خواطر من داخل أنفاق وداع العزلة سيناء .. معركة التنمية والتطهير لردع الأطماع

ورقة وقلم

12/24/2017 7:48:59 PM  
2846  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

طرح مرسي.. وطبخة »بليرهاوس»‬.. ورد مبارك علي »‬بي.بي.سي».. وبيان ترامب

أرقب ابتسامة عريضة علي وجه الرئيس السيسي، وسعادة غامرة تقفز من وجوه الحضور، وهم يصفقون بحرارة لمشهد خروج ماكينة الحفر من النفق الثالث شمال الإسماعيلية في اتجاه الضفة الشرقية لقناة السويس في سيناء. تخفق قلوب الجميع، والمشهد ينطق: الآن.. انتهت عزلة سيناء إلي الأبد.
استقل سيارة مع بعض زملائي، في ركب سيارات، يتفقد بها الرئيس ومرافقوه النفق الأول الذي اكتمل حفره يوم 4 ديسمبر الحالي، ونجتاز النفق لمسافة نحو 5 كيلومترات، بعمق 70 متراً تحت سطح الأرض، و44 متراً أسفل قاع القناة، إلي الضفة الشرقية للقناة.
ثلاثة أنفاق اكتمل شقها، منها نفقان شمال الإسماعيلية كل منها في اتجاه، ونفق جنوب بورسعيد انتهي حفره يوم 14 ديسمبر الحالي، وتصل ماكينة الحفر إلي الطرف الآخر من النفق الرابع ببورسعيد في الأسبوع الأول من يناير المقبل.
زمن قياسي غير مسبوق، استغرقته أعمال الحفر التي بدأت في يونيو 2016 شمال الإسماعيلية بعد اكتمال وصول ماكينات الحفر، وفي أغسطس من نفس العام جنوب بورسعيد.
ملحمة عمل مصرية رائعة للشركات المصرية و10 آلاف من المهندسين والفنيين والعمال المصريين بإشراف رجال الهيئة الهندسية شهدتها الضفتان الشرقية والغربية للقناة لينتهي حفر الانفاق في أقل من 18 شهراً.
بحلول 30 يونيو المقبل، ستعبر السيارات الأنفاق الأربعة جيئة وذهابا من الوادي إلي سيناء.
ومعها نفق الشهيد أحمد حمدي شمال السويس وكوبري السلام العملاق بالقنطرة وكوبري الفردان للسكك الحديدية شمال الإسماعيلية.
10 دقائق فقط سوف تستغرقها رحلة سيارات الركوب والنقل بين سيناء والوادي، بدلاً من 5 أيام كانت تبيتها السيارات أمام المعديات، في طوابير الانتظار الطويلة للعبور.
•  •  •
ألحظ وسط حضور الافتتاح المهندس محمد عزت عادل رئيس هيئة قناة السويس الأسبق وأحد أبطال ملحمة تأميم القناة منذ أكثر من ستين عاماً.
أذكر أن أول حوار صحفي أجريته مع مسئول، كان مع المهندس عزت عادل قبل 30 عاماً مضت. يومها قال لي أن مشروع المستقبل هو ازدواج قناة السويس. وأضاف قائلاً: لا أظن أننا سنري المشروع، ربما يراه أولادك.
الحمد لله.. تحقق المشروع، ورأيته بعيني ورآه المهندس عزت عادل، والفضل للرئيس السيسي.
الآن يمتد نفقا الإسماعيلية أسفل القناتين، وعند مخرج الأول ومدخل الثاني في الضفة الشرقية للقناة علي أرض سيناء، تعلو مباني وعمارات مدينة الإسماعيلية الجديدة، التي كانت حلماً بعيد المنال، وأصبح واقعاً تشهد عليه 52 ألف وحدة سكنية تم إنشاؤها بالفعل، جاهزة لسكني ربع مليون مصري، ومعها المدارس والمستشفيات والفنادق والأندية ودور العبادة، بحلول 30 يونيو المقبل.
•  •  •
قناة السويس منذ أنشئت قبل 150 عاماً، فصلت سيناء عن الوادي جغرافياً، وعزلتها عنه إلي درجة أن دخول المصريين إلي أرضهم في سيناء كان يتم بتصريح مسبق.
حول القناة وفي سيناء، جرت كل حروب مصر، مع الاحتلال البريطاني، ومع جيش العدوان الإسرائيلي.
كانت قناة السويس مطمعاً، مثلما ظلت سيناء.
الذي انجزه وينجزه الرئيس السيسي، بدءاً من إنشاء مشروع ازدواج القناة، ومشروع تنمية إقليم القناة الذي يتضمن سلسلة من المناطق الصناعية واللوجيستية، ومشروع أنفاق القناة الأربعة، ثم المشروع الجديد لتخطيط سيناء وتنميتها، هو أكبر حصن للدفاع عن سيناء، قبل الحاجة إلي سيف القوة.
الأمن القومي في أبسط وأشمل تعريفاته هو التنمية.
وحماية أمن سيناء وإقليم القناة يبدأ بالتنمية، كضرورة دفاع، مثلما هي ضرورة تقدم.
سمعنا الرئيس السيسي أول أمس يتحدث عن مشروع تخطيط عمراني متكامل يتكلف 100 مليار جنيه في غضون 3 أعوام، كلف به الدكتور مصطفي مدبولي وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية واللواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.
منذ أسابيع معدودة، التقي الرئيس بالرجلين، وكلفهما بوضع تصور لهذا المشروع الذي يشمل سيناء كلها. باكورة هذا المشروع هو إنشاء مدينة حضارية متطورة جديدة في بئر العبد بها ميناء للصيد ومزارع سمكية وصناعات قائمة علي هذا النشاط.
مع مطلع العام الجديد، يتلقي الرئيس التصور المبدئي لهذا المشروع العملاق، الذي يستهدف تنمية زراعية وصناعية وسياحية، وإنشاء مجتمعات عمرانية تستوعب مليوني مصري علي هذه البقعة الغالية من أرض مصر.
•  •  •
خبر سار آخر سنسمعه ربما قبل إعلان عن هذا التصور، هو عملية عسكرية كاسحة لاقتلاع بؤر الإرهاب من سيناء.
هذه العملية ليست سراً علي المصريين.
منذ أيام.. شاهدنا الرئيس السيسي يكلف الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة بتطهير سيناء من الإرهاب بكل ما أوتي الجيش المصري من قوة، خلال 3 أشهر لا غير.. وشاهدنا رئيس الأركان يعظم له بتنفيذ الأمر.
وأمس الأول.. شاهدنا الرئيس السيسي وسمعناه يقول إن القوات المسلحة ستقوم بكل عنف بوضع حد للإرهاب، ورأينا الفريق أول صدقي صبحي القائد العام للقوات المسلحة، يؤكد علي تنفيذ أمر القائد الأعلي.
قال الرئيس إن سيناء أرضنا، التي نموت فداها، ولا يمس ترابها أحد.
ثم نظر إلي الفريق أول صدقي، وقال وهو يلمح إلي حادث الطائرة الهليكوبتر في مطار العريش: كلنا في القوات المسلحة وأنا أولهم مستعدون للتضحية في سبيل ألا تمس مصر أو أرضها أو شعبها.
•  •  •
يطمئن الرئيس السيسي المصريين علي بلدهم وعلي أرضهم في سيناء وهو يقول: لا تخشوا من أي تهديد خارجي، وطالما أنتم علي قلب رجل  واحد نستطيع أن نجابه ونتحدي.
لعل في مخيلة الرئيس وهو يتحدث، مخاوف المصريين من تسريبات ادعت أن الرئيس الأسبق حسني مبارك أبدي استعداده لتوطين فلسطينيين في سيناء عام 1983، ومن تصريحات للرئيس التركي واكبتها تقول إن مقاتلي الرقة من الدواعش تم نقلهم إلي سيناء، ومن تقارير إعلامية أذيعت في الفترة الأخيرة تربط قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، بمسعي إسرائيلي لإنهاء القضية الفلسطينية علي حساب جزء من سيناء.
هذه المخاوف لها ظلال من حقائق.
إسرائيل حتي الآن لم ترسم حدودها مع الدول العربية باستثناء مصر. مازالت تحتل الأرض العربية في الجولان وشبعا والضفة الغربية والقدس. العلم الإسرائيلي لا يخفي أطماع الصهاينة، حيث يضع نجمة داود بين شريطين لونهما أزرق أي من النيل إلي الفرات، طبقا للأسطورة التوراتية.
لم يصدق المصريون تسريبات »‬بي.بي.سي» عن وثائق حكومية بريطانية زعمت أن مبارك لم يمانع في لقاء مع رئيسة الوزراء مارجريت تاتشر في توطين فلسطينيين مقيمين بلبنان في مصر أثناء حرب لبنان عام 1982، في إطار تسوية للقضية الفلسطينية.
وخرج مبارك عن صمته لينفي تماماً هذه المزاعم، مؤكدا أنه تجاهل كل المحاولات والمساعي المتلاحقة لتوطين فلسطينيين في مصر، أو مجرد التفكير فيه.
بل حينما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عام 2010، أي قبل الإطاحة بمبارك بأقل من عام، فتح موضوع توطين فلسطينيين علي أرض سيناء، مقابل حصول مصر علي مساحة بديلة في النقب في إطار تبادل للأراضي، أشار مبارك بيده إلي نتنياهو مؤكدا عدم استعداده لمجرد الاستماع إلي أي أطروحات من هذا النوع.
•  •  •
كلمة »‬تبادل الأراضي»، سمعتها في اجتماع حضرته بقصر »‬بليرهاوس» بواشنطن، ضم أعضاء لجنة مبادرة السلام العربية برئاسة رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وشارك جوبايدن نائب الرئيس الأمريكي في جانب من هذا الاجتماع.
كان ذلك في نهاية إبريل 2013، أي قبل شهرين من ثورة يناير، وكنت أرافق وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو في هذا الاجتماع.
سمعت بأذنيّ، حمد بن جاسم يعلن قبول العرب تبادل أراض مع إسرائيل في إطار مبادرة السلام العربية.
وسألت مسئولاً عربياً كبيراً يومها عما إذا كان تم تغيير مبادرة السلام العربية لتنص علي تبادل أراض، بدلاً من التأكيد علي انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، فنفي بشدة، وقال إن هذه هي أفكار حمد بن جاسم، ولم تطرح للنقاش عربياً.
وأيقنت أن هناك أمراً ما أوكل أمريكياً وإسرائيلياً إلي قطر، لترويجه وبيعه عربياً.
•  •  •
ما رفضه مبارك، وما كان يلمح إليه حمد بن جاسم، قبله محمد مرسي وكان يسعي بكل جهده إلي تحقيقه.
في نهاية نوفمبر ٢٠١٤.. التقيت الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع أسرة تحرير جريدة »‬الأخبار» في قصر الأندلس بالقاهرة.
في هذا الحوار كشف الرئيس أبو مازن - وهو حي يرزق - أن مرسي عرض عليه عام ٢٠١٢، أن يمنح غزة ١٦٠٠ كيلو متر مربع من سيناء، في مقابل سيطرة إسرائيل علي مساحات ضخمة من الضفة الغربية.
وقال أبومازن أن ما طرحه مرسي هو جزء من مشروع أعدته إسرائيل ويعرف باسم »‬وثيقة جيورا آيلاند» وهو جنرال احتياط إسرائيلي يعمل في مركز بيجين - السادات للدراسات الإستراتيجية ويقوم المشروع علي تبادل للأراضي، بحيث تحصل فلسطين علي هذه المساحة من سيناء تضاف إلي غزة، في مقابل حصول إسرائيل علي أراضي المستوطنات في الضفة، وحصول مصر علي أراض صحراوية في النقب، في مقابل مساحة ١٦٠٠ كيلو متر مربع من سيناء يمتد ضلعها الشمالي من رفح إلي شرق العريش.
وقال لي أبومازن بالحرف: إنه روع مما طرحه مرسي، ورد عليه قائلا: ان مجرد طرح الفكرة سينسف العلاقة بين الفلسطينيين والمصريين، فنحن لا نريد سوي أرضنا، والمصريون لن يقبلوا بالتفريط في ذرة تراب من أرضهم.
وكان تعقيب مرسي علي كلام أبومازن بكلمة واحدة هي: وانت مالك؟!
•  •  •
كان مرسي وإخوانه يروجون لسلام إسرائيلي، يقوم علي التفريط في أراضي سيناء، ولعل هذا -في ظني علي الأقل - هو سبب بركان الغضب الأمريكي علي ثورة 30 يونيو، التي أفسدت طبخة أمريكية إسرائيلية يقدمها الإخوان علي مائدة التسوية السلمية. ولا أستبعد أن يكون موقف الرئيس الأمريكي السابق الداعي إلي خروج مبارك من منصبه بقوله: »‬الآن.. تعني الآن»، يرجع في أحد أسبابه إلي رفض مبارك ما حاول نتنياهو طرحه من تبادل  للأراضي.
ولست أشك في أن استقدام الإخوان، لشذاذ الآفاق من جماعات الإرهاب والتطرف إلي سيناء، كان إحدي حلقات تنفيذ خطة الوطن الفلسطيني البديل.
ولست أشك أيضا في أن إشعال الإرهاب بسيناء بعد ثورة 30 يونيو، وتزويد جماعاته بالمال والسلاح، لاستنزاف الجيش المصري وإنهاكه، ثم أخيراً بعد تصفية الجانب الأكبر من بؤر الإرهابيين، نقل العائدين من داعش سوريا والعراق إلي ليبيا، توطئة لتسللهم إلي مصر، هو جزء من هجوم مضاد لاستكمال تنفيذ الخطة سابقة التنفيذ، التي عطلتها ثورة يونيو.
•  •  •
في هذا السياق بمجمله، لابد أن نضع رؤية القيادة المصرية، التي تحمي سيناء بدرع التنمية ممثلا في الأنفاق ومشروع إقليم القناة، والمشروع القومي الجديد لتعمير سيناء، وتطهر أرضها بسيف القوات المسلحة في عملية التطهير الشاملة، وتردع أي أطماع في ترابها، بامتلاك جيش قوي قادر علي الدفاع والردع والرد.
ولنتذكر دوما كلمة الرئيس السيسي، لا نخشي أي تهديد مادمنا علي قلب رجل واحد.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار