ورقه وقلم

مؤتمر الشباب.. وتحالف ٣٠ يونيو

10/30/2016 8:19:14 PM  
1147  
يــاســر رزق  

مؤتمر الشباب.. وتحالف ٣٠ يونيو

تريثت في الكتابة عن مؤتمر الشباب الذي انعقد في شرم الشيخ، ليهدأ فوران العاطفة، في غمرة مشاعر جياشة، حركتها مشاهد وأحداث، كانت ذروتها في الجلسة الختامية لمؤتمر الأيام الثلاثة.
انتظرت حتي تخفت الأضواء، وتتلاشي أصداء الميكروفونات، وتسكن أمواج الانفعالات، ويتواري الانطباع، فتحسن الرؤية، وتتقدم الفكرة، ويصح التقييم.
الرأي عندي أن هذا المؤتمر بما جري فيه، محطة زمنية في نظام ٣٠ يونيو، يؤرخ بها لما قبل وما بعد.
دخلنا المؤتمر وسط أجواء قلق عاصف في نفوس كثيرين، بعضهم يتساءل: كيف نسير؟.. وبعضهم يتخوف: إلي أين نمضي؟.. وبعضهم يتشكك: هل نستطيع؟!
وخرجنا من المؤتمر وسط أجواء أخري.. نرقب فيها سحبا، ونحن نوقن أنها ستعبر سماءنا كما عبرتها سحب أخري مثقلة، نجد أمامنا ضبابا، لكنه لا يخفي عنا معالم طريق، ولا يحجب أضواء ساطعة آتية من قريب. نري عقبات طبيعية وعراقيل مصنوعة، لا نستهين بصعوبتها، ولا نستهين أيضا بقدرتنا علي تجاوزها، ما دام فينا شباب مثل الذي رأيناه وسمعناه ولمسنا اتقاد قلبه وصلابة عزمه، وذكرنا بمن وقف فاردا ذراعيه ينادي بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ومن وقف فاتحا صدره في مواجهة الميليشيات عند الاتحادية وفي المقطم يهتف بزوال نظام المرشد.
دخلنا المؤتمر وبعضنا يتحدث عن خصومة بين الدولة وشبابها، وخرجنا وهذا البعض يراجع نفسه ويترقب نتائج، بعد أن داعبت وجدانه مشاعر ثقة، فارقته حينا.
دخلنا المؤتمر ونحن نتحدث عن شروخ أصابت جدار ٣٠ يونيو، وعن صدوع ألمت بتحالف الثورة، وعن شركاء تحولوا إلي فرقاء، وعن فرقاء صاروا في عداد الخصوم دونما مقتضي ودونما وجه لخصومة.
وخرجنا من المؤتمر، وقد استعدنا بعضا من صلابة الجدار، ولملمنا جزءا كبيرا من شتات التحالف، وكلنا ثقة أن الجدار سيعود إلي حالته والتحالف سيجمع كل مكوناته وفي القلب منها كتلته الوطنية.
خرجنا بأمل عريض في مستقبل أزهي من حاضرنا الصعب، لوطن يتسع للجميع، إلا من يحمل سلاح الأذي.

أسعدني أن أري في المؤتمر ثلاثي »تمرد»‬ محمود بدر، محمد عبدالعزيز، حسن شاهين، يجتمعون في محفل واحد، بعد أن فرقتهم أيام ما بعد بلوغ الهدف، وشتتتهم دهاليز السياسة.
أسعدني أن أري الرئيس يلتقي برؤساء الأحزاب وبعض رموز السياسة ممن نحوا أنفسهم عن المسيرة.
أسعدني أن أشاهد الرئيس يحاور إعلاميين كبارا، لهم رأي مختلف في الطريق وإيقاع الحركة، لكنهم في حقيقة الأمر لا يختلفون علي الهدف.
أسعدني أن أجد الرئيس يلتقي بصحفيين وإعلاميين شبان، ليسمع أصواتاً أخري، لعلها أقل صخباً وضجيجاً، لكن لاشك في إخلاصها وصدق طويتها.
أسعدني أن يقيم الرئيس الأيام الثلاثة، داخل مركز المؤتمرات، يتنقل بين قاعاته وجلساته، يستمع، يشارك، يدون في أوراقه أفكاراً، لا يتبرم من رأي آخر، ولا يضيق بوجهة نظر مغايرة.
أسعدني الحماس والصراحة والغيرة التي جمعت شباباً يدلفون إلي ربيع الحياة، بشيوخ يمضون ومستقبلهم من ورائهم.

ذروة المؤتمر حقاً كانت جلسته الختامية.
كانت المشاعر في قمة عنفوانها، والشباب يردد أغنية أكتوبر الشهيرة »‬حلوة بلادي السمرة» وراء فريقهم الشبابي »‬بلاك تيما»، ويهتف من قلبه ومعه كل من في القاعة وخارجها: »‬تحيا مصر».
أما كلمة الرئيس السيسي الختامية، فكانت بحق برنامج عمل سياسي، يعيد اللحمة إلي تحالف ٣٠ يونيو، ويجمع شباب مصر الوطني، ويدفع بهم إلي صدارة المشهد، وقريباً إلي مقاعد المسئولية والحكم. ولاشك في صدقه وهو يقول: »‬أتمني لو كان واحد منكم يقف في مكاني».
في رأيي المتواضع أن تلك الكلمة، كانت الأكثر تعبيراً عن ذهنية الرئيس السيسي المنظمة، وعن أفكاره المرتبة التي تسلم الواحدة فيها الأخري، وعن شخصيته القاطعة، ونهجه في القيادة.
لم يطلق الرئيس وعوداً، ولم يعلن عن إجراءات مرسلة، وإنما عن قرارات محددة موقوتة، وعن تكليفات بالاسم والجهة المنفذة.
بدءاً من لجنة مراجعة موقف الشباب المحبوس علي ذمة قضايا خلال ١٥ يوما، وانتهاء بتنظيم حوار وطني يسفر عن ورقة عمل لتصويب الخطاب الديني، مروراً بتعديل قانون التظاهر خلال الدورة البرلمانية الحالية، وتدشين مركز وطني لتدريب وتأهيل الكوادر الشبابية، وعقد مؤتمر شهري للشباب لمراجعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في المؤتمر السنوي الأول، وتنظيم حوار مجتمعي خلال شهر لإصلاح التعليم، ودعوة شباب الأحزاب إلي إعداد برامج لنشر ثقافة العمل التطوعي أولها تبني مبادرة للقضاء علي الأمية.

ليس عندي أدني شك، في أن الرئيس شخصياً سيتابع تنفيذ ما قرره وأعلنه.
غير أني أدعو أجهزة الدولة المعنية - وثقتي فيها ليست كثقتي بالرئيس - أن تباشر بنية صادقة تنفيذ القرارات، وتقمع نزعاتها المعروفة بعرقلة كل ما يبحر من سفن!
بل إني أطالبها أن تقتدي بهمة رجال الجيش في إنجاز المشروعات التنموية في نصف أو ربع زمن التكليف، فتنتهي من تنفيذ قرارات الرئيس قبل التوقيت المحدد.. بزمن.
وأسمح لنفسي أن أناشد النيابة العامة، في أن تتصدي بنفسها لملف الشباب المحبوس، فيما يقع في نطاق اختصاصها ويخرج عن سلطات الرئيس الدستورية، لاسيما أن غالبية الناس لاتعرف الحدود الفاصلة بين الصلاحيات، في شأن الحبس علي ذمة القضايا، والأحكام النهائية الباتة.
ويقيني أن إنهاء ملف الشباب المحبوس أوالمحكوم عليه في غيرجرائم العنف وكذلك قطع خطوات جادة علي طريق تعديل بعض مواد قانون التظاهر، كلها أمور محفزة لفئات من الشباب كانت متشككة في جدوي المؤتمر الوطني الأول، لتنضم إلي المؤتمرات الشهرية وتشارك بفاعلية في الإعداد للمؤتمر الثاني خلال العام المقبل.
وفي تقديري أن عدم ترحيب الرئيس بإنشاء ظهير سياسي له، سواء كان حزبا أو تحالفا سياسيا، هو أمر يحمد له، ويدل علي أنه يدرك بعمق الدروس المستفادة من تجارب الماضي. وأظنه يستشعر أن ظهيره السياسي الحقيقي هوالملايين من أبناء الشعب برجاله ونسائه وشبابه، هو الكتلة العريضة والأوسع من أبناء مصر، فلماذا يقصرها علي مجموعة،لابد أن تجتذب رغما عنها الباحثين عن مكاسب، والطامحين إلي مغانم، والهاتفين بحياة كل نظام؟!
بنفس القدر من الإدراك، كان حرص الرئيس في كلمته الختامية علي الإعلان علي أن الدولة لن تولي اهتماماً بمجموعة من الشباب دون أخري، وأظنه كان يريد دحض فكرة يسعي البعض إلي ترويجها بأن الفرص في دولة الشباب القادمة ستكون حكراً علي شباب البرنامج الرئاسي دون غيرهم.

أملي أن يتم توجيه الطاقة الهائلة التي فجرها المؤتمر، والقدرات اللامحدودة لشباب مصر، في كيان وطني شبابي عابر للأحزاب والتيارات والشرائح الاجتماعية والانتماءات الجهوية.
 وأدعو مجدداً- ولا يصيبني الملل من تكرار الدعوة- إلي إنشاء كيان  وليكن اتحاد شباب مصر، ينبني علي قواعد جمعيات الكشافة والمرشدات، ومراكز الشباب، واتحادات الطلاب والأسر الجامعية، ومنظمات شباب الفلاحين والعمال والأعمال، ولجان شباب الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية.
وأحسب أن المؤتمرات الشهرية للشباب فرصة لتقليب الفكرة علي أوجهها واتخاذ القرار الأنسب.
وفي كل الأحوال.. فإن الأفكار الخلاقة غير التقليدية، ستأتينا حتما من شباب، متحرر من قيود السن والمسئولية والجمود.

أهم ما في المؤتمر الوطني الأول للشباب، أنه فتح نوافذ، وجدد هواءً، وشحذ عزائم، وشحن طاقات.
يبقي آخر مشاهد المؤتمر هادياً وملهماً للجميع، ونحن ندلف إلي واحد من أصعب المنحنيات في مسيرتنا علي طريق إنجاز مشروعنا القومي لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة.
.. إنه مشهد تكريم البطل إبراهيم حمدتو الذي نجح فيما تعوزه أدواته، وهو رياضة كرة الطاولة.
فإذا كان ابراهيم استعاض بالإرادة عن الذراعين.
فما بالنا ونحن لانفتقد الأدوات ولاتعوزنا الإرادة.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار