مصر وروسيا.. صداقة لا تعرف الأجندات الخفية

ورقة وقلم

12/16/2017 7:20:44 PM  
2457  
ياسر رزق  

ورقة وقلم

الروس أقرب إلي لاعبي الشطرنج.
يفكرون ملياً قبل أي حركة. وحينما يقدمون، لا يتراجعون، فلا مجال عندهم لعودة إلي الوراء.
ربما يراهم البعض من فرط التدبر مترددين، لكن طبيعتهم أن يحسبوا خطواتهم، وأن يتحسبوا لما بعدها. لذا رهاناتهم ليست خيار مقامرة أو نزعة مغامرة، إنما هي نتاج قراءة متأنية لمشهد ورصد دقيق لرقعة لعبة الأمم. وغالباً ما لا يخيب لهم رهان.
شيء من هذا رسم مسار العلاقات المصرية الروسية علي مدار ٤٦ شهراً مضت منذ أول لقاء جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالمشير عبدالفتاح السيسي في منتصف فبراير عام ٢٠١٤ حينما كان قائداً عاماً للقوات المسلحة، وحتي لقائهما الثامن بالقاهرة الأسبوع الماضي، وما جري فيه من توقيع علي اتفاق إنشاء المحطة النووية بالضبعة، الذي نحسبه مشروع القرن المصري، وما أعقبه من توقيع علي بروتوكول استئناف الرحلات الجوية بين روسيا ومصر بعد طول انتظار.
• • •
علي مدار ٦٥ عاماً من علاقات الصداقة المصرية السوفيتية ثم الروسية، شابت تلك العلاقات بعض جفوات في عهد الرئيس عبدالناصر، ثم اعترتها هزة عنيفة في عهد الرئيس السادات، ثم استقرت مع برودة جمود في عهد الرئيس مبارك، غير أنها لم تشهد مثلما شهدت في عهد الرئيس الإخواني محمد مرسي من تردٍ بل وهوان تجسد في زيارة مرسي الكارثية إلي سوتشي في روسيا قبيل ثورة يونيو بشهرين ونصف الشهر، وما أحاط بها من عدم ترحاب برئيس ينتمي إلي جماعة تصنفها روسيا كمنظمة إرهابية، وبنظام يقتاد مصر خارج سياق تاريخها ويقتلعها من اعتبارات جغرافيتها. وكان مطلب مرسي الرئيسي خلال الزيارة رفع جماعة الإخوان من القائمة الروسية للمنظمات الإرهابية.
وقتها.. نُقل عن بوتين قوله عن مرسي: »إنه نوعية من الرؤساء الذين لا يعمرون طويلاً!»‬.
تابعت القيادة الروسية باهتمام بالغ مقدمات ثورة ٣٠ يونيو، ومجرياتها، وبيان ٣ يوليو، الذي عقب بوتين عليه قائلاً: »‬إن هذا الرجل أنقذ بلاده التي كانت علي شفير حرب أهلية».
علي البعد.. كان الرئيس الروسي يرقب تطورات الأوضاع في مصر، خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة يونيو، وجري الترتيب لاجتماع (٢+٢) بين وزراء الدفاع والخارجية في البلدين يعقد في موسكو يومي ١٢ و١٣ فبراير ٢٠١٤.
في تلك الزيارة.. التقي بوتين لأول مرة بالمشير السيسي وتم تدشين برنامج جديد للتعاون العسكري بين البلدين يتسع في مجالاته من التدريبات المشتركة إلي التسليح، وكانت طلبات القائد العام المصري مجابة.
وتعبيراً عن تقديره للسيسي، أهداه بوتين سترة عسكرية مزينة بالنجمة الكبري الحمراء، أي برتبة الماريشال.
ثم قال له: »‬أعرف أنكم اتخذتم قراركم بالترشح لرئاسة مصر. إنه قرار مسئول أن تحملوا علي عاتقكم مصير الشعب المصري».
• • •
بعد ٦٥ يوماً من انتخابه رئيساً لمصر.. زار الرئيس السيسي روسيا. للمفارقة كانت الزيارة لمنتجع سوتشي الذي شهد قبلها بعام وأربعة أشهر زيارة مرسي الكارثية.
طوال ١٢ ساعة لم يفارق بوتين ضيفه الرئيس السيسي. دامت المباحثات من الصباح إلي الليل، في القرية الأوليمبية، وعلي طائرة هليكوبتر، وفي المقر الرئاسي بسوتشي، وعلي الفرقاطة موسكو، ثم علي عشاء خاص منفرد جمع الرجلين بدون مترجم.
في جلسة المباحثات الموسعة التي تمت بحضور أعضاء الوفدين، جري وضع مشروعات التعاون المصري الروسي المستقبلية وفق جداول زمنية محددة. كانت تعليمات بوتين أن يستقبل الرئيس السيسي بحفاوة لم يسبق أن قوبل بها أي رئيس زار روسيا. بدءاً من استقبال طائرته عند دخولها الأجواء الروسية بسرب من مقاتلات السوخوي ترحيباً بزيارته.
قرر الرئيس الروسي إهداء مصر لنش صواريخ طراز »‬مولينا»، وأن يكون اللنش إحدي القطع البحرية التي ستبحر في قناة السويس الجديدة عند افتتاحها.
وفي ختام الزيارة.. قال بوتين للسيسي وهو يشد علي يديه: »‬نحن معك.. ندعم كل خطواتك.. كنت أعرف، بل كنت متأكداً أنك ستفوز في انتخابات الرئاسة.. إنني أعلم أن شعبك يعلق عليك الأمل، وأنت كما سمعتك وعرفتك علي قدر هذا الأمل».
• • •
اللقاء الثالث بين الرجلين، كان في القاهرة في فبراير عام ٢٠١٥. ومثلما قوبل السيسي بحفاوة غير مسبوقة في روسيا، كان استقبال بوتين غير مسبوق لأي رئيس زار مصر.
كانت الرؤي خلال المباحثات متوافقة علي القضايا الإقليمية، وكان الاتفاق تاماً علي فتح آفاق أرحب للتعاون الثنائي في إنشاء منطقة صناعية روسية في مصر، وتوقيع بروتوكول مبدئي لإنشاء محطة نووية بالضبعة لتوليد الكهرباء والإسراع في إقامة منطقة للتجارة الحرة بين مصر والاتحاد الجمركي الأوراسي الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان.
وفي أعلي بقعة بالقاهرة، في المطعم الزجاجي ببرج الجزيرة، جرت مباحثات منفردة علي العشاء بين الرئيسين زادت من علاقتهما الشخصية توطيداً وإعجاباً متبادلاً.
كان بوتين يري في السيسي نفسه حينما تولي رئاسة روسيا بعدما شارفت علي الانهيار، وكان السيسي يري في بوتين نموذجاً لقائد استطاع أن ينتشل بلاده من مصير مظلم وأن يعيدها إلي مكانتها كقوة عظمي.
• • •
تعاقبت لقاءات الرئيسين السيسي وبوتين.. بموسكو في مايو ٢٠١٥ خلال احتفالات روسيا بالذكري السبعين لانتصارها في الحرب العالمية الثانية، وفي أغسطس من نفس العام في زيارة رسمية للرئيس السيسي، ثم في سبتمبر ٢٠١٦ خلال قمة العشرين التي جرت بمدينة هانغجو الصينية، ويومها قال بوتين للسيسي: »‬تعلمون ما أكنه لكم من تقدير واحترام شخصي، وإنني حريص علي علاقات الصداقة الشخصية التي تجمعنا، مثلما أحرص علي استمرار علاقات الشراكة الخاصة التي تربط روسيا بمصر، وأعمل علي دعمها وتقويتها».
وكان اللقاء السابع بين الرئيسين، في الصين أيضا، خلال مشاركتهما في قمة دول »‬البريكس» بمدينة »‬شيامن» منذ ثلاثة أشهر.
في ذلك اللقاء الذي أعقبته مشاورات بين الرئيسين علي مأدبة العشاء التي جمعت قادة دول »‬البريكس»، وجه الرئيس السيسي الدعوة لزيارة مصر لحضور التوقيع علي اتفاق إنشاء المحطة النووية بالضبعة، الذي كانت ملامحه النهائية يومها علي وشك الاكتمال، ورحب بوتين بالدعوة وقال إنه مهتم بزيارة مصر والمشاركة في هذه المناسبة الكبري.
• • •
يوم الإثنين الماضي، جاء الرئيس بوتين إلي القاهرة في زيارته الثانية إلي مصر، وجري اللقاء الثامن بين الرئيسين.
كان بوتين حريصاً علي أن يأتي خصيصاً إلي مصر لحضور توقيع اتفاق إنشاء المحطة النووية بالضبعة بالتعاون بين البلدين، من أكثر من زاوية.
أولاً: أن مشروع المحطة النووية هو تجسيد للتعاون الاستراتيجي المصري الروسي في هذا العهد الجديد من العلاقات بين البلدين، مثلما كان السد العالي نموذجا علي هذا التعاون في الستينيات في عهد الرئيسين عبدالناصر وخروشوف.
وثانياً: أنه يعلم أن إقدام الرئيس السيسي علي توقيع هذا الاتفاق، يؤكد بالفعل والعمل حرصه علي استقلال القرار الوطني المصري، الذي يشدد عليه السيسي في كل تصريحاته ومواقفه.
وثالثاً: أنه يقدر في الرئيس السيسي حرصه علي مصلحة بلاده، الذي تجسد في متابعته لكل تفصيلة في الاتفاق، وإشرافه شخصياً علي المفاوضات ليتم المشروع بأفضل شروط مالية وتسهيلات في السداد، وبأسرع زمن ممكن، وقبل كل ذلك، بأحدث تقنية وأعلي معدلات أمان مع نقل التكنولوجيا والخبرة الروسية في هذا المجال الحيوي للكوادر المصرية.
ووفقا للاتفاق، ستبدأ إنشاءات المحطة النووية، بعد الانتهاء من التصميمات الهندسية والفنية ومراجعتها بمعرفة الجهات المختصة المصرية، ومن المفترض أن تبدأ المحطة النووية بمفاعلاتها الأربعة وقدرتها الإجمالية ٤٨٠٠ ميجاوات في التشغيل التجاري خلال العام المالي (٢٠٢٦/٢٠٢٧)، ولن تبدأ مصر في سداد أقساط القرض إلا بعد فترة سماح ١٣ عاما، ليتم السداد بعدها علي مدي ٢٢ عاما، بفائدة في حدود ٣٪ من عائد بيع الكهرباء التي ستنتجها المحطة. ومن المقرر أن يزداد المكون المحلي المصري في مفاعلات المحطة من ٢٠٪ في المفاعل الأول، ليصل تدريجيا إلي ٣٥٪ في المفاعل الرابع.
وتعد فترة الثماني سنوات التي سيتم خلالها إنشاء المحطة وتصنيع مفاعلاتها وتركيبها وتشغيلها، زمناً قياسياً عالمياً غير مسبوق.
• • •
مشروع القرن المصري، الذي يعد محطة فارقة في التعاون بين مصر وروسيا، هو واحد من الإنجازات التي لا يدرك حق قدرها إلا الأجيال المقبلة، ولا ينصفها في مقدارها إلا المستقبل، تماماً مثل مشروع السد العالي الذي جوبه منذ أول ضربة فأس في صخور أسوان، وحتي بعد مرور عشر سنوات علي افتتاحه، بانتقادات جاهلة أو قاصرة، بل ومغرضة، باطنها هو الرغبة في حرمان مصر من النهوض والتنمية الاقتصادية والعلمية.
• • •
زيارة الساعات الأربع، التي قام بها الرئيس بوتين للقاهرة يوم الإثنين الماضي لم تقتصر علي حضور توقيع الاتفاق التاريخي لإنشاء مشروع القرن في مصر.
مباحثات القمة بين الرئيسين في قصر الاتحادية، كانت حافلة بدفعات أخري للتعاون بين البلدين، الذي شهد في الشهور التسعة الأولي من هذا العام زيادة في التبادل التجاري قدرها ٤٠٠ مليون دولار، واتفق الرئيسان علي الإسراع بمفاوضات اتفاق التجارة الحرة بين مصر والمنطقة الأوراسية، وإنشاء المنطقة الصناعية الروسية في منطقة شرق بورسعيد بإقليم قناة السويس، باستثمارات ٧ مليارات دولار، لتكون أكبر مركز صناعي في المنطقة، بالإضافة إلي تشجيع الصادرات الزراعية المصرية، وصادرات القمح الروسية إلي مصر.
في مجال التعاون الأمني والعسكري، اتفق الرئيسان علي تعزيز تبادل المعلومات بين الأجهزة المعنية في البلدين للتصدي لخطر الإرهاب، ومنع انتقال الإرهابيين من مناطق التوتر إلي مناطق أخري.
ومن المقرر أن يعلن قريباً عن وصول الدفعات الأولي لصفقات سلاح روسية من المقاتلات المتطورة وطائرات الهليكوبتر الهجومية، في إطار تعاون مستمر في الأفرع الأخري للقوات المسلحة.
• • •
يقتصد الروس عادة في إسباغ الأوصاف علي نتائج مباحثاتهم، لكن الرئيس بوتين في مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس السيسي قال بوضوح إن هناك تطابقاً في وجهات النظر بينهما إزاء القضايا الإقليمية، وتوافقا في الرؤي تجاه سبل التعامل معها.
بالنسبة لسوريا.. كانت الرؤية المصرية الروسية واحدة منذ البداية، وهي الحفاظ علي وحدة البلاد وسلامتها الإقليمية وتماسك مؤسسات دولتها، ودعم مسار التفاوض للتوصل إلي حل سياسي شامل. كان الموقف واحداً من عدم السماح بسقوط الدولة السورية فريسة للإرهاب ووصول التطرف إلي الحكم.
لروسيا روابط ممتدة مع سوريا ومصالح استراتيجية في البحر المتوسط.
ولمصر  وشائج لا يمكن فصمها مع سوريا، فهي إقليمها الشمالي في زمن الوحدة وشريكها في حرب أكتوبر، وتربطهما علاقات ذات بُعد استراتيجي يعبر عنه التاريخ وتحكمه الجغرافيا.
بالنسبة لليبيا.. تدعم مصر المسار السياسي الساعي إلي تهيئة الأجواء لإنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وتبذل جهودها لتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وبدا خلال المباحثات، أن روسيا هي أول دولة تستجيب للدعوة المصرية بإزالة قيود تصدير السلاح إلي الجيش الليبي ليتمكن من دحر الإرهاب، وأعلن مسئولون روس عقب زيارة بوتين أن روسيا تدرس تخفيف هذا الحظر.
في الأزمات الأخري القائمة والمحتملة، كان موقف البلدين متماثلا في ضرورة التوصل لحلول سياسية لها، ونزع فتائل صراعات لا تحتملها المنطقة، وشعوبها في غني عنها.
زيارة بوتين للقاهرة واكبت اعلان الرئيس ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، الذي صب الزيت علي نيران الشرق الأوسط، وأجهض أي مساعٍ لاحياء عملية السلام.
الموقف الروسي الذي عبر عنه الرئيس بوتين يري أن إعلان ترامب الذي يستبق نتائج المفاوضات عديم الجدوي ومن شأنه زعزعة الاستقرار، ويدعو إلي استئناف مفاوضات السلام حول كل القضايا بما فيها القدس بما ينسجم مع مقررات المجتمع الدولي.
وهو موقف ينسجم مع الموقف المصري الداعي إلي انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلت في حرب ١٩٦٧، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، والرافض لإعلان ترامب الذي يعقد الوضع في المنطقة ويقوض فرص السلام.
• • •
أسلوب تفكير لاعب الشطرنج ربما كان الدافع وراء عدم توقيع بروتوكول استئناف الرحلات الجوية بين روسيا ومصر خلال زيارة بوتين للقاهرة.
لعل بوتين، كان يري أن اقتران توقيع البروتوكول مع توقيع اتفاق إنشاء  المحطة النووية، يعطي إيحاء بارتباط غير صحيح بينهما.
لذا اكتفي بأن يشيد بالجهود »‬الجبارة»، التي بذلتها مصر لرفع مستوي الأمن في مطاراتها، وأن يشير إلي قرب توقيع بروتوكول حكومي في هذا الشأن.
توقيع البروتوكول الذي تم أمس الأول بين شريف فتحي وزير الطيران المدني ومكسيم سوكولوف وزير النقل الروسي في موسكو، يفتح المجال أمام استئناف الرحلات بدءا من فبراير المقبل بين القاهرة وموسكو، ثم بين المدن الروسية والمدن السياحية المصرية في الربيع المقبل، وجاء البروتوكول ليغلق صفحة قاتمة عمرها أكثر من عامين، في مجال واعد ومتسع للتعاون بين البلدين وهو السياحة، بعد حادث الطائرة الروسية الذي كان الغرض منه نسف التعاون المصري الروسي وقطع الطريق علي علاقات استراتيجية متنامية بين البلدين لا تروق لقوي إقليمية وكبري!
• • •
من بين كل زعماء العالم، يعد الرئيس بوتين أكثر من التقاه الرئيس السيسي في مباحثات قمة خلال أقل من ٤ سنوات مضت، وأحسب الرئيس الروسي لم يلتق برئيس دولة بقدر ما التقي بالرئيس السيسي خلال هذه السنوات. حتي اللقاءات التي جمعت بينهما علي هامش محافل دولية في الصين كانت تستغرق في كل مرة، رغم طبيعة المناسبات، أكثر من ساعة.
ومن بين كل القوي الكبري في العالم، تبدو علاقات مصر وروسيا، وكذلك علاقاتها بالصين، أقوي من أي تقلبات في سماء العلاقات الدولية، ويبدو التعاون صادقا ومثمراً يبتغي مصلحة مشتركة، دون مشروطية، ودون أجندات خفية.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار