يــاســر رزق يكتب من نيويورك حجر في نهر «هدسون».. ونافذة بالمبني الزجاجي

9/21/2016 9:06:20 PM  
1268  
يــاســر رزق  

مع السيسي في ٥ قمم بالأمم المتحدة
تتبدل الأجواء في مدينة نيويورك علي مدار اليوم في هذا الوقت من العام، ما بين طقس مطير، وسطوع لافح للشمس، ورطوبة خانقة، وبرودة ليلية تُنذر بشتاء مبكر.
تتساقط أوراق الأشجار الجافة في حدائق مجمع الأمم المتحدة شرق جزيرة »مانهاتن« بقلب هذه المدينة العالمية، تُنبئ بحلول الخريف، بينما يحتفظ المبني الزجاجي للمنظمة الدولية بأجواء أروقته وقاعاته معلبة لا تتغير. تُبقي علي القضايا سائلة لا تتماسك، والأزمات مجمدة لا تنفك، بالأخص ما يتعلق بمشكلات الشرق الأوسط. فالإرادة الدولية الجماعية تنشط في إدارة الأزمات، وتخبو عند حلها.!
•  •  •
مياه كثيرة جرت في نهر «إيست ريڤر» الذي يطل عليه مبني الأمم المتحدة خلال العامين الماضيين منذ أطلت مصر الثورة لأول مرة علي العالم، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي اجتماعات الدورة التاسعة والستين للجمعية العامة في سبتمبر من العام قبل الماضي، وكلمته التي جذبت الانتباه إلي مصر وهي تنهض سالمة من آتون نار الشرق الأوسط، وإلي رئيسها وهو يتحدث بنبرة عاقلة، وعبارات قلبية صادقة، ومواقف تليق بدولة عريقة كانت أحد مؤسسي هذه المنظمة الدولية في أعقاب سكوت مدافع الحرب العالمية الثانية.
ومياه أكثر جرت تحت جسور النيل في مصر خلال الأشهر الأربع والعشرين الماضية.
فما بين الإطلالة الأولي عام ٢٠١٤ والإطلالة الثانية في العام الماضي، والإطلالة الثالثة هذه الأيام، للرئيس عبدالفتاح السيسي علي المجتمع الدولي وقادة العالم في اجتماعات الأمم المتحدة، انتقلت مصر من التشرنق علي الذات داخلياً، والعزلة الدولية في عام حكم الإخوان وعام الحكم الانتقالي بعد ثورة يونيو، إلي النهوض وكسر الطوق واستعادة الدور الإقليمي، ثم انتقلت إلي مرحلة جديدة هي المشاركة في صياغة القرار العالمي بيئياً في مؤتمر التغيرات المناخية بباريس ديسمبر الماضي، واقتصادياً في قمة مجموعة العشرين بهانغجو مطلع هذا الشهر، وسياسياً في قمة الدول الأعضاء بمجلس الأمن الخاصة بسوريا، والتي انعقدت أمس.
•  •  •
قمة مجلس الأمن هي الأولي التي يشارك فيها رئيس مصري علي مقعد الدولة العضو بالمجلس من بين قادة ورؤساء وفود الدول الخمسة عشر الأعضاء.
وجاءت مشاركة السيسي بعد ٩ أشهر من انضمام مصر إلي مجلس الأمن كعضو غير دائم لمدة عامين.
٤ قمم دولية واجتماع عام شارك فيها الرئيس السيسي خلال ٤٨ ساعة بمبني الأمم المتحدة.
يوم الإثنين.. حضر القمة الخاصة باللاجئين والمهاجرين، وفي نفس اليوم ترأس اجتماع مجلس السلم والأمن الأفريقي.
يوم الثلاثاء.. حضر اجتماع القمة الخاص بالطاقة الجديدة والمتجددة بأفريقيا، التي دعا إليها الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، بوصف السيسي رئيس لجنة رؤساء الدول والحكومات الأفريقية المعنية بالتغيرات المناخية، وصاحب مبادرة الطاقة الجديدة في أفريقيا.
ومساء نفس اليوم.. شارك في اجتماعات الدورة الحادية والسبعين للأمم المتحدة وألقي للمرة الثالثة علي التوالي كلمة مصر أمام قادة ورؤساء وفود دول العالم.
ويوم أمس الأربعاء.. شارك الرئيس ضمن ١٥ من القادة ورؤساء وفود الدول الأعضاء بمجلس الأمن، في القمة الخاصة بالأزمة السورية.
•  •  •
في العامين الماضيين.. كانت مصر تتحدث عن نفسها علي لسان السيسي.. تُقدِّم وجهها الجديد للعالم بعد ثورتي يناير ويونيو تُطمئن المجتمع الدولي علي مسار الدولة الأهم في العالم العربي والشرق الأوسط وأفريقيا، بعد سنوات الحالة الثورية واختطاف الثورة ثم استعادتها بإرادة الشعب.
وتطرح مشروعها الوطني لبناء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة، ورؤاها للأوضاع بالمنطقة.
في هذا العام.. لم يكن السيسي بحاجة إلي تقديم صورة مصر الداخل، بعد أن استتب الأمن والاستقرار، واكتملت مؤسسات الدولة، وانطلق برنامج الإصلاح الاقتصادي الاجتماعي في إطار المشروع الوطني المصري.
كانت مصر تتحدث في القمم والاجتماعات الخمس عن تصوراتها للحلول، علي صعيد أزمات الشرق الأوسط، والتحديات الأفريقية، والمشكلات الأورومتوسطية، والتهديدات العالمية، وعلي رأسها تهديد الإرهاب الذي وصفه السيسي بأنه آفة هذا الزمان.
•  •  •
في الجلسة الخاصة بالهجرة واللاجئين.. أمسك الرئيس بلب المشكلة حينما قال: «إنه لا سبيل لوقف الهجرة غير الشرعية إلا بمعالجة جذورها الرئيسية وفتح مزيد من قنوات الهجرة الشرعية وتطوير أنماط جديدة لها، والتوصل لحلول سياسية للأزمات التي تشهدها دول المنطقة، وليس من خلال الحلول الأمنية وغلق الحدود.
وفي قمة مجلس السلم والأمن الأفريقي حول جنوب السودان التي ترأسها السيسي، شدد الرئيس علي ضرورة التنسيق مع حكومة الوحدة الوطنية الإنتقالية بجنوب السودان، من أجل الاتفاق علي ولاية القوة المقترح نشرها، وعلي تشكيلها ومناطق انتشارها، بما يأخذ شواغل جنوب السودان في الاعتبار.
وَعبَّرَ عن استعداد مصر للمساهمة في بعثة الأمم المتحدة هناك وموافقتها علي الدفع بمستشفي ميداني ضمن قوات البعثة الأممية. في ذات الوقت دعا إلي إيجاد حلول عادلة للأزمة الإنسانية والنهوض بالوضع الاقتصادي المتردي في البلاد.
وفي القمة الخاصة بمتابعة تنفيذ المبادرة الأفريقية للطاقة المتجددة، أكد السيسي التزام مصر بالاستمرار في تقديم الدعم السياسي والفني المطلوب للانتهاء من تفعيل هذه المبادرة التي أطلقتها مصر في مؤتمر باريس للتغيرات المناخية، بما يراعي الأولويات الأفريقية، وتستهدف المبادرة معاونة الدول الأفريقية في الانتهاء من مشروعات لتوليد أكثر من ١٠ جيجاوات من الطاقة الكهربائية النظيفة بحلول عام ٢٠٢٠، تصل إلي ٣٠ جيجاوات عام ٢٠٣٠.
وقد تم اعتماد ٤٠ مشروعاً للمرحلة الأولي لهذه المبادرة، وتساهم فيها فرنسا بمبلغ ٢ مليار دولار عن طريق بنك التنمية الأفريقي، وتستفيد منها  مصر في ٣ مشروعات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وإعادة تأهيل سد أسوان.
•  •  •
وفي كلمته الشاملة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.. جذب انتباه الحاضرين، خروج الرئيس عن نص كلمته المكتوبة، وإعلانه نداء للشعب الإسرائيلي من أجل السلام وإنهاء النزاع مع الفلسطينيين، وهو تجديد أمام المجتمع الدولي بأسره للنداء الذي أطلقه منذ شهور خلال زيارته لأسيوط. قال الرئيس إن هناك فرصة حقيقية لكتابة صفحة مضيئة في تاريخ المنطقة بإقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل تعيشان معا في أمن واستقرار وازدهار. وأشار إلي تجربة السلام المصري الإسرائيلي مشيداً بها، وقال إنها قابلة للتكرار بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وقوبل هذا النداء بتصفيق وفود دول العالم، وكانت لفتة ذكية من الرئيس بتوجيه هذا النداء مرتجلاً، خروجاً علي رتابة الكلمات المكتوبة والعبارات الدبلوماسية المكررة التي تسود اجتماعات الجمعية العامة.
في تلك الكلمة أيضا، طاف الرئيس بأزمات المنطقة في سوريا وليبيا واليمن، ولفت الانتباه تشديده الواضح علي رفض مصر للتدخل الأجنبي في الشئون العربية، وتضامنها مع الدول العربية في مواجهة أي تدخلات خارجية في ضوء ارتباط الأمن القومي العربي  بما فيه أمن الخليج ـ بالأمن القومي المصري.
تناول الرئيس أيضا التحديات والأزمات الأفريقية وقضية التنمية بالدول النامية، واستطرد في قضية تهديد الإرهاب لدول العالم، مجدداً دعوة مصر لبلورة آلية دولية لمجابهة الإيديولوچيات المغذية للإرهاب.
وأنهي كلمته بعبارة لافتة داعياً البشرية إلي أن تستعيد جوهر إنسانيتها، فتتشارك في العلم والمعرفة والتكنولوچيا دون احتكار، ومشيراً إلي أن مصر كانت دوماً مثالاً لتراكم الحضارات.
•  •  •
 أهم مشاركات الرئيس السيسي علي الإطلاق في هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة، كانت في اجتماع الأمس لمجلس الأمن حول الأزمة السورية.
ليس فقط لأن مصر تتمتع بعضوية غير دائمة بمجلس الأمن هذا العام والعام المقبل.
وليس فقط لأنها أول مشاركة لرئيس مصري في قمة لمجلس الأمن.
وليس فقط لأن القضية المطروحة علي القمة هي الأزمة السورية، بما لسوريا من وضع شديد الخصوصية في الذهنية المصرية منذ عهد الفراعنة إلي حرب أكتوبر، لاسيما أن سوريا كانت هي الإقليم الشمالي لدولة موحدة جمعتها بمصر منذ عام ١٩٥٨ إلي عام ١٩٦١ هي الجمهورية العربية المتحدة.
إنما أيضاً لأن كلمة الرئيس كانت قاطعة وحاسمة فيما عَبَّرت عنه من مواقف محددة وما جرت عليه من عبارات لا تحتمل التأويل.
كانت كلمة الرئيس مكتوبة، ومع ذلك بدت وكأنها رد بليغ علي ما سبقها من كلمات لم تتعمق في جوهر المشكلة السورية.
قبل أن يتحدث الرئيس، استمع الحاضرون الي كلمة بان كي مون السكرتير العام للامم المتحدة، وتقرير دي ميستورا المبعوث الدولي بشأن الأزمة السورية، وكلمة جون كي رئيس وزراء نيوزيلندا  الذي تترأس بلاده الدورة الحالية لمجلس الأمن، ثم كلمتي سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي وجون كيري وزير الخارجية الأمريكي.
من أول جملة في كلمته المكثفة المركزة المرتبة، بدت نبرات صوت الرئيس حادة، وعباراته كالطلقات المتتابعة.
ركز السيسي في الكلمة علي أن حضور هذا الاجتماع ليس بغرض استعراض حجم المأساة وانما لأن يتحمل الجميع مسئوليته لإيجاد صيغة عملية لتجاوز نزيف الدم السوري وتصور موحد لحل الأزمة.
طرح الرئيس 3 ملاحظات من واقع قراءته للوضع الراهن إزاء الأزمة:
- أولا: ان المجتمع الدولي مستغرق في الأعراض دون التعمق في المرض، وان جوهر الأزمة هو غياب الحل السياسي العادل الذي يلبي تطلعات الشعب السوري. وأنه من الضروري استكمال اتفاق وقف العدائيات الذي تم التوصل إليه بجهد روسي أمريكي، بانتقال فوري نحو الحل السياسي.
- ثانياً: الحل السياسي لابد أن يعلي مبدأ الوحدة والسلامة الإقليمية لسوريا والمساواة بين كل مكوناتها مع استثناء التنظيمات الإرهابية.
- ثالثاً: استمرار مرور الوقت دون حل هو في صالح الإرهاب والطائفية.
وكانت من أقوي العبارات في كلمة الرئيس تأكيده علي ان من يراهن علي الحسم العسكري للأزمة السورية خاسر في رهانه، ومن يتصور وجود دور للتنظيمات الإرهابية في مستقبل سوريا واهم في تصوراته.
وشدد الرئيس علي إمكان إيجاد حل سوري للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات، مشيراً إلي تجربة مصر في استضافة مؤتمر جامع للمعارضة السورية عام ٢٠١٥ دون تدخل من أحد أو إملاء خارجي.
ودعا إلي احياء المفاوضات السورية كشرط ضروري لصمود أي اتفاق لوقف إطلاق النار.
واختتم كلمته بأن رؤية مصر تقوم علي ركيزتين:
- الأولي.. هي الحفاظ علي كيان ووحدة الدولة السورية.
- والثانية.. دعم التطلعات المشروعة للشعب السوري في التوصل لحل سياسي يرضي السوريين ويعبر عنهم ويوفر جهود اعادة الإعمار
وطالب ميستورا باستئناف المفاوضات فورا بين الحكومة وجميع قوي المعارضة، مؤكدا أن مصر ستقدم كل دعم ممكن للتوصل إلي الحل السياسي وإعادة الأمل للأشقاء في سوريا.
•  •  •
جاءت مشاركة الرئيس السيسي في القمم الخمس هذا العام كأوسع اطلالة لمصر علي المجتمع الدولي وبدت كلمته بالذات عن سوريا في قمة مجلس الأمن بمثابة حجر ألقي في نهر «هدسون» ونافذة في المبني الزجاجي للأمم المتحدة تجدد الهواء الراكد في أروقة المنظمة الدولية.
•  •  •
اليوم.. يختتم الرئيس السيسي زيارته الثالثة لنيويورك.
تبدو الزيارة دولية الطابع، في بعدها الخاص باجتماعات الجمعية العامة والقمم التي عقدت علي هامشها.
وتبدو كأنها جولة شملت عديداً من دول العالم، في بعدها الخاص باللقاءات الثنائية الكثيرة التي جمعت الرئيس خلال الأيام الثلاثة الماضية علي الترتيب بقادة اليمن وقبرص والنمسا وسكرتير عام الأمم المتحدة ورئيس المجلس الأوربي ورئيسة وزراء بريطانيا ورئيس وزراء العراق وملك الأردن والرئيس الفلسطيني ورئيس وزراء لبنان ورئيس وزراء مالطا ورئيس مقدونيا ورئيس وزراء رومانيا والرئيس الفرنسي.
وأيضا تبدو زيارة أمريكية خالصة، باللقاءين الأبرز مع المرشحة الديمقراطية للرئاسة هيلاري كلينتون والمرشح الجمهوري دونالد ترامب والاجتماعات التي عقدت مع أعضاء الكونجرس والشخصيات الأمريكية البارزة وخبراء مراكز الدراسات والتفكير والبحث، واعضاء الغرفة التجارية الأمريكية وممثلي مجلس الأعمال والشركات الأمريكية.
أقل من ٩٦ ساعة.. استغرقتها زيارة الرئيس السيسي لنيويورك، حفلت بلقاءات بدأت بعد شروق الشمس وحتي الساعات الأخيرة من الليل دون توقف.
وكانت الزيارة عنوانا لمبدأ الرئيس في العمل: «أكبر إنجاز.. في أقصر وقت».


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار