أجواء الكلمة الخامسة للسيسي.. ووقائع اللقاء المغلق مع ترامب

ورقة وقلم

ورقة وقلم

الرابعة والنصف عصر أمس الأول بتوقيت نيويورك.
خارج قاعة الطوابق الأربعة، التي تحتضن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، اصطف أعضاء الوفود العربية والأفريقية يهنئون الرئيس عبدالفتاح السيسي، قبيل مغادرته المبني الزجاجي للمنظمة الدولية في أعقاب إلقائه كلمته أمس الأول أمام الدورة الثالثة والسبعين للجمعية.
كان الوداع حاراً برغم أمطار غزيرة هطلت علي نيويورك قبلها بنحو 12 ساعة، ومازالت تسقط دون انقطاع بعدها بنحو 24 ساعة.
وخارج الحواجز الحديدية التي تعزل الجادة الأولي لنيويورك أمام مجمع مباني الأمم المتحدة المطلة علي النهر الشرقي »إيست ريڤر»‬، وقفت حشود من أبناء الجالية المصرية بنيويورك المقيمين بالولايات الأخري، يلوحون للرئيس داخل سيارته، ويهتفون »‬تحيا مصر»، تحت أمطار لم تفلح المظلات في حجبها عن إغراق ملابسهم بالمياه.
• • •
هذه هي المرة الخامسة التي أستمع فيها من داخل قاعة الجمعية العامة إلي كلمة الرئيس السيسي منذ إطلالته الأولي علي المجتمع الدولي من منصة الأمم المتحدة بعد 100 يوم من توليه منصبه في سبتمبر 2014.
وهذه المرة الخامسة أيضا التي أشاهد فيها الرئيس ومشهد توديعه بالمنظمة الدولية عقب إلقاء الكلمة.
مياه كثيرة جرت تحت جسور نهر النيل بين سبتمبر 2014، وسبتمبر 2018، تركت آثارها علي إطلالة الرئيس هذه المرة، ومحتوي كلمته وأسلوب صياغتها، ورسمت ملامح مشهد التهنئة والوداع عند أبواب المبني الزجاجي.
• • •
هذه المرة.. لم يجد الرئيس السيسي نفسه بحاجة إلي تقديم مصر الجديدة.
لم يكن بحاجة إلي الحديث عما جري في 30 يونيه، ولا عن النظام الذي أراد تغيير الهوية الوطنية فلفظه الشعب، ولا عن خطر الإرهاب الداهم الذي يهدد البلاد، ولا عن مشروعات تنمية تقام وسط تحديات صعبة.
لم يكن الرئيس السيسي يتحدث هذه المرة بصوت تغلب عليه العاطفة، ويملؤه حماس الموقف.
لم يتحدث بلسان رئيس دولة تنفض عن نفسها غبار العزلة، أو تنشد مساندة المجتمع الدولي لسياستها، أو تعلن رغبتها في العودة إلي مكانة فارقتها وإلي دور غاب عنها.
هذه المرة.. كان السيسي يتحدث بلسان دولة إقليمية كبري، تتكلم بلسان أمتها، وإقليمها، وقارتها، وتعلن تصوراتها لمجتمع دولي أكثر عدالة وإنصافا، وتقدم رؤيتها الخالصة لهموم وشواغل الناس في هذا العالم، من خلال مبادئ ثلاثة حددتها، وقضايا ثلاث سلطت عليها الأضواء.
صوت العقل كانت تفصح عنه نبرات حديث السيسي، التي بدا عليها الوضوح والتصميم، وهو يتكلم كقائد لمصر، وزعيم للأمة العربية، ورئيس لمجموعة الـ(77+الصين)، ورئيس مقبل للاتحاد الأفريقي، كبري التجمعات الإقليمية في العالم.
• • •
برغم أن كلمة الرئيس السيسي لم تستغرق سوي 15 دقيقة، إلا أنها كانت حافلة بالمعاني والمواقف والرؤي والتصورات.
حرص الرئيس علي مصارحة قادة الدول وأعضاء الوفود ومشاهدي كلمته في مختلف أرجاء العالم، بالخلل الذي يعتري أداء المنظمة الدولية والمصداقية التي تفتقدها فيها الشعوب العربية والأفريقية.
وحدد الرئيس 3 مبادئ ينبغي تجديد الالتزام بها..
أولها: الحفاظ علي الدولة الوطنية القائمة علي المواطنة والديمقراطية والمساواة انطلاقا من خبرة مصر الفريدة، مشيرا إلي أنه لا مخرج للأزمات في سوريا واليمن وليبيا إلي ذلك دون اللجوء إلي حلول جزئية تبتعد من المعالجات الشاملة.
وثانيها: الالتزام بحلول سلمية مستدامة للنزاعات الدولية داعيا إلي تسوية نهائية لنزاعات جنوب السودان وأفريقيا الوسطي ومالي، ومؤكدا علي ضرورة توفر الإرادة السياسية لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لانجاز تسوية نهائية تضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وشدد الرئيس علي أن يد العرب مازالت ممدودة بالسلام.
وثالثها: الالتزام بتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة كشرط ضروري لنظام عالمي مستقر.
أما القضايا الثلاث التي سلط عليها الرئيس أضواء كلمته، فتلخصت في تعزيز الشراكة بين الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، مؤكدا تطلع مصر إلي شراكة فعالة بين الاتحاد الأفريقي والمنظمة الدولية، كذلك استكمال العمل لايجاد إطار دولي شامل لمكافحة الإرهاب، وأحاط الرئيس في هذا الصدد قادة دول العالم بما حققته العملية الشاملة »‬سيناء -2018» في مجال مكافحة الإرهاب ودحره نهائيا.
وكانت القضية الثالثة هي حقوق الإنسان، وقدم الرئيس رؤية مصر الشاملة لحماية هذه الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، منوها بما حققته مصر استنادا لدستورها الذي يحمل حقوق الإنسان بأشمل معانيه ومفاهيمه.
مشهد جديد لاحظته هذا العام لتوديع الرئيس السيسي بعد القاء كلمته، يختلف عن مشاهد الوداع والتهنئة خلال السنوات الأربع الماضية.
هذا العام لم يكن المودعون هم أعضاء وفود المنظمات والهيئات الدولية من المصريين وأعضاء الوفود العربية المشاركة في الاجتماعات فحسب.
بل كان الملاحظ وجود عدد كبير من أعضاء الوفود الأفريقية الذين لمسوا أن الرئيس السيسي بكلمته قد باشر فعلا مسئوليته القيادية الإفريقية، من قبل أن يتولي رئاسة الاتحاد الأفريقي بثلاثة أشهر.
ويبدو أن دورة رئاسة السيسي الأفريقية ستكون محملة بالآمال والتطلعات الأفريقية، مثلما رئاسته المصرية محملة بآمال وأحلام وتطلعات كل المصريين.
• • •
كلمة الرئيس السيسي أمام الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة، جاءت غداة القمة الخامسة بين السيسي وترامب، في الطابق الخامس من مقر إقامة الرئيس في فندق »‬نيويورك بالاس».
في الخامسة والربع مساء الاثنين بدأت وقائع القمة وانتهت في السادسة والنصف، بزيادة 30 دقيقة عن الوقت المحدد لها، كما هي العادة في لقاءات السيسي وترامب.
علي مدي ساعة.. التقي الرئيسان في جلسة موسعة، حضرها من الجانب الأمريكي مايك بنس نائب الرئيس، ومايك بومبيو وزير الخارجية وجون بولتون مستشار الأمن القومي.
وحضرها من الجانب المصري سامح شكري وزير الخارجية وعمرو نصار وزير التجارة والصناعة واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة واللواء محسن عبدالنبي مدير مكتب الرئيس والسفير ياسر رضا سفير مصر بواشنطن والسفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية.
بعدها، غادر أعضاء الوفدين الاجتماع، ليقتصر علي الرئيسين وحدهما لمدة 15 دقيقة في جلسة مغلقة.
في هذه الجلسة.. تركز الحديث علي قضيتين رئيسيتين بجانب إشارات سريعة لموضوعات أخري.
القضية الأولي هي مكافحة الإرهاب ومطالب مصر لتعزيز دورها في هذا المجال.
والقضية الثانية هي مفاوضات السلام المأمولة بالشرق الأوسط والتسوية النهائية.
كان الرئيس السيسي هو المبادر بالحديث في الجلسة المغلقة، وعرض في هذا الصدد النجاح الذي حققته القوات المصرية في العملية »‬سيناء -2018»، وطرح المطالب في مجال تعزيز القدرات المصرية وتحقيق أعلي قدر من الكفاءة والفعالية لدحر الإرهاب نهائيا، بما فيها تفعيل التعاون الأمني.
واستمع الرئيس ترامب إلي حديث السيسي مؤكدا مساندة الولايات المتحدة الكاملة لمصر لدحر الإرهاب.
ثم تحدث الرئيس السيسي عن القضية الفلسطينية بكل الصراحة الواجبة. أكد الرئيس ضرورة أن تنتهي أي تسوية أو مفاوضات بحل نهائي، وأن يقوم هذا الحل علي قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وانطلاقا مما انتهت إليه المفاوضات قبل توقفها وعدم اهدار ما تحقق في هذا الشأن.
أعطي الرئيس رؤية لما ستكون عليه الأوضاع بالمنطقة وحياة شعوبها في حال التوصل إلي تسوية عادلة علي أساس الشرعية الدولية وحل الدولتين ونبه إلي مخاطر فقدان الأمل وانعدام أفق السلام.
وقال الرئيس إن مصر مستعدة لتلقي أي مقترحات بشأن خطة الإدارة الأمريكية للسلام عند تبلورها، لإبداء الرأي عليها قبل طرحها وإعلانها. وأكد استعداد مصر لبذل كل جهد لاستئناف التفاوض وصولاً إلي تسوية عادلة تحقق تطلعات المنطقة نحو السلام وتطلعات الشعب الفلسطيني لقيام دولته المستقلة.
استمع الرئيس ترامب بإنصات إلي كلام الرئيس السيسي وعبر عن أمله في التوصل إلي السلام وتصميمه علي بذل كل جهد مستطاع لتحقيقه.
• • •
حفلت القمة المصرية الأمريكية سواء في جلستها الموسعة أو اجتماعها المغلق بعبارات التقدير من جانب ترامب للرئيس السيسي، وللنجاحات الاقتصادية التي حققتها مصر خلال رئاسته، ولدور مصر في صدارة الدول التي تحارب الإرهاب، كما حفلت أيضا بعبارات التقدير والإعجاب من جانب الرئيس السيسي بالسياسات التي ينتهجها الرئيس ترامب والنجاحات التي حققها خلال رئاسته.
وبدا من خلال المودة التي سادت اللقاء عمق العلاقات الشخصية بين الرئيسين، وهو ما عبرت عنه تغريدة الرئيس ترامب ومن بعدها تغريدة الرئيس السيسي عن تشرف كل منهما بلقاء الآخر ونجاح المباحثات.
ولعل أبرز ما يعبر عن نجاح القمة الخامسة المصرية الأمريكية، وفقا لما قاله لي أعضاء الوفد المشارك في القمة، هو ما شدد عليه ترامب في ختام الجلسة الثنائية بأن الولايات المتحدة تقف بكل قوة خلف مصر وبجوارها وتساندها في كل جهودها لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية.
• • •
صباح أمس بتوقيت نيويورك، الرابعة عصراً بتوقيت القاهرة بدأ لقاء الرئيس ترامب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعصر أمس بتوقيت نيويورك، الليلة الماضية بتوقيت القاهرة، ينتظر أن يلتقي الرئيس السيسي مع نتنياهو.
وبرغم ضعف الآمال في حدوث اختراق علي الملف الفلسطيني، وهو ما عبر عنه جويتيريش السكرتير العام للأمم المتحدة في كلمته، مازال هناك بصيص أمل في تحريك الجمود وانتشال عملية السلام من حالة الموات السريري التي تعيشها منذ سنوات.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار