ياسر رزق يكتب من واشنطن: أسرار لقاء الـ ١٥٠ دقيقة بين السيسي وترامب

ورقة وقلم
ماذا دار في المحادثات حول التعاون والاستثمار والدول الداعمة للإرهاب وقضية القرن

ماذا دار في المحادثات حول التعاون والاستثمار والدول الداعمة للإرهاب وقضية القرن
في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض.. قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرئيس السيسي أمام الصحفيين في ختام كلمته القصيرة المرتجلة:  »سيادة الرئيس.. إن لديكم صديقاً عظيماً وحليفاً وثيقاً هو الولايات المتحدة وأنا شخصياً»‬.
وقال السيسي لترامب: »‬فخامة الرئيس.. لقد راهنت عليك منذ التقيت بك في سبتمبر الماضي، وإنني أكن إعجابا شديداً بشخصيتك المتفردة».
ثم أضاف: »‬أقول بكل قوة ووضوح إنك ستجدني وستجد مصر بجانبك في تنفيذ استراتيجية مواجهة الإرهاب والقضاء عليه».
تلك العبارات التي قالها ترامب لضيفه، هي نفسها التي قالها حينما التقاه في سبتمبر الماضي.
والرهان الذي كشف عنه السيسي، بدأ فعلا منذ لقاء نيويورك قبل نحو ٧ شهور مضت، حينما توقع له الفوز بالرئاسة، وأسر بذلك إلي معاونيه، وتوقع مع فوزه نقلة كبري تصحح مسار العلاقات المصرية - الأمريكية وتنقذ الشراكة الاستراتيجية بين البلدين بعد أن تزعزت دعائمها.
مثلما لا يحبذ السيسي المناورة، بدا ترامب لا يميل - عكس غيره من أسلافه - إلي اللف والدوران.
الرجلان يدلفان إلي صلب الموضوعات بصراحة وشفافية ووضوح لكن لكل منهما طريقته.
بعد دقائق معدودة من المباحثات.. تخلي ترامب عن مخاطبة السيسي بـ »‬سيادة الرئيس» وأخذ يناديه بـ »‬صديقي العزيز».
ومنذ بداية المباحثات.. قال السيسي: »‬سياستنا لها وجه واحد. نحن لا نقول إلا ما نفعل. وإذا وعدنا لابد أن نفي».
كلمة »‬نحن معكم مائة بالمائة».. كررها ترامب كثيرا في الاجتماع المغلق، وفي الجلسة الموسعة، وفي غداء العمل. وشدد عليها حينما جري الحديث عن العلاقات الثنائية والاقتصاد المصري، وحينما دار النقاش حول مواجهة الإرهاب والدول الداعمة له.
وقال ترامب: »‬إننا ندعم مصر سياسيا بكل قوة للقيام بدورها الإقليمي في الشرق الأوسط وأفريقيا، فنحن نعرف دورها الإيجابي في حل القضايا، ونعلم أنها دولة مقبولة لدي كل الأطراف حين تتدخل لحل القضايا بالطرق السلمية».
وبصراحته المعهودة.. أبدي ترامب عدم ارتياحه للنهج الذي سلكه الرئيس السابق أوباما في التعامل مع مصر ودعمه للإخوان، وتضييقه علي الدولة المصرية في الحصول علي صفقات السلاح لمجابهة الإرهاب.. ثم قال: »‬لو كانت هيلاري قد فازت، لصار الوضع أسوأ».
سألت مسئولا رفيع المستوي عقب انتهاء أعمال القمة المصرية - الأمريكية: كيف كانت الأجواء؟.. رد قائلا: أكثر من رائعة. وسمعت من مسئول آخر من أعضاء الوفد نفس الرد مضافا إليه عبارة: »‬النتائج فاقت توقعاتنا المتفائلة بشأن مستقبل العلاقات». وقال لي مسئول ثالث: المودة كانت ظاهرة، والتقدير كان متبادلا، والحرص كان واضحا علي إعادة اطلاق علاقات الشراكة الاستراتيجية، فالكيمياء جرت تفاعلاتها كعامل مساعد لاعتبارات المصلحة المشتركة للبلدين تجاه عديد من القضايا.
وقال مسئول رابع: الرئيس ترامب لخص هدف إدارته من دعم مصر سياسياً واقتصاديا وأمنياً في عبارة مركزة عندما قال: »‬إننا نريد مصر آمنة ومستقرة ومزدهرة، من أجل أمن واستقرار المنطقة، بل والولايات المتحدة والعالم».

• • •
١٥٠ دقيقة أمضاها الرئيس عبدالفتاح السيسي بالبيت الأبيض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أول زيارة رسمية يقوم بها للولايات المتحدة منذ تولي منصب رئيس الجمهورية قبل ٣٤ شهراً مضت.
استبق ترامب وصول الرئيس إلي المنزل رقم ١٦٠٠ بشارع بنسلفانيا حيث يقع مقر الرئيس الأمريكي، بتغريدة كتبها علي حسابه في »‬تويتر» قال فيها: »‬استعد للقاء الرئيس المصري السيسي. وبالنيابة عن الولايات المتحدة، فإنني أتطلع إلي علاقات ممتدة ورائعة».
وفور مغادرة موكب الرئيس البيت الأبيض عائداً إلي مقر إقامته بواشنطن في فندق »‬فورسيزونز»، كتب ترامب تغريدة ثانية قال فيها: »‬كان لي الشرف أن أرحب بالرئيس المصري السيسي في البيت الأبيض هذه الظهيرة، حيث جددنا الشراكة التاريخية بين الولايات المتحدة ومصر».
بين التغريدتين، قضي الرئيسان ساعتين ونصف الساعة معا داخل البيت الأبيض، بدءاً من الحديقة الخارجية أمام المدخل، حيث كان ترامب في استقبال السيسي علي باب السيارة، ثم في قاعة روزڤلت حيث دوّن الرئيس كلمة في سجل الزيارات، ثم في المكتب البيضاوي حيث أمضي الرئيسان ١٥ دقيقة في اجتماع مغلق اقتصر عليهما، بعد أن تحدث كل منهما للصحفيين بكلمة قصيرة مرتجلة، ثم في »‬قاعة الحكومة» حيث جرت مباحثات موسعة ترأسها السيسي وترامب بحضور أعضاء الوفدين المصري والأمريكي واستغرقت ٥٠ دقيقة، شارك فيها من الجانب المصري سامح شكري وزير الخارجية ود. سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي والمهندس طارق قابيل وزير التجارة والصناعة وعمرو الجارحي وزير المالية. كما شارك فيها الوزير خالد فوزي رئيس المخابرات العامة واللواء مصطفي شريف رئيس ديوان رئاسة الجمهورية واللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس والسفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم الرئاسة والسفير ياسر رضا سفير مصر في واشنطن.
وعبر الحديقة الداخلية للبيت الأبيض، ترجل الرئيسان إلي قاعة الغداء الرسمية، حيث استكملت المباحثات علي مدار أكثر من ساعة في غداء عمل.

• • •
لا يمكن الجزم بتفاصيل ما دار في الاجتماع المغلق بين السيسي وترامب والذي اقتصر عليهما في المكتب البيضاوي.
لكن شذرات معلومات تقول إنه تضمن استعراضا سريعا للموضوعات المطروحة علي أجندة القمة المصرية الأمريكية، وتناول القضية الفلسطينية التي وصفها الرئيس في كلمته الموجزة أمام الصحفيين قبيل الاجتماع المغلق أنها قضية القرن، ووصف التوصل إلي حل لها بأنه سيكون صفقة القرن، وقال لترامب إنه سيجده وسيجد مصر داعمين وبكل قوة للجهود التي ستبذل من أجل ايجاد تسوية سلمية. ورد عليه الرئيس الأمريكي قائلا: بالتأكيد سوف نقوم بذلك معاً.
لابد في هذا الاجتماع المغلق أن يتطرق الحديث إلي قضية شائكة هي نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلي القدس.. وهذا الموضوع لاشك أنه كان موضع تبادل آراء ومصارحة في لقاءات وزير الخارجية بواشنطن أثناء زياراته الثلاث الأخيرة.
وأظن الرئيس السيسي طرح موقفه ورؤيته وتقديره للموقف، من منطلق  عدم استباق نتائج المفاوضات، وعدم تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة في هذا التوقيت الحرج.. وأحسب الرئيس ترامب استمع بإنصات وأبدي تفهمه لما سمع.

• • •
علي مدي قرابة ساعتين من المباحثات الموسعة التي جرت في »‬قاعة الحكومة» وامتدت علي غداء عمل دار النقاش في مختلف القضايا الثنائية والأزمات الإقليمية وموضوع الإرهاب وتعاون البلدين في محاربته.
لم يخل اللقاء في بدايته من عبارات مداعبة بين ترامب ومعاونيه وهو يقدمهم إلي الرئيس. وبعد ترحيب من ترامب بالرئيس والوفد المرافق له وتأكيد وقوف بلاده مع مصر وشعبها بكل قوة.. تحدث الرئيس السيسي عن صورة الوضع الداخلي في مصر، وعن إجراءات الإصلاح الاقتصادي كتحرير سعر الصرف وخفض الدعم علي الكهرباء والوقود علي مراحل، مثنيا علي تحمل الشعب لها من أجل مستقبل بلاده، وعلي تضحياته في الحرب علي الإرهاب.
ورد الرئيس ترامب قائلا: إنها حقا قرارات شجاعة، وكلها في الطريق الصحيح.
وأثار الرئيس موضوع تمويل الشركات الأمريكية من جانب مؤسسات الائتمان الامريكية عند دخولها في استثمارات بمصر. وأبدي الرئيس ترامب استعداده لمعاونة مصر في تذليل عقبات التمويل وتشجيع كبريات الشركات الامريكية علي الاستثمار في مصر. كما أبدي حرصه علي زيادة التبادل التجاري مع مصر، خاصة في مجالات معدات الإنتاج والآلات وغيرها.
ودعا الرئيس بعض الوزراء إلي الحديث عن فرص الاستثمار والحوافز المقدمة للمستثمرين والإصلاحات الجارية التشريعية والقانونية ومجالات التعاون الواعدة بين البلدين بالأخص في النقل والكهرباء والبنية الأساسية وتكنولوجيا المعلومات، خاصة مع اتساع السوق المصرية وموقع مصر الاستراتيجي في ملتقي ثلاث قارات.
وأبدي ترامب اهتمامه بتطوير الاقتصاد المصري وتوفير الوظائف للمصريين، مشيرا إلي ان ذلك يعزز الاستقرار في مصر ومن ثم استقرار المنطقة والعالم.
وتم الاتفاق علي قيام د.سحر نصر ودينا باول مساعدة وزير الخارجية الأمريكي بالتنسيق في مجال تشجيع الاستثمارات الأمريكية وتذليل العقبات أمامها.
انتقل الرئيس السيسي بعد ذلك إلي الحديث عن قضية الإرهاب وشرح الوضع في سيناء، وجهود محاربة التنظيمات الإرهابية، وركز علي رؤيته بأن القضاء علي الإرهاب لا يتحقق بالأداة الأمنية والعسكرية وحدها، دون تضافرها مع آليات اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية وتناول في هذا الصدد الدعوة لاصلاح الخطاب الديني.
وهنا أثني الرئيس ترامب علي هذه الدعوة، وقال إنها دعوة صائبة وشجاعة.
وأكد دعم الولايات المتحدة لمصر بنسبة 100٪ في محاربة الإرهاب، قائلا: ابقوا علي صرامتكم في مجابهة هذا الخطر.
ونوه الرئيس السيسي إلي أن حقوق الإنسان لا تقتصر علي الجناة وانما للشهداء والضحايا وأسرهم حقوق لابد أن تصان.
وقال ترامب إنه لا يمكن اهدار حقوق الذين تفجرهم قنابل الإرهاب، والحديث فقط عن حقوق الإرهابيين.
وتطرق الرئيس السيسي إلي الدول التي تدعم تنظيمات الإرهاب بالمال والسلاح، واتفق معه الرئيس ترامب في التصدي للتنظيمات الإرهابية دون انتقاء، والتعامل بكل حزم مع الدول الداعمة له علي مستويات مختلفة.
ثم جري البحث في الوضع بالشرق الأوسط وبالأخص في سوريا وليبيا، وعرض الرئيس رؤية مصر لعناصر التسوية السياسية للأزمات، مؤكدا ضرورة الحفاظ علي وحدة التراب الوطني في كل دولة ودعم مؤسساتها الوطنية وإعلاء الحل السياسي القائم علي قواسم مشتركة بين الأطياف المجتمعية، كسبيل للحفاظ علي السلامة الاقليمية لهذه الدول وصون مقدرات شعوبها.
بعد ذلك.. انتقل الرئيس للحديث عن القضية الفلسطينية أو قضية القرن - كما يسميها - وطرح رؤيته لحل القضية، مشيرا إلي مخاوف البعض من السلام وإلي الفرص والعوائد التي سيتيحها لشعوب المنطقة. وضرب المثال بالسلام المصري الإسرائيلي، قائلا إننا عشنا الحروب وعايشنا السلام، والثقة تنمو بمرور الوقت لإزالة الحواجز النفسية والمخاوف من السلام.
وركز الرئيس علي حل الدولتين واقامة الدولة الفلسطينية كسبيل لإنهاء النزاع، مؤكدا أهمية تهيئة الرأي العام وشحذ إرادته في التوجه نحو السلام حتي تعم عوائده وثماره علي الجميع.
استمع ترامب ومعاونوه بإنصات وتفهم لحديث الرئيس، وكان من بينهم ريكس تيلرسون وزير الخارجية وهربرت مكماستر مستشار الأمن القومي، وجيسون جرينبلات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط.
تواصل الحديث خلال مباحثات القمة عن الدعم العسكري الأمريكي لمصر وتذليل العقبات أمام هذا التعاون، وعن الأمن المائي لمصر، وعن الحرب العالمية ضد داعش والتنسيق بين البلدين في هذا السياق.
وفي ختام المباحثات، قال الرئيس ترامب مجدداً: »‬أنا معك يا صديقي العزيز ومع مصر وشعبها، وسنقف بجانبكم مائة بالمائة».
واتفق الرئيسان علي اعادة تفعيل الحوار الاستراتيجي بين البلدين علي مستوي وزيري الخارجية وبمشاركة ممثلين للقطاعات الاقتصادية والأمنية والثقافية، لترفع نتائج الحوار الي الرئيسين لتنفيذها، وتكون هذه الآلية مظلة لكل أوجه التعاون.

• • •
مازال في زيارة الرئيس السيسي الي واشنطن يومان مكثفان من المباحثات، في البنتاجون ومع صناع القرار ورجال الفكر، غداة محادثاته مساء أمس في الكونجرس مع قيادات مجلسي الشيوخ والنواب وفي مقر إقامته مع وزراء الخارجية والتجارة والأمن الداخلي ومستشار الأمن القومي.
وتبقي نتائج القمة الأكثر من ناجحة بين الرئيسين السيسي وترامب وثبة كبري علي طريق ممتد من شراكة استراتيجية تصون المنافع المشتركة وتستوعب اختلافات واردة بين رؤي قوة عالمية عظمي لها مصالحها وقوة إقليمية كبري لديها ثوابتها.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار