المعركة الحقيقية في انتخابات الرئاسة

ورقـــــــة وقــــــــــلــــــــم

ورقـــــــة وقــــــــــلــــــــم

من يتأمل في أجواء انتخابات الرئاسة، يجد مشاعر عدم رضا أو ارتياح عند بعض مؤيدي الرئيس عبدالفتاح السيسي وعند معارضيه علي السواء، برغم اختلاف أسباب وبواعث هذه المشاعر عند الجانبين.
• المؤيدون فريقان.

- أحدهما كان يفضل لو اقتصر الترشح علي الرئيس »السيسي« ما دام لا يوجد علي الساحة من يرقي إلي جدية منافسته، حتي لو صارت الانتخابات أشبه بالاستفتاء، ومنطقهم أن الرجل لا يقارن بغيره لقيادة البلاد في هذا الظرف الاستثنائي، وأن الأمثلة المشابهة عديدة في دول ديمقراطية عريقة أثناء الأزمات والحروب.
- والثاني كان يتمني لو اتسعت ساحة المنافسة عدداً وكيفاً، بحيث لا تقتصر علي منافس وحيد، تكاد تكون فرصه معدومة، بل إن الانتخابات حتي في ظل وجوده، أشبه بالاستفتاء.
ومنطق هؤلاء أن الرئيس السيسي يستحق أن يتسلم مدة رئاسته الثانية، بعد انتخابات تنافسية حقيقية، تقطع الطريق علي من يريد أن يشوه التجربة الديمقراطية في مصر، وتضيف إلي الرئيس السيسي مددا من قوة سياسية غير محدودة، يولدها إقبال أعداد هائلة من الناخبين علي صناديق الانتخاب كلما زادت التنافسية. غير أن هذا الفريق يعلم أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وأن العيب ليس في المرشح المنافس الوحيد وهو المهندس موسي مصطفي إنما فيمن يرون أنهم أقدر منه ومع ذلك أحجموا عن الترشح.
***
• المعارضون وغير المؤيدين هم أيضا فريقان.
- الفريق الأول وهو ينسجم في رؤيته مع أتباع جماعة الإخوان، كان يتمني لو خلت ساحة المنافسة تماما إلا من الرئيس السيسي، ليمكن انتحال منطق أن الرجل لا يطيق وجود منافسين، والادعاء أمام العالم بأن النظام أقصي كل من يرغب في الترشح، والترويج لمقاطعة التصويت ما دامت الانتخابات صورية، وبالتالي الانتقاص من شرعية الرئيس في مدته الثانية، والطعن المستمر فيها عبر مواقع التواصل وبعض وسائل الإعلام العالمية المتربصة أصلا بنظام ٣٠ يونيو.
- الفريق الثاني، وعلي النقيض، كان يتوق لترشح شخصيات بعينها أمام الرئيس السيسي، ليس بغرض الفوز، لأن هؤلاء يدركون - ربما أكثر من المؤيدين - أن فرص تلك الشخصيات هي والعدم سواء، إنما بهدف استباحة شخص الرئيس وتوجيه الإساءات إليه، تحت ستر أن تلك أمور متعارف عليها في المنافسات الانتخابية، ليباشر الرئيس مدته الثانية وهو مثخن بجراح طعن شخصي مؤلمة لكرامة من لا يري في المنصب جاها ولا مغنما.
كان الهدف أيضا هو استغلال أجواء الحملات الانتخابية لتصوير كل إنجاز علي أنه إخفاق، ليس من أجل تقديم بديل في برنامج، وإنما لبث الإحباط في نفوس الجماهير.
غير أن مراد هذا الفريق لم يتحقق لأن تلك الشخصيات التي أبدت رغبتها في خوض المنافسة، أحجمت عن الترشح لأسباب تتعلق في معظمها بعدم قدرتها علي تحصيل النصاب اللازم من الجماهير المؤيدة أو من أعضاء مجلس النواب. وأيضا لحسابات شخصية تخشي حتي في حالة تحقيق النصاب، من خروج الانتخابات بنتائج قد تجعلهم مثار سخرية في الشارع السياسي.
والملاحظ أن جانبا لا يستهان به من هذا الفريق يجاهر علنا بكراهيته للجيش ولرجاله، ومع ذلك كان كل مناه أن يخوض مرشح كان ينتمي للمؤسسة العسكرية الانتخابات في مواجهة الرئيس السيسي. وبواعثهم ليست حباً في المرشح بذاته أو أملاً في إمكان فوزه، إنما هي الرغبة في استغلال ترشحه لإطلاق مزاعم وأباطيل عبر منصات التواصل الاجتماعي تختلق سيناريوهات كاذبة عن المؤسسة العسكرية.
لكن حسابات المرشح المقصود، جعلته يوقن أن الانتخابات لو خاضها قد تسفر عن نتيجة، تخصم من تاريخ سياسي ورصيد حققه في انتخابات سابقة، فكان قراره هو الإحجام.
***
جانب كبير من مؤيدي الرئيس السيسي يتخوفون من سريان شعور- لدي الجماهير، في ظل منافسة تكاد تكون معدومة، يفضي إلي الاطمئنان بأن الرئيس فائز حتماً، ومن ثم لا داعي للنزول أو لا ضرورة للاحتشاد أمام اللجان.
ومعارضو الرئيس.. وبعضهم ممن تنشرح صدورهم المريضة لكل ما يؤذي الوطن، وأقصد بهم المنتمين للإخوان، يجاهدون بكل ما أوتوا من صفحات وحسابات علي مواقع التواصل وبرامج علي الفضائيات الإخوانية، للدعوة إلي مقاطعة الانتخابات، أو علي الأقل الحد من نزول الجماهير إلي الصناديق، ما دام السيسي سيكون الفائز في كل الأحوال.
وإذا كنت أدرك مرامي معارضي الرئيس، بالذات المنتمون للإخوان، وأتوقع فشلا ذريعا لدعوات المقاطعة، فإنني أتوقف أمام مخاوف مؤيدي الرئيس بالذات من النخبة من عدم نزول الجماهير بالحجم المأمول. فإذا كانت لديهم هذه المشاعر، فأين هو دورهم عبر مواقعهم السياسية أو النيابية أو الشعبية أو الفكرية أو الإعلامية في حث الجماهير علي المشاركة، وكشف أغراض الداعين إلي المقاطعة والمروجين لها؟!
وظني أن تلك المخاوف، رغم أنها مشروعة وتكشف عن نبل مقصد، تفصح عن نقص إيمان لدي النخبة بالجماهير المصرية، وإقلال من شأن وعيها الفطري بالمصلحة الوطنية.
***
أمامنا ٤ أسابيع لا غير قبل بدء الانتخابات الرئاسية، والتصويت كما هو معلوم سيتم داخل الجمهورية أيام ٢٦، ٢٧، ٢٨ مارس المقبل.
وأعلم أن معركة السيسي الحقيقية في هذه الانتخابات، هي نزول الناخبين بكثافة واحتشادهم أمام اللجان للتصويت بأعداد قياسية، أيا كان اتجاه تصويتهم، سواء له أو لمنافسه، أو حتي إبطال الصوت.
وأستطيع أن أراهن، ولدي أسبابي، علي أن الدافع للنزول، لن يكون هو المخاطر التي تحيق بالبلاد خارجياً أو التحديات التي تجابهها في الداخل، إنما هو المكتسبات التي تحققت لجماهير الشعب أو حققتها بسواعدها علي مدي ٤ سنوات صعبة، وبعضها كان من قبيل الأحلام عصية المنال، أو المستحيلات التي تخاصم الممكن وتعزف عنها حسابات الواقع.
أراهن من الآن، علي نزول الشباب الذين كانوا في أعمار تقل عن سن الانتخاب في الانتخابات الرئاسية الماضية، وبلغت أعدادها علي مدي السنوات الأربع الماضية قرابة ٥ ملايين ناخب، وأظن معظمهم حريصا علي المشاركة لأول مرة ونيل حقه في التصويت في أكبر الاستحقاقات الديمقراطية.
أراهن علي نزول الشباب العارقين الذين شقوا قناة السويس، وحفروا أنفاقها، وشيدوا -ومازالوا- المدن الجديدة شرق القناة، وفي العاصمة الإدارية، وصعيد مصر والعلمين وغيرها، وأنشأوا ٧ آلاف كيلو متر من الطرق، وأقاموا محطات الكهرباء والصرف الصحي.
أراهن علي الأسر الشابة التي تسلمت وتتسلم ٦٠٠ ألف شقة في إسكان الشباب، وعلي الأسر التي تغيرت حياتها من أبناء المناطق العشوائية الخطرة، وانتقلت وتنتقل بأعداد تقترب من مليون مواطن إلي مساكنها اللائقة المجهزة في أحيائها الجديدة.
رهاني علي الرجال والنساء والشباب الذين شفوا بفضل الله أولاً من وباء فيروس «سي»، وعلي نحو مليونين من المصريين البسطاء يحصلون علي معاش كرامة وتكافل، من ربات الأسر وكبار السن وذوي الإعاقة، وعلي أبناء القري الذين دخلت إلي منازلهم مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي بعد طول حرمان.
رهاني علي المرأة المصرية التي لم تنل تقديرها المستحق بقدر ما نالته في عصر السيسي، وعلي متحدي الإعاقة الذين نحتفل بعامهم في هذه السنة، وعلي أسر رجال الجيش والشرطة وآباء وأبناء وزوجات الشهداء والمصابين الذين يضعون الرجل في حبات قلوبهم.
رهاني علي أبناء شعب يفخرون بجيشهم الذي صار أقوي مما كان عليه في أي مرحلة من تاريخنا، بفضل خطة هادئة مدروسة وطموح، وضعها السيسي وأشرف علي تنفيذها، لتصبح قواتنا المسلحة قادرة ورادعة، تطهر الأرض من أعداء الحياة، وترهب أصحاب الأطماع في ثروات مصر ومصالحها الحيوية في إقليمها وخارجه.
رهاني علي كل فئات الشعب وطوائفه وطبقاته التي لا تنسي أين كنا قبل الثلاثين من يونيو، وكيف أصبحنا بعد سنوات الصبر والعمل والتضحية.
***
لست قلقاً علي نزول الجماهير المصرية في أيام التصويت الثلاثة، بل أظن إقبالها في اليوم الأول، سيكون مفاجئاً للكثيرين.
الناس نزلت بكثافة في الانتخابات الماضية وهي تتمسك بأهداب أمل وتطارد حلماً.
هذه المرة، أمسكت بالحلم، وتأبطت واقعاً جديداً، وتبصر ما هو أكثر. لذا الإقبال أوسع في تقديري.. والأيام مقبلة.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار