رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق || رئيس التحرير : خالد ميرى
ملف العدد

ولدا في بيت الأمة وتأثرا في النشأة بسعد زغلول وثورية أمهما وشجاعة أم المصريين

الشمعة 103 للعملاقين علي ومصطفي أمين


  إعداد: عاطف النمر
2/21/2017 10:22:28 AM

ولد الأخوان علي ومصطفي أمين في 21 فبراير من عام 1914 بمنزل خال والدتهما الزعيم سعد زغلول الذي عرف ببيت الأمة، وسر الزعيم بمولدهما سرورا عظيما حيث ان زوجته صفية كانت لا تنجب اطفالا فأعتبر مولد الطفلين في بيته أفضل أمنية تمناها، وفي نفس الوقت اصاب مولد التوأمين الأهل بالدهشة، حيث ان ميلاد توأمين لم يكن شائعا في تلك الفترة، كما اصيبت الأم رتيبة زغلول بالخوف والحيرة، فقد تساءلت عن مولدهما : كيف تستطيع تربية ولدين في وقت واحد ؟»‬.
كان جدهما لأبيهما الشيخ أمين يوسف عالما من رجال الدين وصاحب مجلة دينية اسمها »نور الاسلام»، وأحد الذين حكم عليهم بالنفي إلي خارج مصر ابان الثورة العرابية، كما كان عضوا بارزا في جمعية» مصر الفتاة»، وهي أول جمعية تألفت في مصر علي غرار جمعية» تركيا الفتاة».
تأثير سعد باشا
كان والدهما محمد أمين يوسف يعمل محاميا بمدينتي دمياط والمنصورة، وعمل سكرتيرا عاما مساعدا لمجلس الشيوخ، وانضم إلي رجال السلك الدبلوماسي واخذ يتدرج فيه حتي شغل منصب وزير مصر المفوض في واشنطن، والخبير الاقتصادي المصري بالسودان، بالاضافة إلي انه احد رجال الوفد البارزين الذين يستمع اليهم سعد باشا زغلول ويأخذ بنصائحهم، وله مواقف وطنية عديدة، فعندما اصدرت الحكومة امرا بمنع الشعب من توقيع التوكيلات للوفد كان احد الذين تصدوا للقرار ونجح في الحصول علي التوكيلات من عواصم مديريات طنطا والمنصورة والزقازيق وبورسعيد ودمياط، وقد تأثر علي ومصطفي أمين في نشأتهما الأولي بثلاث شخصيات : اولها الزعيم الخالد سعد زغلول، وثانيها امهما رتيبة زغلول، وثالثهما زوجة الزعيم صفية زغلول، فكان للفترة التي قضاها الشقيقان في منزل سعد زغلول تأثيراتها المباشرة علي نشأتهما وتعلما فيها الكثير من الدروس ومن اهمها» الديموقراطية» ويذكر مصطفي أمين ان اتجاهه للصحافة وعشقه لها كان من احد التأثيرات الايجابية للدروس التي تعلمها من الزعيم سعد زغلول الذي كان يؤمن بأن تكميم الصحافة اشد خطرا من الغاء البرلمان فكان يقول: إن الشعب الذي يفتقر لوجود صحافة حرة هو شعب أبكم لا يملك القدرة علي الكلام. واذا كان الانسان حيوانا ناطقا كما يقول العلماء فإن حرمان الشعب من الصحافة الحرة يعني تحويله إلي شعب من الحيوانات»، وبالتالي فإن سعد زغلول كان له دور كبير في تكوين شخصية علي ومصطفي أمين في مرحلة مبكرة من حياتهما.
الدور المؤثر للأم
اما الشخصية الثانية التي لعبت دورا هاما في حياة علي ومصطفي أمين فهي والدتهما »‬رتيبة زغلول» التي نشأت وتربت في بيت خالها الزعيم سعد زغلول، ويلاحظ ان علي ومصطفي أمين لم يذكرا إلا نادرا اي دور لعبه والدهما في مرحلة نشأتهما الأولي ويرجع السبب في ذلك كما يقول مصطفي أمين إلي ان والدهما كان منشغلا بعمله بالمحاماة بمدينة دمياط، وقد نوه علي أمين بالدور الذي لعبته الام في نشأتهما الأولي في العديد من المقالات التي كتبها في الصحف والمجلات ومنها ما كتبه من افكار للأطفال في مجلات دار الهلال، ومن امثلة ما كان يكتبه» كانت أمي تقيم الدنيا وتقعدها اذا نسيت نفسي ووضعت قدما علي قدم أمام من هم اكبر مني سنا، وكانت امي تصر علي ان اعامل الناس معاملة غير عادية وان اسرف في احترامهم حتي يفتحوا لي قلوبهم، وعلمتني امي ان احيي الناس حتي الذين لا اعرفهم اذا دخلت من الباب، ان وراء كل رجل عظيم ام عظيمة احبته واعطته درسا اثر في حياته، وكان سببا في نجاحه وتكوين شخصيته، بينما يقول مصطفي أمين فيما كتب وتحدث :
»‬ انا مدين لأمي بالكثير من اسباب نجاحي، فقد كانت اذا آمنت بشيء اخلصت له بصدق شديد، فكانت امي مثلا مؤمنة ايمانا غريبا بثورة 1919 فبلغ اهتمامها بهذه الثورة ان اشتركت في تهريب المنشورات تحت ملابسها وكأنها حامل عندما سافرت لبورسعيد وسلمت المنشورات لقاضي محكمة بورسعيد المستشار احمد الصاوي احد أعضاء الجهاز السري في الثورة.
تأثرهما بأم المصريين
اما الشخصية الثالثة التي لعبت دورا بارزا في مرحلة النشأة الاولي لعلي ومصطفي أمين فهي السيدة صفية زغلول اذ يقول عنها علي أمين: علمتني ام المصريين حب القراءة فقد كانت ترفض »‬ان تعطيني شلنا» اذهب به إلي السينما إلا اذا رتبت كتب سعد زغلول، ولهذا كنت أحبس نفسي لساعات في مكتبته لأمسح ترابها وارتبها في مكانها وبعد اسابيع بدأت احب الكتب التي انظفها وارتبها واصبحت أحس انها اصدقائي»
اما مصطفي أمين فقد قال في مذكراته التي كتبها بعد مرور ما يقرب من نصف قرن علي حادث اعتقال سعد زغلول انه يتذكر جيدا هذا اليوم وانه رأي وشقيقه علي أمين ام المصريين صفية زغلول ومعاها نخبة من سيدات المجتمع وهن يتولين اعداد قائمة كبيرة باسم كل محل انجليزي او شركة أو مطعم من الاسكندرية إلي اسوان طبعتها في آلاف من النسخ وكان اقبال الشعب علي مقاطعة منتجاتها رائعا»
الإرهاصات الأولي
من هنا ساعدت ظروف ومناخ النشأة التي وجد فيها علي ومصطفي امين أنفسهما داخل الاحداث في بيت الامة علي نبوغهما الصحفي ورغبتهما الجارفة في ممارسة المهنة وهما في سن الطفولة في بعض المجلات التي اصدراها، ففي عام 1922 اصدرا مجلة »‬الحقوق» وكان عمرهما وقتها 8 سنوات، وفي تلك الفترة كانت اخبار بيت الامة تملأ كل الصحف واكتشفا انهما يعرفان كل هذه الاخبار قبل نشرها بحكم وجودهما في بيت سعد زغلول، ففكرا في كتابة هذه الاخبار في كراسة مدرسية واطلقا عليها اسم» الحقوق» مكتوبة بالقلم الرصاص وكتب عليها انها صحيفة سياسية يومية أدبية وكانت المجلة تتضمن اخبارا خاصة عن المدرسة، وقد اثارت المجلة اعجاب افراد العائلة سعد باشا وصفية زغلول لكن والدتهما رفضت الفكرة لأنها رأت ان ذلك سوف يشغلهما عن تحصيل الدروس فأمرت بعدم اصدار المزيد من الاعداد، وامام معارضة الاسرة نقلا نشاطهما من المنزل إلي المدرسة فزاد قراء المجلة من خمسة افراد في البيت إلي 300 طالب هم تلاميذ مدرسة المنيرة الابتدائية، وفكرا في طباعة المجلة بالبالوظة، ونجح علي ومصطفي في نقل ماكينة البالوظة من البدروم ببيت الامة إلي السطوح، وواجهتما مشكلة الحصول علي الورق الذي تطبع عليه المجلة فقاما ببيع النسخ مقدما قبل طباعتها لزملائهما بالمدرسة مقابل سن ريشة جديد وجمعوا هذه» الاسنة» ونجحا في مقايضتها في احدي المكتبات بشارع الفلكي بالورق الذي يحتاجانه، وبدأ الشقيقان بعد ذلك في البحث عن مصدر لتمويل المجلة فكانت شركة الشيكولاتة اعلنت عن مسابقة جائزتها 10 جنيهات فقاموا بشراء العديد من قطع الشيكولاتة علي امل الفوز بالجائزة ولم يحالفهما الحظ وبالتالي استمرت صحيفتهما الاولي في عدم الانتظام في الصدور بسبب تعثر التمويل.
الحقوق - والبيان
في عام 1923 انفصل التوأمان واصبح لكل منهما مجلته الخاصة التي يحررها فاستمر مصطفي امين يصدر مجلة »‬الحقوق»، أما علي أمين اصدر مجلة اسمها »‬البيان» وحاول علي أمين عمل رسوم كاريكاتورية في مجلته مقلدا صور نوادر الشاويش عطية التي كانت تنشرها مجلة »‬الاولاد»، ثم عاد التوأمان لإصدار مجلة مشتركة باسم مجلة »‬الاسد» مكتوبة بالقلم الرصاص وفي يناير 1924 اختفت المجلات التي كان كل منهم يحررها بخط اليد عندما قررا الاتجاه لطباعة المجلات فأصدرا مجلة باسم »‬سنة تالته تالت» علي اسم فصليهما، واصدرا مجلة اخري اسمها »‬حارة البابلي» التي نشرا فيها واقعة اطلاق الرصاص علي الزعيم سعد زغلول وحللا ابعاد الجريمة، وبعدها قررا تحويل اسم مجلة »‬سنة تالته تالت» إلي مجلة الطالب واتجهوا لطباعتها بالبالوظة بدلا من نسخها بالكربون واستخدما فيها الصور الفوتوغرافية، وفي نوفمبر1924 غيرا اسم مجلتهما إلي »‬الطالب المصور»، ثم غيرا اسمها في عام 1925 إلي (التلميذ) لعدم وجود حرف الطاء في المطبعة التي كانا يطبعان فيها مجلة »‬الطالب».
رهن الساعات الذهبية
وفي تلك الفترة كان علي ومصطفي أمين في حاجة شديدة إلي المال للاستمرار في طبع مجلتهما، ولم يجدا سوي حل واحد سوي ان يبيع كل منهما ساعتهما الذهبية، فتوجها إلي محل رهونات بشارع زين العابدين بالسيدة زينب اسمه »‬بنك يعقوب» ورهنا الساعتين الذهبيتين بمبلغ »‬12 قرشا»، وفي نفس اليوم توجها إلي ادارة مجلة المكتشف بصحبة زميلهما حمدي فرج وتعاقد الثلاثة علي طلب قرض قيمته جنيه مصري واحد لاصدار العدد الخامس من مجلة »‬التلميذ» والتي ما لبثت ان توقفت عن الصدور نتيجة هجومهما علي وزارة محمد محمود باشا واستأجرا بعد ذلك مجلة »‬الاقلام» صدر منها عددان وتوقفت ايضا عن الصدور، فاتجه بعد ذلك إلي العمل في الصحف الكبري فقصدا دار البلاغ» وصحيفة »‬الجهاد» وتنقلا من دار إلي دار إلي ان دخلا مرحلة الاحتراف بالتتلمذ علي يد أمير الصحافة المصرية احمد التابعي الذي كان له تأثير كبير عليهما في مشوارهما الصحفي.

سيدة الغناء تنقذ الأخوين و»‬أخبار اليوم» من الإفلاس

كانت أم كلثوم لغزا في حياة مصطفي أمين مثلما كان هو الاخر لغزا في حياتها، ولهذا سرت شائعة زواجهما العرفي التي اكدتها د. رتيبة الحفني في ندوة لها بمكتبة الاسكندرية وقالت ان أم كلثوم ارتبطت بزواج سري لمدة 11 عاما مع مصطفي أمين، وقالت إن أم كلثوم نفسها هي من أفشي إلي المقربين منها أن عقد زواجها من مصطفي أمين موجود عند الرئيس عبد الناصر، عندما تم العثور عليه بمكتبه عقب إلقاء القبض عليه في القضية الشهيرة التي اتهمه فيها نظام عبد الناصر بالتجسس لصالح الولايات المتحدة الامريكية، لكن كتابات مصطفي أمين لم تشر مطلقا لزواجه السري او العرفي من أم كلثوم، كتب عن ام كلثوم عندما تحدث عن ذكريات إصدار »‬أخبار اليوم» فكتب يقول :
كانت أم كلثوم متحمسة جداً لإصدار صحيفة مصرية خالصة.. وأول نسخة من »‬أخبار اليوم» حملتها وذهبت بها إلي بيتها في الزمالك، كان الوقت منتصف الليل، فرحت جداً وكانت من اللحظات السعيدة في حياتها وطبعاً في حياتي.. كانت أم كلثوم أول من شجعنا علي إصدار »‬أخبار اليوم»، وأول من وقفت معنا، وحدث أن خاضت »‬أخبار اليوم» معركة طاحنة مع إحدي الحكومات، صحفها تصادر كل يوم، المظاهرات تضربها بالطوب، مجهولون يلقون عليها القنابل والديناميت، محرروها يزجون في السجون والمعتقلات، وأصدرت الدولة أمراً إلي الشركات والمحال التجارية بعدم نشر إعلانات في »‬أخبار اليوم»، ورضخت بعض الشركات للضغط وخافت أن تغضب الدولة فامتنعت عن نشر الإعلانات، ووقعت أخبار اليوم في ضائقة مالية وبعنا البيت الذي نملكه في الروضة، ولكن لم يكف سداد المطلوب، وبعنا أسهم أبي في شركة بيع المصنوعات المصرية ولكن ابتلعتها الجريدة الجائعة، وذهبنا إلي البنوك نقترض منها ولكن صدرت الأوامر للبنوك بالامتناع عن إقراض »‬أخبار اليوم»، وكنا قد استنفدنا كل ما نستطيع أن نقترضه من البنك العربي ونذكر هنا أن صاحبه الفلسطيني عبدالحميد شومان فتح حساباً لأخبار اليوم علي بياض بثلاثين ألف جنيه، ولكن الثلاثين ألف جنيه انتهت أيضاً وامتدت أيد كثيرة لتنقذنا، وكنا نخفي هذه الحقيقة عن كل من يعمل معنا، كنا نضحك وقلوبنا تبكي، كنا نكتب ولا نعرف هل سنجد ثمن الورق الذي ستصدر به الجريدة في اليوم التالي، وذات يوم دق جرس التليفون في مكتبي وإذا بها أم كلثوم وقالت أنها تريد أن تقابلني أنا وعلي أمين فوراً في بيتها، فذهبنا إليها فقالت أنها علمت أننا في أزمة خانقة وأن »‬أخبار اليوم» مهددة بالإفلاس وأنها علي استعداد لأن تضع كل مليم تملكه تحت تصرف» أخبار اليوم» وبهتنا وسألناها من أين عرفت هذا السر فقالت أنها ترفض أن تقول من أين علمت بهذا السر، وأحضرت لنا مبلغ عشرين ألف جنيه وقالت أنها مستعدة لأن تبيع مصاغها وبيتها وتقدم لنا حتي مائة ألف جنيه قلنا لها انت مجنونة، إن هذا المبلغ قد يضيع، قالت: »‬إن الذي يهمني هو ألا تموت جريدة مصرية»، فقلنا لها: »‬إننا نشك في أننا نستطيع أن نسدد لك هذا المبلغ قبل سنوات»، قالت : »‬لا أريد أن تسددوه إلا بعد أن تسددوا آخر دين عليكم للآخرين»، واكتفينا بمبلغ 18 ألف جنيه،وأردنا أن نكتب إيصالاً باستلامنا المبلغ ورفضت أم كلثوم أن تكتب هذا الإيصال، وكتبنا الإيصال فمزقته ورمته في وجوهنا.
• • •
ولأم كلثوم حكايات أخري رواها مصطفي وعلي أمين لا تتحملها المساحة.

حكاية »‬فكرة» من علي إلي مصطفي أمين

ظهر عمود فكرة مع صدورجريدة »‬الأخبار»، فقد تم الاتفاق بين رؤساء تحرير الصحيفة علي إخراج الصفحة الأخيرة من صحيفة »‬الأخبار» في صورة مشوقة للقارئ، حيث كانت هذه الصفحة لا تلقي الاهتمام الكافي من الصحفيين المصريين، ويقول مصطفي أمين في حديث أدلي به لمجلة آخر ساعة بتاريخ 7 إبريل عام 1982م أنه كان هناك اقتراح بإنشاء عمود يومي في الصفحة الاخيرة لـ»‬الأخبار» علي أن يتناوب الكتابة في هذا العمود أحمد الصاوي محمد، ومحمد زكي عبدالقادر، وكامل الشناوي، وجلال الدين الحمامصي، وعلي أمين ومصطفي أمين وذلك علي اعتبار أن صحيفة »‬الاخبار» تصدر ستة أيام في الاسبوع ورفض الجميع هذا الاقتراح إلا علي أمين الذي تحمس لكتابة هذا العمود في الصفحة الاخيرة، وأخذ يبحث عن عنوان له حتي حصل علي إكليشيه باب »‬علي فكرة» وكان ينشر هذا الباب في آخر ساعة، وقام علي أمين بتغيير اسمه إلي »‬فكرة» بدلا من »‬علي فكرة» وتطوع بكتابة أول فكرة بتاريخ 25 يونيو عام 1952، أي بعد 15 يوما من صدور الصحيفة، وفي اليوم الثاني رفض رؤساء التحرير المساهمة في كتابة هذا العمود، واضطر علي أمين ان يكتب فكرة للمرة الثانية، واستمر علي أمين يكتب هذا العمود في الصفحة الأخيرة من »‬الأخبار». وعن فلسفة وضع عمود »‬فكرة» في الصفحة الأخيرة من الجريدة كتب علي أمين: اذا اعجب القارئ بعمود»‬فكرة» سيقلب الصحيفة ليقرأه من الصفحة الاخيرة، وإذا لم يعجبه الباب فلن يقرأه ولو وضع في الصفحة الأولي، وقد تمتع عمود»‬فكرة» بسعة انتشار لم يحظ بها أي عمود صحفي في تاريخ الصحافة العربية.ويقول أنيس منصور عن عمود »‬فكرة»: لقد رأيت علي امين وهو يكتب فكرة التي تظهر في مكانها من هذه الصفحة منذ صدرت »‬الأخبار». إنها قصيرة ومبسطة والمفردات اللغوية التي يستخدمها علي أمين محدودة، ومن النادر أن تجد كلمة أو تركيبا لغويا لا تفهمه وحتي عندما تتحول فكرة إلي روشتة طبيب فإن المعاني تكون في غاية الوضوح».
ولم يكتف علي أمين بكتابة عمود فكرة في »‬الأخبار» فقط، انما كتبه ايضا في مجلة »‬الجيل» وصحيفة »‬أخبار اليوم»، ومجلة »‬هي» وانتقل بعمود »‬فكرة» إلي مجلة »‬المصور» عندما اجبر علي ترك مؤسسة »‬أخبار اليوم» إلي »‬دار الهلال»، وحينما انتقل علي أمين من »‬أخبار اليوم» إلي جريدة »‬الأهرام» عام 1965، قرر أن يواصل كتابة عموده »‬فكرة» في الأهرام، إلا ان محمد حسنين هيكل الذي كان يشغل منصب رئيس التحريرفي ذلك الوقت كان له رأي آخر، إذ كان يري أن أبواب كل صحيفة يجب أن تبقي لها ولا تنتقل إلي غيرها بانتقال محررها أو كاتبها، وكان هيكل غير متحمس للأبواب اليومية الثابتة بل كان يفضل المقال الاسبوعي، ولهذا فلم يستمر علي أمين في كتابة عمود»‬فكرة» بالأهرام.
في عام 1966بدأ مصطفي أمين يناشد شقيقه علي أمين ألا يتوقف عن كتابة »‬فكرة»، وكتب له في أحد الخطابات قائلا: يجب أن تعود لكتابة فكرة من جديد ولا تكتفي أن تعبر عن حبك لبلادك في خطابات تكتبها لي أو في عملك الصامت لخدمة بلادنا إنك تقتل موهبتك، تتحول من كاتب عظيم إلي صفر، ربما إذا عدت كاتبا من جديد يشعر بك الناس أن لك قيمة».. وكتب علي أمين من منفاه في لندن إلي مصطفي أمين المعتقل بسجن ليمان طره معبرا عن أمنيته في كتابة عمود»‬فكرة» مرة ثانية في أحد الخطابات:» إنني افتقد الفكرة التي كنت اكتبها بانتظام في »‬الأخبار» و»‬أخبار اليوم»، وكثيرا ما اتوقف عن قراءة الجريدة التي أقرأها لأفكر في موضوع يصلح كفكرة، وأحلق فترة من الخيال ثم أستأنف قراءة الجريدة.. وقد رأي عمود »‬فكرة» النورمرة أخري بعد الافراج عن مصطفي أمين، وعودة علي أمين من لندن فكتب »‬فكرة» في جريدة» الأهرام التي عينه الرئيس السادات رئيسا لمجلس إدارتها، وانتقلت معه »‬فكرة» عند عودته لمؤسسة» أخبار اليوم» منتصف 1974، واستمر في كتابتها حتي وفاته في 3 إبريل عام 1976، ومن 5 إبريل1976تولي مصطفي أمين كتابة »‬فكرة» بأسلوب يختلف قليلا عن الاسلوب الذي كان يكتب به علي أمين، فقد حول مصطفي أمين عمود»‬فكرة» في كثير من الأحيان إلي مقال سياسي يتميز بالحدة والجرأة ويتضمن بعض الحكم السياسية التي تعبر عن واحد من أبرز المفكرين السياسيين في العالم العربي، واستمر يكتب» فكرة» حتي وفاته في 20 مارس عام 1997.

فكرة!

ان امنيتي ان تملك كل أسرة في بلادي بيتا صغيرا بحديقة!
وامنيتي ان يكون في كل بيت مطبخ حديث وراديو وتليفون وجهاز تليفزيون!
وأمنيتي ان تملك كل أسرة عددا من الأسهم والسندات كما هو الحال في اليابان! فإن الباعة المتجولين اليابانيين يطوفون علي البيوت الصغيرة في القري ويبيعون للفلاحين والعمال الاسهم والسندات بالتقسيط.!
وأمنيتي ان نخلق عملا لكل زوجة ولكل طفل! امنيتي ان  اضاعف دخل العائلة الصغيرة، بإيجاد عمل مناسب يتناسب مع مؤهلات كل زوجة، وايجاد عمل بسيط يتناسب مع قدرة الطفل الصغير!
واعتقد أنه من الممكن تحقيق هذا الحلم، لو أحب العامل عمله وتفاني فيه، ولو أدي الموظف واجبه واشترك بقلبه وعقله في تخفيض تكاليف الاداة الحكومية.
ولو حاولت ست البيت شد الحزام، ووفرت نصف المسلي الذي تستخدمه في إعداد الطعام، وبقايا الارغفة التي ترميها في صندوق القمامة.. ولو آمنت بفكرة تحديد النسل.
فإن في بلادنا امكانيات ضخمة لو احسنا استغلالها ، يمكن ان نحول الصحاري إلي غابات والخرائب إلي عمارات، والأحلام إلي مصانع تمتص كل الايدي المتعطلة.
وتحت أقدامنا كنوز وآبار بترول.. وفوق رءوسنا أشعة شمس، لو أحسنا استغلالها نستطيع أن نضاعف إنتاجنا من الحبوب، ونستطيع ان نستخدمها في إدارة بعض الماكينات بدلا من المازوت!
فالفلاح المصري اذكي من الفلاح الأوروبي ولكنه أقل منه انتاجا.. والعامل المصري اذكي من العامل الألماني، ولكنه زكثر استهتارا، ولو استطعنا أن نتخلص من هذه العيوب، نستطيع أن نحول بلادنا إلي جنة، ونجعل منها كنانة الله!
ونستطيع ان نتخلص من هذه العيوب لو نشرنا الوعي بين كل طبقات الشعب، وفتحنا أبواب الأمل! لا يكفي ان يحلم العامل والفلاح بلقمة العيش! يجب ان يحلم ببيت صغير يملكه، وإذا اقتنع بأنه قادر علي تحقيق هذا الحلم فسيضاعف انتاجه ويخفض تكاليفه ويضاعف ساعات عمله ويتفاني في رفع مستواه!
فإن الاحلام الكبيرة هي التي تصنع مستقبل الشعوب!

علي أمين
نشرت بتاريخ الخميس ١٠ يناير ١٩٦٣

فكرة!

يارب
اجمع صفوفنا.. ووحد كلمتنا.. وانقذنا من خلافتنا الصغيرة.. وافتح عيوننا لنري اخطاءنا.. كفانا صراعات تقوم علي اسباب تافهة.. تجعلنا نضرب بعضنا بدل أن نضرب خصومنا.. ونحطم أنفسنا بدل أن نحطم اعدائنا.
لا نريد منك ان تنصرنا علي أخوتنا.. بل نريدك ان تقرب بيننا وتجعلنا نرتفع علي الاحقاد ونرتفع علي الخصومات.
ونحن لا نطمع في زعامة.. ولا نحلم بزعامة.. وانما نريد أخوة حقيقية..لا أخوة وهمية.. ونريد صداقة بالفعل لا صداقة بالكلام.
يا رب
انزع من أيدينا الخناجر وضع فيها الزهور والرياحين.. ونظف قلوبنا من الضغينة والحسد واملئها بالحب والايمان.. وانقذنا من شهواتنا.
لا نريد ان ننتقم من أحد.. ولا أن نحول بلادنا إلي امبراطورية.. فهذا ليس عصر الامبراطوريات.. بل عصر المشاركة بين الدول.. وهو عصر حقوق الانسان لا زمن العدوان.
نريد أن نفتح بلادنا لصداقة العالم كله لا نريد أن نسود.. ولا أن نسيطر.. ولا أن نتزعم..وانما نريد علاقات أخوة ومحبة.. ننصر بعضنا.. ونؤيد إخواننا.. ونحارب كل من يعتدي عليهم.. ونقاوم كل من يحاول السيطرة علينا.
ايقظنا اذا كنا نائمين، ونبهنا اذا كنا غافلين.
واجعلنا نحلم وعيوننا مفتوحة.. ونموت ونحن واقفين.. لا نركع الا لله ولا نسجد لبشر.. واجعل بيننا وبين الناس محبة بلا خوف.. اعطنا القوة لنقاوم البطش ونحارب الارهاب.. ونصارع كل طغيان.
لا تجعلنا نرهب الاقوياء.. ولا نهزأ بالضعفاء.
لا نريد المال إلا لنوزعه علي الفقراء.. ولا نريد القوة إلا لنضعها في خدمة المظلومين والتعساء والمساكين.
كان هذا دعائي في ليلة القدر

مصطفي أمين
نشرت بتاريخ الاحد 18 فبراير 1996

فكرتي

ذكري ميلاد مصطفي وعلي أمين

ولد مصطفي وعلي أمين - مؤسسا اخبار اليوم- في مثل هذا اليوم من عام ١٩١٤. ورحل علي أمين عن الدنيا وهو في الـ ٦١ من عمره، وعاش مصطفي أمين ٢٢ سنة بعد وفاة توءمه، لكنه لم يغب عنه لحظة خلال تلك السنوات. كان يشعر به معه أينما كان:  في مكتبه وفي بيته. يتذكره في انتصاراته وهزائمه. ولا عجب في ذلك، فقد تعودا أن يتشاركا أحزانهما وأفراحهما. كان »‬مصطفي» يقرأ في عيني »‬علي» ما يخفيه. كانا يتحدثا بالنظرات دون الحاجة إلي كلمات! كانا توءمين عجيبين.. يشعر الواحد منهما بالآخر عن بعد، عندما كانا في السنة الأولي الابتدائي وضعوهما في فصلين مختلفين. فكانوا إذا ضربوا »‬علي»، يبكي »‬مصطفي» في نفس اللحظة، ولا يعرف سببا لبكائه حتي يكتشف في نهاية الحصة ما حدث لتوءمه. كان شعورها ببعضهما البعض غريبا حتي أنهما كانا يعتبران انهما إنسان واحد انقسم إلي اثنين!
في الحياة لم يفترقا أبداً، عاشا معا، خرجا معا وأكلا معا. كانا يصابان بنفس الامراض ويشعران بنفس الالم. كانا صورة طبق الأصل من بعضهما. كان صوتهما واحداً وطولهما واحداً ومقاس حذائيهما واحداً. كان »‬مصطفي» يسافر أحياناً بجواز سفر »‬علي»، وجلس »‬علي» في الكوشة مع عروس أخيه لمدة نصف ساعة، ولم يكتشف المدعوون الفرق!
كان »‬مصطفي» يقول إن علي أمين هو ولده الذي لم ينجبه، رغم أنه ولد قبله بخمس دقائق!. وعندما فقده أحس أنه فقد أخاه وابنه وصديقه. كان »‬علي» يبدأ المقال ويتمه »‬مصطفي»، كان »‬مصطفي» يبدأ الحديث ويختمه »‬علي»! وكان من الصعب علي غير المقربين ان يفرقا بينهما.. حتي أن أمهما لم تكن تستطيع أن تفرق بين صوتيهما في التليفون.
لم يختلفا إلا مرات قليلة، وكانا يتصالحان بعد دقائق. لم يكن يطيق الواحد منهما غضب أخيه.
كانت أفكارهما واحدة رغم أن »‬علي» درس الهندسة و»‬مصطفي» درس السياسة. »‬علي» درس في انجلترا و»‬مصطفي» درس في أمريكا، وكان »‬علي» يريد ان يكون مهندسا و»‬مصطفي» كان يريد ان يكون صحفيا. مارس »‬مصطفي» الصحافة وحده في البداية وانضم إليه »‬علي» بعد ١٦ سنة.
اما أنا فأعتبر نفسي محظوظة. فقد كان لي ابوان. ما لم أجده عند الأب الأول »‬مصطفي» وجدته عند الأب الثاني »‬علي»، وقد اتاح الله لي نعمة الاستمتاع بأبوتهما، والاقتداء بهما والاستفادة من حكمتهما.
كل سنة ونحن نتذكر أبويّ مصطفي وعلي أمين!.

صفية مصطفي أمين
[email protected]

























عدد المشاهدات 2543

الكلمات المتعلقة :

تعليقات القرّاء