قصر العيني القديم..يتوجع

• .. وآخر يفترش إحدي طرقات المستشفى بعد أن فقد فرصة الحصول على سرير
2/14/2017 9:19:30 AM  
 56 

زحام شديد..المرضي يفترشون الطرقات..والباعة الجائلون في كل مكان

صرح هائل.. تتوه عيناك في مساحته الشاسعة، ما إن تدخله.. تضطر للسير بقوة الدفع من كثرة الزحام.. اصوات عالية تتداخل مع بعضها.. صراخ  و شجار تختلط مع اصوات باعة جائلين  » شاي سخن.. مفروشات مستوردة.. دفايات»‬.تتمايل  يمينا ويسارا أثناء سيرك في الطرقات وقد تتعثر قدماك في اكوام الجالسين علي الأرض فيختل توازنك وتسقط ارضا.. قد ينتابك الشك لبعض لحظات انك داخل مستشفي  يقصده المرضي للتخلص من آلامهم واوجاعهم. لكنهاالحقيقةالمرة في مستشفي قصر العيني القديم. »‬  الاخبار » ترصد في هذا التحقيق الوضع المزري الذي يعيشه المستشفي ومعاناة المرضي. كمانلتقي المدير المسئول للوقوف علي الصورة الكاملة والسبل الكفيلة بتحسين اوضاع المستشفي وتخيف معاناة المرضي.       

  كل مايحيط بك في المستشفي يدعو للألم لا للشفاء. لا تستطيع تمييز المريض من الزائر او البائع او العامل فالكل مكفهر الوجه  يضيق صدره من ضجيج المكان وفوضاه.
 إنه مستشفي »‬قصر العيني» الذي يبلغ عمره نحو مائة وثمانين عاما خدم خلالها عشرات الملايين من المرضي بكافة التخصصات،  وفتح أبوابه لكافة الطبقات ليحصلوا علي خدمة طبية واحدة. تميز بسمعته الطيبة طوال عقود طويلة، إلا انه وخلال الآونة الأخيرة شهد القصر تدهورا كبيراً انتهي بإعلان إصابة  نحو 17 مريضا بفيروس الكبد الوبائي »‬سي» اثر فحوصات عشوائية أجريت لمرضي الغسيل الكلوي بالمستشفي
عربة قطار
كانت بداية جولتنا بالحصول علي تذاكر »‬زيارة» لأحد المرضي بقسم الغسيل الكلوي، والحقيقة اننا تجولنا داخل ثنايا القصر واركانه بحرية شديدة رصدنا من خلالها كافة انواع الفوضي والتجاوزات دون ان يستوقفنا احد، فالكل يفعل مايريد دون رقيب، من ابرز المشاهد التي بدت واضحة في بداية جولتنا  تكدس اكوام الجالسين علي الأرض مما يعوق سير المارة، هؤلاء  اخبرونا أنهم اهالي المرضي ولا يوجد اي اماكن انتظار لهم سوي الأرض
  خطوات وتوجهنا إلي المبني الذي يضم ثلاثة عنابر للغسيل الكلوي بالإضافة لعنابر العناية المركزية والباطنة وغيرها، ومنذ الوهلة الأولي للسير داخل المبني تشعر وكأنك في »‬عربة قطار» فلا يخلو طابق من طوابق المبني من تواجد أحد الباعة الجائلين فتصادف أثناء سيرك بائع »‬المشروبات الساخنة» يتنقل بين اهالي المرضي لبيع الشاي بأسعار مضاعفة، وما تلبث حتي تصادف »‬بائع أطعمة جافة» ينادي علي بضاعته بأروقة المبني علي مسمع ومرأي من أفراد الأمن، وما هي إلا خطوات قليلة فتصادف »‬بائعة دفايات وملابس شتوية» تتفاوض مع الأهالي الذين افترشوا الأرض في عز البرد
لم يتوقف افتراش  الارض علي عدد كبير من الأهالي فقد جذب انتباهنا  افتراش المرضي انفسهم للأرض لتلقي العلاج علي »‬بطانية» متهالكة وعند سؤالهم أكدوا بأن إدارة المستشفي تبلغهم بأن ليس هناك أسرة كافية للجميع وان الحل الوحيد هو تلقي العلاج من علي الأرض..
الرحمة بالغلابة
ومن ضمن الأهالي صادفنا الحاجة »‬ ليلي عبد الحي »‬، صاحبة الـ64 عاماً، تجلس علي إحدي شرفات المبني المنخفضة هربا من برودة بلاط الأرض، اقتربنا منها لمحادثتها فأسرعت قائلة: »‬ أتردد تقريباً علي المستشفي منذ فترة بعيدة فزوجي قضي آخر شهور له هنا قبل وفاته منذ أعوام، وابني أيضا حجز بها أكثر من مرة، والآن حفيدي في غرفة العمليات وفي كل مرة اضطر للمكوث علي الأرض او بمكان مرتفع قليلا عنه في انتظار رؤيتهم وكثيرا ما استغرق في النوم علي هذه الوضعية الصعبة التي تؤذي عظامي ومفاصلي.
وتنهدت الحاجة ليلي قائلة »‬ ياريت المسئولين عن المستشفي يخلوا في قلوبهم رحمة للغلابة،ويوفروا اماكن انتظار ادمية.. أنا بقالي أكتر من 4 ساعات قاعدة في المكان دا لحد ما عضمي وجعني، لا فيه كراسي نقعد عليها في الممر ولا مكان دافي يحمينا»
وأشارت الحاجة ليلي ان المستشفي فشل في توفير أكياس دماء لحفيدها لإجراء العملية، موضحة انهم توجهوا لبنك الدم فلم يجدوا اكياس أيضاً، مما أضطرهم في نهاية الأمر إلي دفع مبلغ مالي لأحد الشباب للتبرع بدمه.
سرير كارتوني
وفي الطابق الأرضي من المبني وجدنا منطقة واسعة خصصت لانتظار أهالي المرضي إلا انها لا تدل علي ذلك، فلا توجد مقاعد أو كراسي لاستخدامها، بل افترش ايضا الأهالي الأرض بأوراق الكارتون للمبيت عليها طوال الليل في البرد القارس.
ويقول لنا »‬ م.أ» من أهالي المرضي »‬ أبيت في هذه المنطقة لعدة أيام في انتظار خروج والدي من العناية، ولا أجد ومن معي سوي أوراق الكارتون لإفتراشها طوال الليل لتحمينا من صقيع الأرض»، وينظر لنا بنظرة مليئة من الأسي مضيفاً: »‬وبالرغم من هذة المعاناة إلا أن العاملين في المستشفي يتشاجرون معنا ويأخذون كل الكارتون بحجة انها قمامة وبأننا نجعل المكان متسخاً ».
وأكد »‬م.أ»  ان المستشفي لو وفرت اماكن انتظار ومبيت آدمية ولو بمبالغ مالية فلن يعارض أحد مشيراً إلي انهم عادة ما يدفعون اموالا كثيرا للحصول علي الطعام والسجائر فلن يضرهم دفع مبلغ اضافي للنوم نومة آدمية.
 نوبات ضيق
اما محمد عبد الجواد فيقول »‬ والدي يعاني من مشكلة في التنفس منذ فترة طويلة، وقام بإجراء عملية جراحية في القصر العيني منذ سنتين، ومنذ ذلك الحين لم يكتمل شفاؤه حتي الآن، ويصاب بنوبات ضيق التنفس كل فترة، ولذلك فنحن دائمو التردد علي القصر العيني لمتابعة حالته، ولكن هذه المرة تدهورت حالته للغاية وتم حجزه في الرعاية المركزة، وذلك بعد معاناة شديدة، فلم يكن هناك اي اسرة شاغرة في غرف العناية المركزة، وليس لدينا من الإمكانيات ما يمكننا من حجزه في احد المستشفيات الخاصة، فلم يكن بوسعي سوي ان انتظر حتي يتم توفير سرير في احد الرعايات المركزة في القصر العيني، وربما هذا ماادي إلي تدهور حالته بهذه الطريقة، ومنذ ان تم حجز والدي من سبعة عشر يوما، وانا ابيت هنا علي هذه الورقة الكارتونية في فناء المستشفي، حيث لا مكان اخر يمكنني الإنتظار به، ولا يمكن ان اتركه لأن سكننا في اسيوط اي سيصبح بيني وبينه ساعات طويلة، وهم يطلبون مني ادوية له يوميا، كما ان عمال النظافة دائما ما يضايقوننا يوميا انا وكل من ينتظر بجانبي، فيلقون بقطع الكراتين التي فرشناها في الأرض لتقينا صقيعها، كما ان الأطباء يطلبون ان نقوم بعمل كافة الإشعة والتحاليل الخاصة بوالدي علي نفقاتنا، ولا ادري ماذا سأفعل إن طالت رقدة ابي اكثر من ذلك فلم اعد اتحمل كل هذه المصروفات التي ادفعها يوميا
عيادته الخاصة !
اما محمد ممدوح فيقول »‬ لقد اصبت بعجز في قدمي اليمني إثر حادث سيارة العام الماضي، واجريت عملية جراحية هنا بالقصر العيني، ومن المفترض انني اتابع بقية علاجي هنا مع الطبيب الذي قام بإجراء العملية، ولكن الطبيب يفرض علي المتابعة في عيادته الخاصة، ومصروفاتها تفوق قدرة تحملي ولا ادري لماذا يفعل ذلك، وقد اخبروني بعد اجراء العملية انني سوف اتلقي كامل متابعاتي في القصر العيني، ولن ادفع شيئا ولكني بعد ان اجريت متابعتين فقط، كلما ترددت في موعد متابعتي اما ان يكون الطبيب ليس موجودا واظل طوال اليوم انتظره دون فائدة، او يكون هناك العديد من الحالات وينتهي موعد المتابعة قبل مجئ دوري، وبعدها اخبرني الطبيب انه لم يتمكن من متابعة حالتي بالقصر العيني، ولا بديل عن زيارة عيادته الخاصة      
نقص الأدوية
وكان نقص الادوية من أهم الشكاوي التي رصدناها خلال جولتنا بالمستشفي فيقول  »‬ ح.ع» 48 عاماً  ان والده محجوز بالمستشفي منذ ما يقرب من 9 أيام وخلال هذة المدة اضطروا إلي شراء عدد كبير من الادوية والحقن من خارج المستشفي بعد أن أكد لهم الأطباء نقص عددها وعدم توفرها ممايحملهم اعباء فوق قدراتهم.




الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار