8 ساعات داخل قاعة اجتماع القادة العرب

ورقة وقلم

4/16/2018 7:50:52 PM  
639  
بقلم:ياسر رزق  

ورقة وقلم

»قمة الظهران»‬ من »‬مفترق الطرق» إلي الإجماع علي القدس
 بعد كلمة الرئيس.. قالوا: هذا هو أوان السيسي

قبيل انعقاد الجلسة المغلقة لقمة الظهران، جمعتنا جلسة في الاستراحة مع مسئول عربي كبير له باع في شئون العلاقات الدولية، وكان الحديث بطبيعة الحال عن الأزمات العربية الملتهبة.
بدت نبرة لا تبعد كثيراً عن التفاؤل في حديث المسئول العربي المخضرم. قال: »‬نحن الآن في مرحلة نقاهة بعد 7 سنوات من مرض عضال ألمَّ بالأمة العربية. علينا أن نعترف بأننا لم نعد مرضي، وعلينا أن نقبل في ذات الوقت بشروط النقاهة».
ثم أضاف المسئول العربي: هذا هو أوان الرئيس السيسي، في الأمة العربية، مثلما هو في مصر. وأوضح قائلا: »‬الرئيس السيسي بحكم خبرته العسكرية يعلم أن الحروب لا تحل قضايا، وأنه بعد المعارك لابد من حوار علي طاولة المفاوضات، والرئيس يدرك قبل غيره أن الأزمات العربية لايمكن إيجاد حلول لها بالأداة العسكرية. إنما الحل في النهاية بالوسائل السياسية».
يعول المسئول العربي كثيراً علي دور مصر في المرحلة المقبلة، ويسأل: هل تعلمون لماذا؟.. ثم يجيب عن سؤاله قائلا: لأننا نعرف من دروس التاريخ أن مصر لا تنهزم، وإنما تنتصر في النهاية.
.. كلام المسئول العربي الكبير، جاء بعدما استمعنا معاً داخل القاعة الرئيسية لاجتماعات القمة العربية التاسعة والعشرين إلي كلمة الرئيس السيسي في الجلسة الافتتاحية، التي أثارت إعجاب الحضور، لفرط صراحتها وصلابة مواقفها، وقوة عباراتها، وأيضا باقتحامها لجوهر القضايا والأزمات العربية وسبل إيجاد حلول لها من داخل الأمة العربية، لا تفرض عليها من خارجها.
غير الكلمة الأهم في قمة الرياض التي ألقاها الرئيس السيسي، كان لمصر في دهاليز القاعة دور حيوي في إدخال تعديلات أساسية علي »‬إعلان الظهران»، بالأخص فيما يتعلق بالأزمة السورية.
ودون دخول في تفاصيل، فقد صححت تعديلات الصياغة دفة القرار الخاص بسوريا، بحيث لا يحمل إدانة دون دليل للنظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية في مدينة »‬الدوما» بالغوطة الشرقية وإنما يطالب بتحقيق دولي مستقل يتضمن تطبيق القانون الدولي علي كل من يثبت استخدامه السلاح الكيماوي. وفي ذات الوقت لا ينطوي القرار بعد التعديل علي أي إيحاء بتأييد الضربة العسكرية الغربية ضد سوريا، حتي ولو كان تأثيرها محدوداً، أو تحبيذ هذا الإجراء الذي يزيد الأزمة تعقيدا من وجهة نظر مصر ودول عربية أخري.
• • •
8 ساعات أمضيتها أمس الأول من الظهيرة وحتي الليل، في مجمع »‬إيثار» الثقافي، التحفة المعمارية حديثة البناء بمدينة الظهران علي مقربة من ساحل الخليج العربي، والذي استضاف فعاليات القمة العربية في دورتها التاسعة والعشرين التي يترأسها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.
كان لي حظ أن أحضر وقائع القمة وجلساتها - عدا الجلسة المغلقة - من داخل القاعة.
قبيل بدء الجلسة الافتتاحية، كانت مشاهد تلاقي القادة العرب ورؤساء الوفود وأعضائها، تبعث علي الارتياح والبهجة.
وبينما كان تمثيل الدول العربية علي أعلي المستويات ظهر في جانبي الطاولة البيضاوية التي جلس إليها القادة ومن خلفهم أعضاء الوفود، مقعد شاغر للقمة السادسة علي التوالي هو مقعد سوريا، ومقعد آخر معزول عن محيطه داخل القاعة جلس عليه مندوب قطر الدائم لدي الجامعة العربية.
بدا المشهد معبراً بدقة عن الأزمتين. الأزمة السورية بالغة التعقيد، والأزمة القطرية التي تجنبتها القمة لصغرها، بقدر صغر الممثل القطري في القمة الذي تجنبه الجميع.
• • •
شتان الفرق بين الساعات التي سبقت وصول القادة إلي قاعدة الملك عبدالعزيز بمدينة الظهران حيث انعقدت القمة، وبين ساعات التئام القمة، والأجواء التي أعقبت انتهاءها. الإحساس بالاستبشار الذي يسبق عادة انعقاد القمم العربية معبأ بآمال في التغلب علي أي خلافات والسعي لتوحيد الصف، كان يرطب أحاديث دبلوماسيين ومفكرين ورجال إعلام عرب، اجتمعوا علي غير اتفاق يتبادلون الرؤي، مع نسمات رطبة آتية من الخليج العربي الذي تطل عليه جلستهم الليلية في مدينة »‬الخبر» علي مقربة 20 كيلو متراً من »‬الظهران» عشية وصول القادة العرب للمشاركة في القمة.
مجمل الحوارات كانت ترجو للقمة المسماة »‬قمة مفترق الطرق»، أن تحدد طريقها نحو عمل عربي مشترك في إدارة الملفات الساخنة، وكانت التوقعات تذهب إلي ترجيح تنفيذ الضربة الغربية المحتملة ضد سوريا، برغم عدم وجود مسوغ لها من القانون الدولي، وبرغم أن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية لم ترسل محققيها للتيقن من هوية من شن الهجوم الكيماوي علي مدينة »‬الدوما»، في توقيت يعقب القمة العربية، ظنا بمواءمة أمريكية غربية لعدم إحراج مؤسسة القمة.
• • •
لكن الاستبشار تبدد، والتوقعات خابت، عند الفجر، بعد ورود أنباء العدوان.
عم شعور بالغضب، زاد من فورانه إعلان نبأ انطلاق بعض طائرات العدوان من قاعدة »‬العيديد» في قطر، ودارت التساؤلات عن أسباب المشاركة القطرية في مناورات »‬درع الخليج» التي تجري بمنطقة الجبيل علي ساحل الخليج العربي بالسعودية، بالتزامن مع انعقاد القمة العربية، ضمن 24 دولة عربية وغير عربية، بغرض التنسيق والردع في مواجهة أي تهديدات لأمن السعودية ودول الخليج العربية.
وكان مثار الاستغراب هو كيف تشارك قطر في مناورات عسكرية تعد أعلي أشكال التنسيق الاستراتيجي بين المشاركين فيها، بينما هي تضرب المصالح الاستراتيجية للأمة وللأشقاء وتتحالف مع القوي الإقليمية التي تعتدي علي الأرض العربية وتهدد أمن واستقرار الدول المجاورة لها.
وبغض النظر عن محدودية نطاق وتأثير العدوان الغربي، فقد اجتر في نفوس المراقبين والمتابعين للقمة، مرارات واقع عربي عمره من عمر الغزو العراقي للكويت وما تلاه من مآس.
فما زالت الأرض العربية مسرحاً لتصفية الخلافات الدولية، وساحة لحروب بالوكالة بين الولايات المتحدة وروسيا ينوب عنهما فيها لاعبون إقليميون كتركيا وإيران، ويبدو العرب ككرة يتقاذفها الجميع، يدفعون ثمن كل ما يجري علي أراضيهم من دمائهم وأموالهم ومقدرات شعوبهم.
وباتت الأرض العربية ميدان رماية لتجربة أحدث الأسلحة الغربية والشرقية، والمستفيد الوحيد هو شركات صناعة المقاتلات والذخائر والصواريخ الغربية، وشركات تصنيع منظومات الدفاع الجوي الروسية، وتباري الجانبان الأمريكي والروسي اللذان بدا واضحاً تفاهمهما وتنسيقهما المسبق علي نطاق الضربة وأهدافها، في الدفاع عن فاعلية أسلحة كل منهما. أمريكا تؤكد أن صواريخها أصابت أهدافها دونما تأثير عليها من الصواريخ المضادة روسية الصنع، وروسيا تشدد علي أن مضاداتها أسقطت عديدا من الألف صاروخ التي أطلقت علي الأهداف العسكرية السورية.
• • •
في تلك الأجواء التي خيمت عليها سحابات غبار القصف الثلاثي علي سوريا، ثارت مخاوف من أن تتمخض القمة عن ترد جديد في العلاقات العربية، سيما بعد اختلاف المواقف وتضارب البيانات العربية بشأن الضربة الغربية، وأن تتحول قمة »‬مفترق الطرق» إلي مفترق طرق حقيقي بين دول عربية.
لكن القمة أثبتت أن العلاقات العربية بلغت مرحلة النضج، وأن اختلاف الرؤي، لا يفسد للمصلحة العربية قضية. وأكدت أن حكمة القادة العرب بعد ما مر بالأمة من أزمات ونكبات، قادرة علي إدارة أي اختلافات في وجهات النظر واجتيازها نحو ما يجمع ولا يفرق.
كانت القضية الفلسطينية مجدداً هي الوشيجة التي جمعت كل الدول العربية بلا استثناء، وكانت قضية عروبة القدس وإدانة قرار إدارة ترامب بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس، هي ملتقي إجماع القادة العرب أيضا بدون استثناء.
وتحول شعار القمة في جلستها الافتتاحية بقرار من رئيسها خادم الحرمين من قمة »‬مفترق الطرق» إلي »‬قمة القدس»، وصاحب القرار، إعلان آخر عن تقديم 150 مليون دولار من السعودية لدعم الأوقاف الإسلامية بالقدس و50 مليون دولار لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين.
ومع القضية الفلسطينية.. امتد الإجماع العربي إلي قضية التهديد الإيراني للسعودية، متمثلاً في قيام ميليشيات الحوثيين باستهداف المدن السعودية ومنها مكة المكرمة بصواريخ أرض أرض في موجات متتابعة، ثبت لدي الجانب السعودي يقينا من فحص حطامها أنها إيرانية الصنع وأن عليها عبارات تدل علي منشئها مكتوبة باللغة الفارسية.
ومن اليمن إلي ليبيا، أكد العرب التزامهم بالحفاظ علي وحدة واستقلال البلدين وسلامة أراضيهما والعمل علي إيجاد حل سياسي للأزمتين.
أما بالنسبة لسوريا، فبرغم تباين البيانات التي أعقبت الضربة الغربية، كان الاتفاق العربي واضحا في الحرص علي وحدة الدولة السورية وحقن دماء الشعب السوري وإيجاد حل سياسي للأزمة يقوم علي استعادة الدول العربية زمام الموقف بعيدا عن اللاعبين الإقليميين.
• • •
برغم انتهاء أعمال قمة الظهران، مازالت كلمة الرئيس السيسي تتردد أصداؤها لدي الوفود ورجال الإعلام الذين اعتبروها أعادت وضع كثير من الأمور في نصابها.
مساء السبت الماضي، وصل الرئيس السيسي إلي الظهران علي رأس وفد رفيع المستوي ضم سامح شكري وزير الخارجية والدكتور مصطفي مدبولي وزير الإسكان واللواء عباس كامل القائم بأعمال رئيس المخابرات العامة والسفير بسام راضي المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية.
وكما هي العادة في المحافل العربية والدولية، التقي الرئيس السيسي بمقر إقامته مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وبعد ظهر الأحد.. كان الملك سلمان بن عبدالعزيز في استقبال الرئيس السيسي عند وصوله »‬مجمع إيثار» للمشاركة في أعمال القمة.. ودار حوار ودي بين الزعيمين.
وفي حوالي الثانية و20 دقيقة ظهرا بدأت وقائع الجلسة الافتتاحية.
كان الرئيس السيسي هو ثامن المتحدثين في الجلسة، بعد العاهل الأردني رئيس الدورة المنتهية والعاهل السعودي الذي تسلم رئاسة الدورة الجديدة، وأحمد أبوالغيط الأمين العام للجامعة العربية الذي قدم تقريراً أثار الإعجاب عن الأوضاع العربية، وأمين منظمة التعاون الإسلامي ورئيس المفوضية الأفريقية، وممثلة السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد.
كلمة الرئيس السيسي تضمنت توصيفاً دقيقا للأوضاع العربية، وروشتة للتعامل معها قوامها بناء استراتيجية فعالة وشاملة للأمن القومي العربي.
عرض الرئيس رؤية مصر للقضايا والأزمات العربية، كالقضية الفلسطينية وأزمات ليبيا واليمن وسوريا والحرب ضد الإرهاب والتهديدات الصاروخية ضد السعودية.
• • •
وكان أبرز ما ركز عليه الرئيس في كلمته:
- الدولة العربية تواجه لأول مرة منذ تأسيسها تهديداً وجودياً حقيقيا ومحاولات ممنهجة لإسقاط مؤسسة الدولة الوطنية لمصالح كيانات طائفية وتنظيمات إرهابية.
- هناك دولة إقليمية »‬تركيا» تحتل أراضي بدولتين شقيقتين، ودولة أخري »‬إيران» تبني مناطق نفوذ باستغلال قوي محلية تابعة لها داخل أكثر من دولة عربية، وهناك من الأشقاء »‬قطر» من تورط في التآمر مع هذه الأطراف الإقليمية في دعم وتمويل التنظيمات الطائفية والإرهابية.
- لن نسمح بأن تظل الدول الشقيقة مسارح لصراعات دولية وإقليمية تمزق شعوبها وتدمر مقدراتها، ومصر تجدد عهدها بأن تكون في القلب من كل جهد يهدف لإعادة الحياة إلي العمل العربي المشترك ومواجهة الأطماع الإقليمية الخارجية في منطقتنا.
- لا مجال لأن نستثني أي حلقة من حلقات السلسلة الإجرامية التي تشمل من يمول الإرهاب ويسلحه أو يوفر له الملاذ الآمن أو المنبر الإعلامي أو التبرير الفكري.
• • •
الرؤية الشاملة التي طرحها الرئيس السيسي كانت محور أحاديث أعضاء الوفود العربية علي مأدبة الغداء التي أعقبت الجلسة الافتتاحية، وموضع ثناء مسئولين عرب جمعتنا بهم لقاءات المصافحة بعد الغداء، وفي أعقاب الجلسة المغلقة التي تضمنت الاستماع إلي كلمات عدد من القادة العرب.
وقبيل انتهاء الجلسة الختامية، التي أعلن فيها الرئيس التونسي قايد السبسي عن استضافة بلاده القمة العربية المقبلة في العام القادم.. تمت تلاوة »‬إعلان الظهران» عن نتائج أعمال القمة، الذي كشف عن اتساع حجم التوافق العربي تجاه عديد من القضايا، علي رأسها القضية الفلسطينية وعروبة القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة المنشودة.
وكان من أهم ما حواه إعلان الظهران هو تبني طرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي قدمه أمام الجلسة الافتتاحية وسبق له أن عرضه أمام مجلس الأمن يوم 20 فبراير الماضي، والخاص بالدعوة إلي مؤتمر دولي للسلام هذا العام يقرر قبول دولة فلسطين كعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، والبدء في مفاوضات ذات جدول زمني محدد، تحوطها ضمانات بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية.
• • •
لا تساور أحداً أوهام في أن تسفر قمة عربية، أو جلسات يوم مكثف بين القادة العرب عن حل أزمات بعضها عمره سبع سنوات وبعضها عمره سبعون عاما.
لكن علي الأقل.. فقد نجحت قمة الظهران في رسم مسار نحو استعادة العمل العربي المشترك، بعد أن كادت الأمة تفارق أمراضا مميتة، وبدأت تباشر حالة نقاهة، لها كما ذكرت علي لسان المسئول العربي المخضرم، شروط ومتطلبات.




الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار