رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق || رئيس التحرير : خالد ميرى
يوميات الأخبار

أين نحن؟ وإلي أي اتجاه خطونا؟ وما هي غاية الطريق؟

يوميات الأخبار


محمد حسنين هيكل

  محمد حسنين هيكل
2/16/2017 7:49:11 PM

هذه إحدي يوميات الأستاذ التي نشرت في »أخبار اليوم»‬ منذ ٦٠ عاما في ٢٦ يناير ١٩٥٧
الإثنين:
أسئلة، ما أظن الحوادث أجابت عليها من قبل، بمثل الفصاحة والبلاغة التي أجابت بها هذا الأسبوع.
قبل أيام تدافع عدد كبير من مراسلي الصحف إلي مبني ماركوني، كل منهم يريد أن يبث قصة ظنها مثيرة، وظن دلالتها خطيرة.
قصة أن وزارة الداخلية المصرية اعترضت علي فيلم أمريكي يصور حوادث الثورة في المجر.. ولم تصرح بعرضه في دور السينما في مصر.
وحجة وزارة الداخلية أن شعب مصر مشغول بما حدث له في بور سعيد، عن الذي حدث لغيره في بودابست.
وحجتها أيضاً أن حوادث الثورة في المجر صاحبتها دعاية مقصودة منظمة، وإلا فلماذا لم تنل حوادث بورسعيد نصف أو ربع أو عُشر الذي نالته حوادث بوادبست - هذا إذا كان الأمر مجرد القيمة الإخبارية والإنسانية في كل منهما.
إن أفلاماً كاملة، تستغرق العرض كله، تزحم دور السينما في أمريكا مثلاً، هذا بينما لم تعرض دار واحدة في كل هذه القارة الشاسعة صورة واحدة لما حدث في بورسعيد أو سيناء.
ولكن معظم مراسلي الصحف، الذين تدافعوا إلي مبني ماركوني لم يأخذوا الأمر بهذه البساطة.. وراح كل منهم يحاول أن يجعل الظروف تحتمل ما لا تطيق.
كانت برقياتهم، تهز رؤوسها في خبث، وكأن الداهية الخارقة الذكاء، قد كشفت المستور وغاصت في البحر إلي الأعماق ولم تعد تخفي عليها خافية!
آه!
إن مصر لا تريد أن تغضب الشيوعيين.
إن رقباء الأفلام في وزارة الداخلية روس!
كذلك كانت لهجة البرقيات!
واليوم حدث شئ جديد.
تدافع عدد كبير من مراسلي الصحف إلي مبني ماركوني.
نفس العدد من الصحفيين.. في نفس المبني.
ولكنهم كانوا يهرشون رؤوسهم من الحيرة.
القصة - مرة أخري - متعلقة بالاعتراض علي فيلم.. بل خمسة أفلام.
ووزارة الداخلية المصرية نفسها هي جهة الاختصاص التي اعترضت علي الفيلم... بل الخمسة أفلام.
ولكن الأفلام هذه المرة كانت روسية.
كان قد أعلن في مصر عن أسبوع للسينما الروسية.
ومن الإنصاف أن يقال علي الفور أن السفارة الروسية لم تكن هي التي أعلنت، وإنما كان الإعلان من مؤسسة تجارية تصرفت في الأمر علي هواها.
وتحدد موعد العرض.. وجاءت الأفلام.
وإذا وزارة الداخلية تعترض.
وحجتها أن هذه الأفلام دعاية شيوعية مذهبية.. والترويج للمذهب الشيوعي في مصر ممنوع.
إن صداقتنا هي لدولة عظيمة، اسمها الاتحاد السوفيتي، وعاصمتها موسكو، أما المذهب الشيوعي، الذي نبيه كارل ماركس فشئ آخر.
ولكن المراسلين الذين كان الخبث يملأ عيونهم حين اعترضت وزارة الداخلية علي فيلم المجر، والذين كانت الحيرة تملأ نفس العيون حين اعترضت وزارة الداخلية علي عرض الأفلام الخمسة الشيوعية.. أثبتوا أنهم في الحالتين لا يعرفون شيئاً عن الحقيقة في مصر.
إنهم يجرون ويلهثون.. ويتصبب منهم العرق.. ولكن وراء المظاهر السطحية للأمور.
مظهر سطحي يدفعهم إلي أقصي اليسار.
ومظهر سطحي آخر يطوح بهم إلي أقصي اليمين.
والحقيقة ضائعة في الحالتين!
ولكن ما هي الحقيقة؟
ذلك سؤال أجابت عليه الحوادث بفصاحة وبلاغة هذا الأسبوع.. بل هذا الصباح نفسه!
بالأمس أذاعت الولايات المتحدة الأمريكية أنها قررت أن تزود قواعدها في أوروبا الغربية، وفي تركيا وإيران بالأسلحة الذرية.
وصباح اليوم أذاع الاتحاد السوفيتي تحذيراً إلي الدول التي تستخدم الولايات المتحدة قواعدها وتزودها بالأسلحة الذرية - بأن قبولها لهذا الوضع سوف يعرض بلادها للضرب بالأسلحة الذرية والقذائف الموجهة.
هذه هي الحقيقة.
أمريكا في ناحية بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة.
وروسيا في ناحية بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة.
وغداً أو بعد غد، أو بعد شهر أو سنة، أو من يدري متي؟
قد تمتد الأيدي إلي الأزرار وينطلق الجحيم عبر السماء طائراً من هنا وهناك!
وماذا يصنع الذين لا تضم مخازنهم قنابل ذرية أو قذائف موجهة؟
هناك دول تريد أو تريد حكوماتها علي الأقل - أن تكون بلادها ميادين للصراع ووقوداً للجحيم.
وهذا شأنها!
وهناك دول أخري لا تريد لنفسها هذا المصير.
إنها لا تريده للدنيا كلها أولاً - ومن هنا تحاول جهدها أن تخفف التوتر العالمي، وتدعو إلي محاولة تفاهم يتيسر معه العيش في سلام.
ذلك أقصي مناها.
ولكن اليأس يدفعها في كثير من الأوقات - وبينها هذا الوقت العاصف الذي تعيش فيه - إلي أن تطلب السلامة لنفسها علي الأقل، مادام قد عز عليها وبعد، أن تطلب السلامة للجميع!
ومصر بين هذه الدول.
إنها لا تريد حرب قنابل ذرية وقذائف موجهة تقلب وجه الأرض كله.
ذلك أقصي مناها..
ولكن إذا استحال هذا الأمل الكبير، فرجاء مصر بعد ألا تتحول أرضها هي - إلي ميدان قنابل ذرية وقذائف موجهة!
ذلك سبب من الأسباب التي تجعل مصر تنفر من سياسة الأحلاف العسكرية!
نحن لا نسمح لأمريكا أن تنشئ قواعد عسكرية في بلادنا، كقواعدها في العراق وتركيا مثلاً - لأننا لا نريد أن توجه روسيا إلي هذه القواعد القابعة في بلادنا قنابلها الذرية وقذائفها الموجهة.
وعلي نفس المقياس نحن لا نسمح لروسيا أن تنشئ قواعد عسكرية في بلادنا.
وهي لم تطلب ذلك علي أي حال - لأننا لا نريد أن توجه أمريكا إلي هذه القواعد القابعة في بلادنا قنابلها الذرية وقذائفها الموجهة!
وإذا كان دخول نوري السعيد في حلف بغداد مثلاً يرضي أمريكا، بينما مقاومة جمال عبد الناصر لهذا الحلف الذي يهدف إلي إحكام نطاق الحصار بالقواعد العسكرية حول روسيا - يغضب أمريكا - فذلك حقها.
حقها أن ترضي.
وحقها أن تغضب!
ونحن في مصر، لا نريد حقيقة أن نتعرض لغضب أمريكا، ومن أمانينا أن تكون بيننا وبين أمريكا يوماً من الأيام علاقة طيبة.
ولكن إذا كان ثمن رضا أمريكا - والعلاقة الطيبة معها - أن تكون في بلادنا قواعد عسكرية لها أو لأحلافها تعرضنا لحرب القنابل الذرية والقذائف الموجهة - فلتعذرنا أمريكا إذا قلنا لها بهدوء ومن غير مرارة:
شكراً... إن الثمن غال، وليس في طاقتنا أن ندفعه!
لنترك أفكار الحرية، ومبادئها، وأغانيها المجنحة.
نترك هذا كله ونتحدث بلغة الصفقات، فربما كان ذلك أقرب إلي منطق أمريكا.
إن الصفقة.. هكذا.
رضا أمريكا وفوقه مائة مليون دولار، وهو رقم يشطح علي أي حال مع عرائس الأحلام.. ومع ذلك.. ليكن!
تلك كفة من الميزان؟
وفي الكفة الثانية قنابل ذرية وقذائف موجهة لا نعلم متي تنصب فوق رءوسنا!
رأيي الخاص - وما أظن أحداً يستطيع أن يتهمني بالشيوعية - هو أنها صفقة خاسرة.
إننا نريد صداقة أمريكا.
صداقة تجارة نعم... وصداقة ثقافة نعم... وصداقة فهم نعم ونعم.
ولكننا لا نريد صداقة شرطها الأول قاعدة عسكرية.
لا...
لا مهما كان مبلغ المعونة الأمريكية مقدراً بالدولارات.
تلك رغبة شعب صغير.. ليس بين مطامعه أن يسيطر علي الكرة الأرضية بأسرها... فلماذا يدفع ثمن مطامع غيره..؟!
لقد كان من سوء حظي أو حسن حظي - لا أدري - أنني زرت في يوم من أيام يناير سنة 1953 مدينة هيروشيما التي كان من نصيبها أن تكون أول بقعة علي الأرض تلتقي وجهاً لوجه بالقنبلة الذرية.
وكانت القنبلة الذرية في بداية عمرها ولم تكن قد وصلت إلي الذي وصلت إليه الآن والذي يقدره العلماء بأنه أقوي - أي أشد تدميراً - مما كانت عليه القنبلة أيام هيروشيما بألف مرة علي الأقل!!
ولقد قُتل في هيروشيما 168000 شخص من تأثير هذه القنبلة التي كانت يومها في بداية عمرها وأصبحت الآن أقوي مما كانت ألف مرة علي الأقل!
ولقد تقدم إليّ، وأنا واقف أتفرج علي بؤرة الانفجار في هيروشيما، شاب ياباني يحمل مجموعة من تذكارات انفجار القنبلة الذرية يبيعها للزوار.
وعرض عليّ الياباني أنواعاً من التذكارات رأي أنها لم تثر حماستي، فإذا هو يقدم لي زجاجة صغيرة فيها حفنة رماد.. ثم يقول لي:
هذه بقايا طفلة صغيرة لم يبق منها إلا هذا الرماد.. هل تحب أن تشتريها وتحتفظ بها في بيتك وتقول إن لديك رماداً ذرياً لطفلة من هيروشيما.. إن الثمن رخيص.. ألف ين فقط!
وتأملت الرماد الحزين، ثم هززت رأسي وقلت:
شكراً.. إن ثمنه غال بالنسبة لي.
ولم يفهم بائع التذكارات الياباني في هيروشيما فعاد يقول:
خذها بخمسمائة ين فقط.. ها هي.
ومرة ثانية هززت رأسي وقلت:
شكراً.. مازال الثمن غالياً.. لست أقصد الثمن بالين الياباني.. حتي لو أعطيتني الرماد من غير ين واحد.. سأظل أري أن الثمن غال.. هل فهمتني؟
ولم يبد عليه أنه فهم.. ولكنه مضي إلي حال سبيله علي أي حال؟
ولست أريد أن أناقش ظروف إلقاء القنبلة الذرية علي هيروشيما.
ولا هو من شأني أن أُعلم أمريكا أو روسيا مبادئ الأخلاق والإنسانية.
ولكن من حقي أن أتمني - وأعمل علي تحقيق ما أتمني بكل ما أملكه وهو قلمي - حتي لا يتعرض وطني لتجربة كتجربة هيروشيما.. أو أشد ألف مرة!
إنني - وكثيرين غيري في مصر - نريد صداقة أمريكا.
إنني - وكثيرين غيري في مصر - نريد صداقة روسيا.
ولكننا جميعاً، لا نريد أن نشتري الصداقة بالقواعد العسكرية تتجمع فيها القنابل الذرية والقذائف الموجهة.. ثم ننتظر ضغطة علي زر من واشنطن أو من موسكو.
لقد بدأت هذا الحديث بثلاثة أسئلة.. فهل استطعت أن أستخلص إجابة الحوادث هذا الأسبوع عليها.
لقد تساءلت:
أين نحن؟
وإلي أي اتجاه خطونا؟
وما هي غاية الطريق؟
ومن عجب أن الإجابة عليها.. هي الثلاثة.. كلمة واحدة هي: مصر.
نحن في مصر.. ومصر اتجاه خطونا.. ومصر غاية الطريق!
إنني أحب طفلي الصغير.
ولست أريد أن يوضع رماده في زجاجة صغيرة ليباع لطالبي التذكارات بعد حرب بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة!
نعم.. لست أريد وملايين الآباء مثلي لا يريدون!
هل هذا واضح؟!
الثلاثاء:
يظهر أنه سوف يجئ الوقت الذي تدخل فيه القرود مدرجات كلية الطب، لتلقي علي طلبتها دروساً في الحكمة التي لم يصل إليها »‬أبو قراط».
ويظهر أن انتظار هذا الوقت لن يطول، بعدما تبين أن القرود تعرف من أسرار العقاقير - ما راحت عيون البشر تتأمله في دهشة وذهول.
ذلك هو الاكتشاف الذي عاد به المليونير عبد اللطيف أبو رجيلة من رحلة أخيرة له في السودان.
قال لي أبو رجيلة اليوم في اقتناع ويقين:
أنا أستطيع أن أقسم أن القرود تفهم في الطب... وتفهم فيه بعمق كذلك!
واستطرد أبو رجيلة:
إذا أنا أنكرت هذا فسأكون كالذي ينكر شيئاً رآه بنفسه... بعينه!
ثم بدأ المليونير يروي القصة:
كنت أزور أحد المشروعات الجديدة قرب خزان سنار.
ومشيت مع صاحب المشروع نتحدث في الزراعة وكان بين ما قاله لي »‬أن أكثر ما يهدد محصولاته هو قبيلة من القرود الكبيرة من نوع الميمون تقوم بغارات منظمة علي حقوله فتلتهم كل ما فيها... أو تفسد ما لا تلتهمه!».
ثم قال لي صاحب المشروع:
إن اليوم هو اليوم الحاسم في علاقتنا بقبيلة القرود فلقد وصف لي أحد الخبراء نوعاً من السموم نثرناه علي المحاصيل وحين تجئ القرود لالتهام المحاصيل لن تدري أنها تلتهم معه حتفها وقدرها المحتوم!
واستطرد المليونير أبو رجيلة يقول لي:
وقضيت الليلة في المزرعة، واستيقظت في الفجر علي صراخ وعويل وأسرعت إلي الخارج أستطلع الأمر وإذا بي أري في هذه الفترة من الصباح الباكر، عشرات القرود تصرخ وتعوي وتتلوي.
وأقبل صديقي صاحب المزرعة يفرك كفيه فرحاً:
أكلت السم... أكلت السم!
وفجأة قفز من شجرة قريبة... قرد كبير وقف وسط القرود الصارخة العاوية المتلوية.
وكان القرد كبيراً بدرجة تلفت النظر وكان واضحاً أنه زعيم قبيلة القرود.
وطاف القرد الكبير... الزعيم بأفراد قبيلته التي أكلت السم... وكان الهم بادياً عليه والقلق.
ثم فجأة قام بحركة... والتفتت إليه جميعاً وسط آلامها.
ثم تقدمها وسارت من خلفه إلي دغل حشائش وبدأ يأكل.. وبدأت تأكل معه.
وقال صديقي صاحب المزرعة:
إن هذا النوع من الحشائش يصيب من يأكله بالإسهال!
وفرغت عملية الأكل فاتجه القرد الكبير إلي ترعة ماء ووراءه قبيلة القرود، ثم راح يشرب، وهي وراءه تعب الماء بظمأ لاح أن ماء الترعة كلها لن يرويه.
ثم توقفت عملية الشرب... وبدأت عملية »‬الإسهال»!
كل هذا وأنا وصديقي نرقب العملية بفضول مفتوح العينين من فرط الاستغراب!
وقال صديقي:
إن الإسهال سوف يسهل خروج السم من جوفها.. ولكنها ستموت من الإسهال!
ولم يكد يفرغ من عبارته حتي اتجه القرد الكبير إلي شجرة عالية ثم صعد عليها وبدأ يهزها بعنف وإذا ثمارها تتساقط علي الأرض وإذا القرود المصابة بالإسهال - بعد السم - تقبل عليها تلتهمها بشراهة... وكنت أعرف هذه الشجرة وأعرف ثمارها التي تشبه المشمش... أن اسمها شجرة »‬العرديب».
وفجأة لقيت صديقي صاحب المزرعة يقول:
يا لها من مصيبة.
قلت: ماذا حدث؟
قال: هل تعرف خصائص ثمار العرديب.
قلت: لا!
قال: هي مطهرة ومقبضة!
وقد كان...
ما أن فرغت القرود من أكل ثمار »‬العرديب»، حتي توقف الصراخ والعواء والتلوي... وتوقف الإسهال أيضاً!
لقد كان علاج القرد الكبير لرعاياه التي أكلت السم علاجاً طبياً من الدرجة الأولي لحالة التسمم.
أعطاها حشائش للإسهال.
ثم ماء كثيراً من الترعة لغسل البطن.
ثم ختم بالعرديب.. دواء يطهر.. ويقبض.
وسكت أبو رجيلة ثم قال لي:
ماذا يستطيع أستاذ في كلية الطب أن يفعل أكثر من هذا؟

عدد المشاهدات 376

الكلمات المتعلقة :

تعليقات القرّاء