التقدير والامتنان للسيدة المستشارة أنجيلا ميركل، ونقدر بإعجاب كل العطاء الذي تم تقديمه من ألمانيا للعالم أثناء فترة المستشارة، وانني أتوجه بالتهنئة للمستشارة والشعب الألماني علي كل ما قدموه، ونحن في مصر ننظر بكل الاعجاب والتقدير والاحترام، لما فعلته المستشارة ميركل للاجئين الذين استقبلتهم ألمانيا».

موضوع اللاجئين بالذات هو سبب الانهيار المتسارع لشعبية ميركل وحزبها.

في لحظة ما بدت السيدة ميركل امرأة قاسية غليظة القلب، حينما ردت بجفاء علي فتاة فلسطينية تسألها عما إذا كان لها أن تستقر مع أسرتها في ألمانيا وتحصل علي الإقامة كان ذلك منذ 3 سنوات.

من بعدها ظهرت ميركل في عيون كثير من الألمان، لاسيما أعضاء حزب «البديل» اليميني المعادي للأجانب، في صورة سيدة ضعيفة مفرطة في ضرورات الأمن الألماني، عندما سمحت بدخول أكثر من مليون لاجيء من سوريا وغيرها إلي الأراضي الألمانية
ومعهم نالت الفتاة الفلسطينية «ريم» إقامة دائمة في ألمانيا ونجت من الترحيل هي ووالداها.

مسألة خلافة ميركل في قيادة الحزب الديمقراطي المسيحي تحتل اهتماماً كبيراً في الشارع الألماني، انعكس علي المؤتمر الصحفي المشترك لها مع الرئيس السيسي، فسألها أحد الصحفيين الألمان عمن تساند من بين المرشحين المحتملين..

كان رد ميركل حاداً حين قالت: انني لن أتدخل علي الإطلاق في اختيار من سيخلفني سواء في المنصب السياسي أو الحزبي، فهذه عملية مفتوحة أمام الجميع.

***
لا يمكن وصف الألمان بالمجاملة.

السيدة ميركل بالذات ليست فيها هذه الصفة، معروف عنها أنها ذات أنياب وأظافر في المباحثات.
صورها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تتصدر مدخل القاعة الرئيسية لوكالة الاستعلامات الألمانية، تبدو فيها وكأنها تتأهب لافتراسه وسط قادة الغرب، كرد فعل علي موقفه من التجارة العالمية.
نظرتها أيضا للرئيس الروسي بوتين، عندما استخدم مثلا روسيا وهو يحادثها بدا غير لائق لاستخدامه في حضرة سيدة، لا يمكن نسيانها.

مع ذلك.. لم تقتصد ميركل في إسباغ عبارات الثناء علي مصر سواء في مباحثات القمة أو في المؤتمر الصحفي المشترك مع السيسي.

في مستهل جلسة المباحثات قالت ميركل «سيادة الرئيس، إن مصر في ظل قيادتكم باتت نموذجا ناجحا يحتذي به في الاستقرار والتنمية بمنطقة الشرق الأوسط، وإننا نقدر دورها الفعال في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

علي أن أكثر ما أثلج صدري كمصري، هو ما سمعته من جو كايزر رئيس شركة «سيمنس» الألمانية، خلال منتدي الاستثمار لجولة العشرين ممثلة في ألمانيا مع الدول الأفريقية.

أمام 12 من القادة الأفارقة ومعهم ميركل، وبحضور رؤساء أكبر وأهم الشركات الألمانية، تحدث رئيس شركة سيمنس عن زيارته برفقة ميركل إلي السنغال ونيجيريا وتجارب شركته مع توجو والمغرب. ثم توقف عند مصر.

وقال بالحرف: «إننا نشعر بفخر كبير بخصوص الشراكة طويلة الأمد مع مصر..

ليس فقط في مجال الكهرباء، حيث بنينا أكبر 3 محطات للتوليد في العالم بالتعاون مع الشركات المصرية، وإنما أيضا في مجال تطوير البنية الأساسية في وقت قياسي.

إن مصر هي حالة عالمية غير مسبوقة في سرعة إنجاز المشروعات الكبري في مجال البنية الأساسية، وأقول إن هذا لم يكن ليحدث إلا بفضل قيادة السيسي».

في العام الماضي.. سمعت خلال القمة الأولي للشراكة بين مجموعة العشرين وأفريقيا، بعض عبارات الاشادة من جانب كايزر إزاء مصر وقائدها لكنني لأول مرة أسمع ثناء بكل هذا الوضوح، وإعجابا بغير تحفظ بالتجربة المصرية، ومن رئيس إحدي أكبر الشركات الألمانية.

السيد كايزر أشار إلي تدريب أكثر من ألفي مهندس مصري بالتعاون مع «سيمنس»، وإلي وجود آفاق ممتدة للتعاون في تحديث محطات الكهرباء بمصر.

وأثناء المنتدي قام رئيس شركة «سيمنس» بالتوقيع علي مذكرة تفاهم مع د.عمرو نصار وزير التجارة والصناعة ود.طارق شوقي وزير التربية والتعليم للتعاون في مجال التصنيع والتعليم والتدريب.

***
منتدي الاستثمار الذي انعقد في الصباح بقاعة «أكسيكا»،  استهلته المستشارة الألمانية بكلمة قالت فيها: إنه آن الأوان ليس لنتحدث عن الأفارقة وانما لنتحدث معهم. وأضافت أن هناك نقاطا ينبغي التركيز عليها لتشجيع التبادل والتقارب وتحسين شروط الاستثمار. وأوجزت هذه النقاط في توفير التمويل للشركات الألمانية والأوروبية والأفريقية المتوسطة والصغيرة للعمل في أفريقيا، وتقديم ضمانات لمواجهة مخاطر الاستثمار، وتوقيع اتفاقات لمنع الازدواج الضريبي، وكذلك دعم إنشاء مناطق صناعية وتجارية محلية.

تحدث بعد ذلك في المنتدي بول كاجامي رئيس رواندا والرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي وراما فوزا رئيس جنوب أفريقيا والرئيس المشارك لمبادرة الشراكة بين مجموعة العشرين وأفريقيا.

ثم تحدث ستيفان لا يبنينج رئيس اتحاد الأعمال الألماني الإفريقي الذي توقع مضاعفة الاستثمارات الألمانية في إفريقيا في العام المقبل.

وعقب ذلك.. تحدث الرؤساء الأفارقة المشاركون وتلا كل منهم رئيس الشركة الألمانية صاحبة التجربة في التعاون مع بلاده.

وألقي الرئيس السيسي كلمة موجزة أوضح فيها أن مصر كانت تعاني منذ 3 سنوات من مشكلة كبيرة في الكهرباء، ونجحنا خلال 30 شهراً في مضاعفة الطاقة الكهربائية بالتعاون مع شركة «سيمنس» وقال: إننا بصدد الدخول في برنامج لتطوير البنية التحتية للمحطات.

***
في المساء.. انعقدت جلسة القمة الرسمية للمشاركة بين مجموعة العشرين وأفريقيا، بمقر دار المستشارية الألمانية.

علي المائدة المستديرة للقمة.. جلست ميركل وحولها القادة الأفارقة المشاركون، والمستشار النمساوي سيباستيان كورتس الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي وجيم يونج كيم رئيس البنك الدولي وكريستيان لاجارد مدير عام صندوق النقد وأدنيسينا رئيس بنك التنمية الإفريقي.

تساءلت ميركل: لماذا إفريقيا مهمة بالنسبة لنا؟..

ثم أجابت علي نفسها قائلة: لأنها قارة غنية بمواردها وشبابها ولها تاريخ عريق وثقافات رائعة. وأعربت عن أملها في أن تستمر هذه المبادرة عندما تترأس اليابان مجموعة العشرين في العام المقبل.

ولفت الانتباه في كلمة ميركل أنها عندما أشارت إلي التعاون بين الصين وأفريقيا، أشادت بالنموذج الصيني الذي يطرح شراكات محددة وقالت إن الصين بلد ضخم وحقق شوطاً كبيراً من التنمية.

وطرح بول كاجامي رئيس الاتحاد الإفريقي 3 نقاط يتعين حسمها، وهي: الاسراع بتنفيذ المشروعات في قائمة الانتظار وضمان تمويلها، وانخراط مجموعة العشرين بشكل أكبر في هذه المبادرة، وايجاد آلية للتنسيق لكفالة الاستدامة وتجنب تقاطع الأنشطة.

ودعا المستشار النمساوي القادة الأفارقة إلي حضور منتدي التعاون الأفريقي الأوربي في العاصمة النمساوية ڤيينا مطلع ديسمبر المقبل.

بينما طرح رئيس البنك الدولي مشروعات التعاون بين البنك والدول الأفريقية، محذرا من تفاقم الفقر في إفريقيا خلال السنوات المقبلة، ما لم يتم تشجيع الاستثمار وتوليد فرص العمل.

ودعت كرستوفر هارد مدير عام صندوق النقد الدولي إلي ايجاد تيسيرات لخروج الأرباح الخاصة بالشركات المستثمرة في أفريقيا، وقالت أن هناك 143 مليون طفل أفريقي سيتمون سن 18 عاماً ولابد من جذب الاستثمار لكي يجدوا عملاً في بلادهم.

أما الرئيس عبدالفتاح السيسي فقد كانت كلمته مزجاً في الحديث عن مصر بوصفه قائداً لها، وعن أفريقيا انطلاقاً من رئاسته للاتحاد الأفريقي بعد 3 أشهر.

تناول الرئيس الاستراتيجية التنموية المصرية الشاملة في إطار رؤية مصر 2030 التي تستهدف أن تكون مصر ضمن أكبر 30 اقتصادا في العالم بحلول ذلك العام.

وقال إن مصر حريصة علي الالتزام بشمولية التعامل مع مشكلات القارة، مع التركيز علي قضية الهجرة غير الشرعية، ارتباطا باختيار الاتحاد الأفريقي لهذه القضية عنوانا له في العام المقبل. وشدد الرئيس علي ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة من منظور متكامل يراعي كافة أبعادها ويعالج جذور المشكلة الاقتصادية في دول المنبع ولا يرتكن فقط إلي الحلول الأمنية.

وفي أعقاب القمة.. تواصلت المشاورات بين القادة الأفارقة خلال مأدبة العشاء التي أقامتها لهم المستشارة ميركل بدار المستشارية.

***
بين منتدي الصباح والقمة المجمعة في المساء.. انعقد لقاء القمة المصرية الألمانية السابع بين السيسي وميركل في دار المستشارية.

ساعة وربع الساعة استغرقتها الجلسة الأولي للقمة قبيل انعقاد المؤتمر الصحفي المشترك للرئيس والمستشارة، الذي تلته جلسة مباحثات موسعة جرت علي مأدبة غداء، وامتد خلالها النقاش علي أطباق الدجاج علي الطريقة الألمانية وأطباق الحلوي من فطائر التفاح وكعك الشيكولاتة.

حضر القمة من الجانب المصري وزير الخارجية سامح شكري، واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة والدكتورة سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي واللواء محسن عبدالنبي مدير مكتب رئيس الجمهورية والسفير بدر عبدالعاطي سفير مصر في برلين والسفير بسام راضي المتحدث باسم رئاسة الجمهورية.

خلال المباحثات.. أشادت ميركل بالمستوي المتنامي للعلاقات الثنائية وما تشهده من تطورات إيجابية خلال الفترة الأخيرة وأكدت حرص بلادها علي  تطوير التعاون المشترك مع مصر.

وعبر الرئيس عن تطلعه لتعزيز التشاور والتنسيق المصري الألماني ودفع التعاون الثنائي علي أساس من الشراكة الرامية لتحقيق المصالح المتبادلة، خاصة في ظل تولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019، بالتزامن مع بدء عضوية ألمانيا غير الدائمة بمجلس الأمن.

في مجال التعاون المشترك..

تناولت المباحثات سبل تكثيف وتنويع التعاون في مجالات البنية التحتية والتعليم الفني والتدريب المهني وتعزيز التبادل التجاري بين البلدين وزيادة تدفق الاستثمارات الألمانية إلي مصر.

كما تناولت العبء الذي تتحمله مصر في مكافحة الإرهاب ووقف تدفق الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا.
أما في الملف الإقليمي..

فقد اتفق الرئيس والمستشارة علي ضرورة قيام المجتمع الدولي ببذل مزيد من الجهود لوضع حد للصراعات والأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط بما يحفظ مفهوم الدولة الوطنية ويحقق الاستقرار لشعوب المنطقة. وجري التشاور حول سبل دفع عملية السلام في الشرق الأوسط وصولا لتحقيق تسوية عادلة ودائمة تستند إلي القرارات والمرجعيات الدولية.

• • •
في ختام زيارة الأيام الأربعة التي قام بها إلي برلين، أنهي الرئيس السيسي مباحثاته الأفرو مصرية مع الألمان أمس بلقاءات ثلاثة في مقر إقامته بفندق أدلون مع هايكوماس وزير الخارجية وهورست زيهوفر وزير الداخلية وأندرياس شوير وزير النقل، تركزت علي سبل تعزيز التشاور الثنائي حول القضايا الإقليمية والدولية ودفع التعاون المشترك في مجال الأمن ومشروعات البنية الأساسية.

ويعود السيسي إلي القاهرة متوجاً سلسلة من اللقاءات مع قادة أكبر القوي الفاعلة في العالم خلال سبتمبر وأكتوبر، بدءا من الرئيس الصيني شي جين بينج في بكين والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نيويورك، ثم المستشار النمساوي سيباستيان كيرتس الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي بالقاهرة، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في برلين.

نجاحا بعد نجاح، تحققه الدبلوماسية المصرية التي رسمها الرئيس السيسي، في تعزيز مكانة مصر بين دول العالم كقوة إقليمية مركزية، وتشجيع التعاون بين مصر والقوي الاقتصادية الكبري من أجل المواطن المصري.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار