إجراءات الخميس «الاضطرارية».. وقرارات الجمعة »الضرورية«

مطلوب إصدار »الضريبة التصاعدية« لإكمال الإصلاح وتحقيق التوازن في الأعباء بعد تحرير سعر الصرف.. متي يعيد أصحاب الأرصدة ملياراتهم من الخارج إلي مصر؟!

11/5/2016 8:35:23 PM  
1308  
يــاســر رزق   

مطلوب إصدار »الضريبة التصاعدية« لإكمال الإصلاح وتحقيق التوازن في الأعباء بعد تحرير سعر الصرف.. متي يعيد أصحاب الأرصدة ملياراتهم من الخارج إلي مصر؟!

ليس في الأمر مباغتة للجماهير.
أقصد إصدار قرارات الخميس الاقتصادية الصعبة.
المواطنون كانوا يتوقعون، والإعلام كان يمهد، ومجتمع الأعمال كان يترقب.
الرئيس عبدالفتاح السيسي نفسه تحدث في الآونة الأخيرة أكثر من مرة، عن حتمية اتخاذ إجراءات إصلاح اقتصادي صعبة، لا بديل عنها للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، ولا غني عنها للاستشفاء من مرض مزمن ألم بالاقتصاد منذ عقود، وأحجمت الحكومات المتعاقبة عن الإقدام عليها.
سمعناه في لقائنا معه -رؤساء تحرير الصحف القومية- ونشرنا كلامه حرفياً وأبرزناه في عناوين الحوار.
بعدها.. تكلم في المؤتمر الوطني للشباب بشرم الشيخ في أكثر من مداخلة، أهمها تلك التي كانت في الجلسة الخاصة بالسياسات النقدية وأزمة سعر الصرف.
يومها قال الرئيس تحديداً: لابد أن نعتمد علي أنفسنا، وعلينا أن نتحلي بالصبر وأن نتحمل.
ثم خاطب الشعب قائلاً: »عندما طلبتم مني أن أقف بجانبكم لم أتردد لحظة، وحان الوقت لكي تقفوا بجانبي»‬.
هذه العبارة بالأخص، كان يقصد بها الرئيس أن يقول: ثقوا في قراراتي، وقفوا بجانبي، لنتمكن معاً من إخراج بلادنا من عنق الزجاجة ثم الانطلاق بها.
ربما المفاجأة في قرارات الخميس، أنها أعُلنت كحزمة واحدة في يوم واحد.
صباحاً.. بقرار البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه  المصري أمام العملات الأجنبية.
وليلاً.. بقرار الحكومة رفع سعر المحروقات بجميع أنواعها بنسب مختلفة.
وربما المفاجأة الأكبر هي توقيت هذه القرارات، فالغالبية الكاسحة كانت تتوقعها بعد مضي يوم ١١ نوفمبر، الذي دعت جماعة الإخوان للتظاهر فيه ضد الدولة والنظام.
كغيري من المتابعين والمهتمين، كنت أتوقع صدور قرارات الإصلاح الاقتصادي في الأسابيع القليلة القادمة.
كنت أثق أن الدعوة الإخوانية للتظاهر والعنف في هذا اليوم، ستلقي مصير سابقاتها من تجاهل شعبي واستخفاف جماهيري، لكني كنت ممن لا يتمنون صدور قرارات الإصلاح الاقتصادي قبل يوم (١١/١١) خشية أن تكون وقوداً يُستغل في تحريك دعوة ميتة.
غير أني اعترف الآن، وأنا أكتب بعد ٤٨ ساعة من هذه القرارات، أن إعلانها في هذا التوقيت، يعكس ثقة هائلة من جانب القيادة.
ثقة بالنفس لا توقفها كوابح من تخوفات، عن المضي ما دام الدرب صحيحا والاتجاه سليماً.
وثقة بالشعب، في وعيه الذي لا نظير له، وفي إدراكه لإخلاص قيادته، وفي قدرته علي تحمل المصاعب من أجل أبنائه وبلاده.
أظن الرئيس ما كان ليقدم علي هذه الإجراءات، لولا أن اسمه عبدالفتاح السيسي. فهو لا يريد منصباً في مقابل إهدار أمانة، بل لا يرغب أصلاً في مسئولية، إلا إذا كان سينهض بها بما يرضي الله والوطن. لا يريد السيسي شعبية سنوات مدة رئاسية أولي أو ثانية، ثمنها أرض محروقة يتركها لخلفه يقلب يديه في خرائبها، بل لا يرغب أصلاً في شعبية تتأسس علي خداع شعب في حاضره، وخديعة أمة في مستقبلها.
.. وأظن الشعب ما كان ليتقبل تلك الإجراءات من رئيس -ولو علي مضض وعسر- لولا أنه عبدالفتاح السيسي.

***
كانت قرارات الإصلاح الاقتصادي ضرورية، بل اضطرارية.
لا يوجد حاكم وطني يرغب في أن يُحمّل مواطنيه لاسيما أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة أي أعباء تؤثر علي مستوي معيشتهم.
لكن ليس حاكماً وطنياً من يتعامل مع شعبه بمنطق المثل الشعبي: »‬عيِّشني النهاردة وموتني بكرة»!
تحرير سعر الصرف كان حتمياً، في ظل وجود سوق موازية تباع فيها العملات الأجنبية وتشتري بقرابة ضعف سعرها الرسمي.
كان الإنتاج في المصانع متراجعاً بشدة لعدم التمكن من توفير العملة لشراء مستلزمات الانتاج من الخارج، وعدم القدرة علي تحديد تكلفة المنتج ومن ثم تسعيره بسبب قفزات سعر العملة بالسوق السوداء.
كان الاستثمار متوقفاً تماما، فالمستثمرون المصريون الذين تعمل مصانعهم بأقل من نصف طاقتها لا يفكرون في أي توسع، بل بعضهم يفكر في تقليص استثماراته، والمستثمر الأجنبي لن يأتي إلي سوق لا يتمتع باستقرار في سعر الصرف، ولا يستطيع بسبب الإجراءات النقدية أن يُحول أرباحه إلي الخارج، هذا بخلاف تشريعات الاستثمار القائمة التي تحتاج إلي تعديلات لتحسين المناخ وتشجيع الاستثمارات.
أما تحويلات المصريين بالخارج، فقد تراجعت بمبلغ ٤٫٥ مليار دولار خلال عام واحد، نتيجة تفضيلهم التحويل عبر السوق السوداء بدلاً من البنوك أو شركات الصرافة بسبب الفارق الهائل بين سعر العملة في السوق الموازية والسوق الرسمية.
تقريباً كل الدوائر الاقتصادية، والدوريات العالمية البارزة أثنت خلال اليومين الماضيين علي قرار تحرير سعر الصرف، واعتبرته خطوة كبري لإصلاح مسار الاقتصاد المصري المتعثر.
إذن أهم ايجابيات قرار تحرير سعر الصرف وما صاحبه من إجراءات لإلغاء القيود علي إيداع وسحب العملات الأجنبية، هو زيادة الطاقة الإنتاجية بالمصانع لتعود إلي معدلاتها الطبيعية، وتشجيع الصادرات بعد أن اكتسب المنتج المصري سعراً تنافسياً أفضل في مواجهة الصادرات المماثلة للأسواق المنافسة، وتمهيد الطريق لجذب الاستثمارات الخارجية سيما بعد قرارات المجلس الأعلي للاستثمار برئاسة الرئيس وإصدار قانون الاستثمار الجديد في غضون أسابيع.
انعكاسات تلك الإيجابيات علي المدي المنظور هي زيادة إيرادات الدولة من النقد الأجنبي وارتفاع الاحتياطي من العملات الأجنبية بالبنك المركزي، مما يؤدي إلي استقرار سعر الصرف بالبنوك عند مستوياته الحقيقية العادلة.
أما علي المدي القريب، فتتمثل في زيادة التشغيل بما يؤدي إلي استيعاب طاقات عاطلة من الخريجين والعمالة الفنية، ومن ثم خفض معدلات الإعالة في الأسرة، فكلما التحق عاطل من أبناء أسرة بالعمل، صار العبء أقل علي رب الأسرة، وزاد دخلها وارتفع مستوي معيشتها.
ومعني زيادة الإنتاج وجذب الاستثمار ورفع معدلات التصدير، هو زيادة إيرادات الدولة من الجمارك علي الآلات ومستلزمات الإنتاج ومن الضرائب علي أرباح الشركات، وبالتالي خفض عجز الموازنة.
جانب إيجابي آخر من قرار تحرير سعر الصرف.. هو تقليل الاعتماد علي السلع المستوردة، خاصة التي لها مثيل مصري، والأخري غير الضرورية لبلد يعاني، بعد أن أصبحت تلك السلع أغلي من مثيلاتها المنتجة محليا، وبالتالي تخفيف الضغط علي العملة الأجنبية.
أما الآثار السلبية لتحرير سعر الصرف، والتي لا يمكن إغفالها، فأهمها هو ارتفاع أسعار السلع الغذائية في دولة تستورد جانباً كبيراً من احتياجات مواطنيها من الغذاء. ولاشك أن ذلك سيؤدي إلي ارتفاع أسعار المأكولات، مهما بذلت الدولة من جهود في سبيل توفير السلع الأساسية بالمنافذ التابعة لها، كما سيؤدي من جانب آخر إلي زيادة الدعم المخصص لهذه السلع في الموازنة العامة نتيجة تحرير سعر الصرف، وهو ما يزيد من العجز في الموازنة.
وهناك بعض الخبراء يراهنون علي انخفاض أسعار السلع الغذائية المستوردة بالأسواق، بحجة أن المستوردين وفروا العملات اللازمة لشرائها من السوق السوداء بأسعار مغالي فيها، وأنهم حينما يستوردون بالسعر الجديد بعد توفير العملة بالبنوك، ستكون الأسعار أقل بكثير.. غير أن المحك في هذا الرهان هو السوق نفسه.
ومع تحرير سعر الصرف، جاءت قرارات البنك المركزي برفع سعر الفائدة ٣٪ علي الودائع والقروض.
وأهم إيجابيات هذا القرار أنه سيزيد من دخل الأسرة المتوسطة وفوق المتوسطة التي أودعت مدخراتها بالبنوك، إذ وصلت الفائدة علي بعض الأوعية الإدخارية إلي ٢٠٪، مما سيزيد من دخلها في مواجهة ارتفاعات الأسعار.
غير أن الجانب السلبي لهذا الإجراء، أنه سيزيد من حجم الاعتمادات المخصصة لسداد فوائد الدين الداخلي والبالغة ٢٩٢ مليار جنيه في الموازنة الحالية نتيجة رفع سعر الفائدة، مما يلقي أيضا بعبء جديد ويزيد من عجز الموازنة.
وهناك من الخبراء من يري أن رفع سعر الفائدة، سيؤدي علي المدي القريب، إلي تفضيل المستثمر الصغير وضع أرصدته في البنوك عن استخدامها في إنشاء مشروعات، وإلي تحميل المستثمرين بأعباء إضافية نتيجة رفع الفائدة علي القروض.
***
في ذات يوم تحرير سعر الصرف، أعلنت الحكومة عن زيادة أسعار المحروقات بنسب متفاوتة، أو بعبارة أخري تخفيف دعم المواد البترولية المقدر له في الموازنة الحالية بمبلغ ٣٥ مليار جنيه. ذلك أن الغاز والبنزين والسولار والبوتاجاز مازالت مدعومة، بل أن اسطوانة البوتاجاز التي كانت تملأ بمبلغ ٨ جنيهات، وازداد يوم الخميس الماضي إلي ١٥ جنيها، مازالت رغم الزيادة مدعومة بـ ٥٠ جنيهاً!
المفارقة أن المبلغ الذي توفر من تخفيف الدعم، ذهب من جانب آخر إلي دعم المحروقات نتيجة زيادة سعر الصرف، وبالتالي ارتفاع ثمن المواد البترولية المستوردة إلي قرابة الضعف عند حسابها بالسعر الجديد للجنيه المصري أمام الدولار.. ولنا أن نتصور حجم العبء علي الموازنة العامة وعلي العجز وعلي الدين الداخلي، لو كان تم تحرير سعر الصرف دون تحريك أسعار المحروقات!
لا يمكن المجادلة في تأثير رفع أسعار الوقود علي كل ما ينقل ويتنقل من مواد وبضائع وأفراد.
لكن تعودنا مع القرارات المماثلة خلال السنوات السابقة، المغالاة غير المعقولة في أسعار وسائل النقل الخاصة، بما يزيد كثيراً علي نسبة الزيادة في أسعار الوقود والزيوت والغاز، لذا لابد من أمرين متلازمين، هما فرض تسعيرة عادلة لأجرة النقل داخل المدن وبين المحافظات، تراقبها أجهزة كل محافظة مع أجهزة الشرطة المعنية، بالإضافة إلي عدم رضوخ المواطن لتسعيرة الأمر الواقع التي يفرضها جشع بعض السائقين وتكتلاتهم بمواقف سيارات الأجرة.
أدرك أن رفع أسعار الوقود ومن قبله الكهرباء مع تحرير سعر الصرف، سيزيد من الخسائر الهائلة للسكك الحديدية ومترو الأنفاق، مما يستوجب رفع أسعار التذاكر بقدر يحد من نزيف الخسائر، لكني أحسب أن التريث بعض الوقت أمر مطلوب لحين استقرار أسعار النقل والانتقال، واستخدام النقل العام في ضبطها.
***
حينما تحدث الرئيس، وتكلم رئيس الوزراء عن الإجراءات الصعبة الضرورية، أو بالأحري الاضطرارية، كان مع الحديث تأكيد علي اتخاذ قرارات مصاحبة أو مواكبة لتخفيف العبء عن الطبقة المتوسطة وحماية الطبقتين محدودة الدخل والفقيرة.
صباح الجمعة.. أعلن رئيس الوزراء ومعه عدد من وزراء المجموعة الاقتصادية بعضاً من القرارات الجديدة المصاحبة، وكانت قد سبقتها قرارات مع الموازنة العامة الجديدة أهمها رفع الحد الأدني للمعاش إلي ٥٠٠ جنيه وزيادته سنوياً بمبلغ ١٢٥ جنيهاً، تمهيداً لإجراءات الإصلاح الاقتصادي.
قرارات الجمعة الحمائية شملت صرف العلاوة الدورية للعاملين بالدولة ونسبتها ٧٪ مع راتب نوفمبر الحالي ومعه متجمد الأثر الرجعي من شهر يوليو، وزيادة الدعم المخصص للفرد الواحد في البطاقة التموينية من ١٨ إلي ٢١ جنيهاً، وتخصيص ١٫٥ مليار جنيه للتغذية المدرسية لتغطي كل مدارس الجمهورية، وإلغاء الجمارك علي استيراد السكر لخفض أسعاره بالأسواق، ومد مظلة معاش كرامة وتكافل التي ستغطي مليون أسرة في ديسمبر المقبل، لتصل إلي ١٫٧ مليون أسرة في ٣٠ يونيو من العام القادم.
أما الفلاح المصري، فقد زادت أسعار توريده للمحاصيل كالأرز والقمح والذرة الصفراء وقصب السكر بنسب تصل إلي ٢٥٪.
ومع هذه القرارات، كان رفع سعر الفائدة علي الودائع، تعويضاً لا بأس به للأسر المتوسطة وفوق المتوسطة من أصحاب المدخرات، غير أنني كنت أتوقع زيادة معقولة في معاش التضامن الاجتماعي الذي يتراوح بين ٣٢٥ جنيهاً و٤٥٠ جنيهاً للأسرة حسب عدد أفرادها لتظل علي حد الكفاف.
***
في كل الأحوال.. تبقي إجراءات الإصلاح الاقتصادي غير مكتملة، ما لم يتم الإسراع بوضع مشروع قانون الضريبة التصاعدية وإقراره في أقرب وقت، لتتوازن الأعباء بين طبقات المجتمع بقدر طاقة كل طبقة، وما لم يتم إصلاح إجراءات تحصيل الضرائب خاصة من أصحاب المهن الحرة وأصحاب الأعمال التجارية والصناعية ودمج القطاع غير الرسمي ليسدد ما عليه من ضرائب وتأمينات علي العاملين في هذا القطاع. وأظن مع إقرار الضريبة المتصاعدة وكفاءة تحصيل الضرائب بالإضافة إلي النتائج المتوقعة من تحرير سعر الصرف وإصدار قانون الاستثمار، سيتوافر للموازنة العامة ما يمكنها من تقليل العجز ويتيح لها اعتمادات تخصص لمزيد من التخفيف عن محدودي الدخل.
***
بقيت أسئلة مصارحة لعدد من رجال الأعمال الكبار الذين نادوا كثيراً بتغيير قانون الاستثمار، وكانوا علي رأس الداعين لتحرير سعر الصرف.
ألم يحن الوقت لتحويل مليارات الدولارات التي ربحتموها من السوق المصرية وكسبتموها من المستهلك المصري، ونقلتموها إلي بنوك الخارج، لتعود إلي مصر، بعد أن زالت حجج معوقات الاستثمار وسعر الصرف؟!
ألم يأن أوان نقل الاستثمارات التي أقمتموها في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، بفضل العوائد التي حققتموها من مشروعاتكم في مصر، لتعود إلي الوطن وتساهم في التشغيل وزيادة الناتج المحلي؟!
أظن الحجج زالت، والذرائع لم تعد مبررة، والوطنية يجب أن تتحول من الواقع الافتراضي، إلي الواقع علي الأرض.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار