مصر والصين.. انطلاقة التاريخ الاحترام المتبادل والثقة عنوان علاقة قوية تجمع الزعيمين السيسي وبينج

نبض السطور

9/2/2018 7:49:27 PM  
393  
خالد ميري يكتب من بكين  

نبض السطور

ماذا تغير خلال ٦٣ سنة منذ القمة الأولي التي جمعت زعيمي الدولتين في باندونج؟
الحضارة العريقة تقود الدولتين علي طريق الحرير والمستقبل المشرق
الشرق الذي استنزفت ثرواته طويلاً عاد ليقود العالم من جديد


عبر السنوات الـ٦٣ الأخيرة شهدت العلاقات المصرية الصينية ١٧ قمة لزعماء الدولتين، بدأ أولها ابريل ١٩٥٥ بالقمة التي جمعت الزعيم الراحل جمال عبد الناصر برئيس مجلس الدولة الصيني شو ان لاي في باندونج بإندونيسيا، وكانت القمة الأخيرة أول أمس التي جمعت الزعيمين عبد الفتاح السيسي والصيني شي جين بينج.
الفارق كبير بين مصر والصين قبل ٦٣ سنة والبلدين الآن.. في زمن القمة الأولي كانت مصر قد تخلصت من الاحتلال الإنجليزي الذي جثم علي صدرها طويلا وانطلقت تقود حركات التحرر عربيا وأفريقيا وآسيويا وسط صعوبات اقتصادية ومؤامرات عالمية.. وكانت الصين خرجت تعاني الأمرين بعد سنوات احتلال والحرب العالمية الثانية، الآن مصر انطلقت علي طريق المستقبل بقوة اقتصاديا وسياسيا بعد أن تخلصت من عام الإخوان الأسود وحاصرت الإرهاب المجرم.. انطلقت تستعيد مكانتها عالميا وإقليميا مع زعيم لا يخشي إلا الله ويعرف كيف يقود بلده وسط أنواء عالمية ومتغيرات سريعة في كل المجالات.. والصين انطلقت علي طريق المستقبل بل وأصبحت تزاحم أمريكا علي زعامة العالم بقوة وثقة.
منذ وصول الرئيس السيسي إلي حكم مصر قبل ٤ سنوات حافظت مصر علي علاقات قوية وثيقة مع أمريكا وأوروبا.. لكن ذلك لم يكن أبدا علي حساب علاقاتها بالشرق وعلي رأسه الصين، السياسة المصرية تحررت من التبعية وبوصلتها تتحرك حيث مصالح مصر وشعبها بقوة وثقة ودون تردد، وخلال السنوات الأربع انعقدت ٦ قمم جمعت زعيمي مصر والصين.. الأولي في ديسمبر ٢٠١٤ بعد وصول السيسي للحكم بإرادة شعبية كاسحة، وبعدها زار بينج القاهرة في يناير ٢٠١٦، كما حرص علي دعوة زعيم مصر للمشاركة في ٤ قمم عالمية بالصين بمشاركة زعماء العالم.. بداية من احتفال الصين بعيد النصر والذكري السبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية عام ٢٠١٥ ومرورا بقمة العشرين عام ٢٠١٦ وقمة البريكس عام ٢٠١٧ وصولا إلي منتدي الصين - أفريقيا الذي بدأت فعالياته اليوم ببكين.
الصين حريصة علي علاقات قوية مع مصر وبينج يحترم الرئيس المصري كثيرا ويحرص علي علاقة احترام وثقة قوية تربط بينهما، ومصر حريصة علي تطوير علاقاتها بالصين والسيسي يبادل بينج نفس الاحترام والثقة، تعرف الصين أن مصر التي تضرب في جذور التاريخ لأكثر من سبعة آلاف سنة تستعيد قوتها وزعامتها لمنطقتنا الآن، وأنها يمكنها أن تكون مركزا تجاريا لها بالشرق الأوسط وأفريقيا، وتعرف مصر أن الصين دولة التاريخ الذي يمتد لآلاف السنين تنطلق بقوة وثقة لزعامة العالم وقيادته.. التاريخ الطويل والحضارة العريقة جمعت الدولتين وواقع الانطلاق والمستقبل المشرق يقود علاقاتهما علي طريق الحرير.
وعندما أطلقت الصين مبادرة الحزام والطريق عام ٢٠١٣ لإعادة إحياء طريق الحرير، ليصبح أهم ممر اقتصادي تجاري عالمي يربطها مع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، كانت مصر في قلب الطريق وقناة السويس أهم شرايينه ولهذا تعمقت العلاقات وتقاربت المسافات في علاقات يحكمها الاحترام والصداقة والمصالح المشتركة، والمبادرة التي انضم لها ٧٥ دولة و٣٥ منظمة دولية تهدف الصين منها لاستثمار ١٠ تريليونات دولار في ٥ سنوات لتصبح في مقدمة الاقتصاد العالمي.
ومنذ وصول الرئيس السيسي إلي الحكم تحولت علاقات البلدين إلي شراكة استراتيجية شاملة، واتفاقية الشراكة التي تم توقيعها ببكين في الزيارة الأولي للسيسي تحولت إلي واقع وصل بحجم التبادل التجاري إلي ١١ مليار دولار قبل عام مع زيادة مستمرة، وأصبحت الصين تنافس الإمارات علي المركز الأول للاستثمار داخل مصر.. حيث تعمل ١٣٤٥ شركة صينية بمصر وتوفر ٢٧ ألف فرصة عمل، في مشروعات الفايبر جلاس بالعين السخنة وتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية بأسوان ومنطقة الأبراج والمال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة وغيرها من المشروعات المهمة، كما تشهد علاقات البلدين تنسيقا سياسيا كبيرا في كل القضايا الدولية والحيوية وتدعم الصين مصر بشكل واضح في كل المحافل الدولية، وهناك تعاون أمني وعسكري لتتحول الاتفاقات بين البلدين من أوراق وأحبار إلي واقع يشهد بالتقدم المستمر علي طريق التعاون في كل المجالات.
وجاءت زيارة الرئيس السيسي الحالية إلي بكين وسط تفاؤل كبير بمستقبل أكثر إشراقا وتعاونا لعلاقات البلدين، فبلاد الحضارة تستعيد قوتها.. البلاد التي علمت العالم وقادته طويلا مازالت قادرة علي الفعل وعلي أن تستعيد زمام المبادرة وقوة القيادة، والتاريخ علمنا أنه يدور كالكرة الأرضيّة ومن يعاني سنوات الضعف يمكنه أن يستعيد زمن القوة طالما لديه الإرادة والعزيمة وهذا ما يحدث في مصر والصين.. الشرق الذي طالما عاني واستنزفت ثرواته قادر علي أن يستعيد مكانته وريادته وهذا ما يحدث.. وأثق أن حلقاته ستكتمل في وقت قريب وسنوات معدودة.
وبمجرد أن هبطت طائرة الرئيس السيسي في بكين بدأ العمل علي الفور، برغم الرحلة الطويلة من البحرين الشقيقة والتي تقارب ٩ ساعات.. هكذا تعودنا من الرئيس داخل وخارج مصر، الرجل يواصل العمل ليل نهار والهدف واحد استعادة مصر لمكانتها وتعويض سنوات التخلف التي استمرت طويلا.. والانطلاق بخطوات واسعة علي طريق بناء الدولة الحديثة وتحقيق القوة للدولة والرفاهية لشعبها.. وفي يوم وصول الرئيس أول أمس كانت القمة السادسة التي جمعته بالرئيس الصيني بينج في قاعة الشعب الكبري رمز التاريخ والقوة الصينية بقلب بكين، القمة استمرت بجلسة موسعة حضرها أيضا الوفد المصري، والذي ضم سامح شكري وزير الخارجية  ود. سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي والمهندس عمرو نصار وزير التجارة والصناعة واللواء مصطفي شريف رئيس ديوان رئاسة الجمهورية واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة واللواء محسن عبدالنبي مدير مكتب الرئيس والسفير بسام راضي المتحدث الرسمي وسفير مصر في الصين أسامة المجدوب وقد انضم للوفد الرسمي في بكين الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس ود. محمد شاكر وزير الكهرباء.. وعقب المباحثات التي شهدنا جانبا منها ورأينا كيف يقدر الرئيس الصيني زعيم مصر، حيث بدأ حديثه بتوجيه التهنئة لإعادة انتخابه مرة ثانية بإرادة شعبية كاسحة وبكلمات التقدير والثناء علي رئيس مصر ودولته العريقة، وبعدها تم توقيع ٥ اتفاقيات مهمة تؤكد حرص الصين علي المشاركة في كل مشروعات التنمية بمصر في السنوات القادمة وتحقيق مبادئ الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وفور انتهاء المباحثات أقام الرئيس الصيني مأدبة عشاء علي شرف رئيس مصر، ليستمر الحوار الودي وكلمات الثناء ويتأكد العزم علي تحسين العلاقات والانطلاق بها إلي الأمام بكل قوة.
وبالأمس واصل الرئيس في اليوم الثاني للزيارة نشاطه المكثف بداية من زيارة أكاديمية الحزب الشيوعي الصيني، معمل تفريخ القيادات بهذه الدولة الكبري.. ليتم توثيق روابط العلاقة بينها وبين الأكاديمية الوطنية لتأهيل وتدريب الشباب بمصر، وأكد الرئيس علي الشراكة الحضارية والتاريخية التي تربط البلدين.. والمؤكد أن زيارة الرئيس لهذا الصرح الأكاديمي الرفيع يؤكد علي أهمية الاستفادة من تجربة الصين في تأهيل وتدريب الشباب للقيادة وهو ما يؤكد حرص السيسي علي تأهيل شباب مصر وإعدادهم لقيادتها خاصة بعد الدفع بعدد منهم كنواب للمحافظين في الحركة التي جرت قبل أيام.
وبالأمس التقي الرئيس أيضا برئيس مجلس الدولة الصيني لي كيه تشيانج ليستكمل معه المحادثات حول كل أوجه التعاون الثنائي.. كما قام الرئيس بوضع إكليل من الزهور علي النصب التذكاري ببكين.
كما التقي الرئيس برؤساء كبري الشركات الصينية بحضور عدد كبير من رجال الأعمال المصريين لدفع العلاقات الاقتصادية إلي الأمام وبكل قوة ويشهد الرئيس السيسي التوقيع علي عدد من العقود مع شركات صينية لتنفيذ مشروعات تنموية مختلفة في مصر بقيمة استثمارية حوالي ١٨٫٣ مليار دولار.. ومن هذه المشروعات القطار الكهربي الذي سيربط العاصمة الإدارية الجديدة بالعلمين الجديدة والمرحلة الثانية لحي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية وقمر صناعي مصري جديد ومشروع توليد الكهرباء من الفحم النظيف وقرض ميسر بالعملة الصينية للبنك المركزي، وهو ما يؤكد ما قاله السيسي في بداية القمة بأن مصر تحرص علي دفع العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلي آفاق غير مسبوقة.
وبرغم أن أول يومين في الزيارة تم تخصيصهما للعلاقات الثنائية بين البلدين العريقين، إلا أن الرئيس السيسي عقد ٣ لقاءات مهمة مع قادة أفريقيا، وجاءت القمة مع رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي لتؤكد علي دعم العلاقات الاقتصادية والسياسية والتوصل إلي اتفاق بشأن سد النهضة لا يضر بأي طرف.. وجاء لقاء الرئيس السيسي بالرئيس السوداني عمر البشير لدفع العلاقات قدما بين البلدين لأفاق أرحب من التعاون في كل المجالات، بالإضافة إلي اللقاء الإيجابي برئيس الصومال محمد عبد الله فرماجو.. واليوم وغدا تتواصل الزيارة في منتدي الصين - أفريقيا - فوكاك - بحضور زعماء ٢٠ دولة أفريقية وعدد  من المسئولين من ٣٠ دولة أخري ورؤساء كبري المنظمات الدولية.. وقد وصل التبادل التجاري بين الصين ودول القارة إلي ١٧٠ مليار دولار ومصر هي الشريك الأفريقي الثالث للصين تجاريا، وتهدف القمة لتعزيز العلاقات الصينية الأفريقية ودفعها إلي الأمام، وخلال يومي القمة الأفريقية يعقد الرئيس السيسي جلسات مباحثات مهمة مع عدد كبير من قادة أفريقيا والمنظمات الدولية.
عندما تسير في شوارع بكين تتوقف طويلا أمام اتساع الشوارع وعظمة المباني والأبراج الشاهقة والمناظر الخضراء والورود في كل مكان.. تري الحاضر العظيم يعانق حضارة شامخة تركت آثارها في الشوارع والميادين، وتعرف لماذا كانت العلاقات المصرية الصينية القوية ضرورة، فمصر التاريخ العظيم تسير علي طريق الحداثة بخطوات واسعة كما فعلت الصين.. وهي علاقات كانت وستظل علاقات احترام وتقدير ومصالح مشتركة دون تبعية أو إملاءات.
من الصين تواصل مصر الانطلاق للمستقبل.. وقيادة دول قارتها علي طريق البناء والتعمير والتعاون لتحقيق مصالح الجميع.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار