البحث العلمي يحاول استعادتها ... المياه المنسية.. مليارات تضيع في بحر الإهمال

10/8/2017 10:28:10 PM  
 988 

١٠ مليارات متر مكعب من المياه الرمادية «تهدر» سنويا و١٥٠ مليونا من الصرف الصناعي

المياه الرمادية ثروة مطلوب استغلالها
د.وليد مسعد يصنع فلاتر لتنقيتها وإعادة استخدامها مرة أخري

»وجعلنا من الماء كل شيء حي»‬.. تشير هذه الآية الكريمة إلي أهمية المياه للحياة من حيث توفيرها للشرب والزراعة، ولكن هناك استخدامات أخري مثل الصناعة ومغاسل السيارات والصرف الصحي، تهدر فيها كميات هائلة من المياه وتتحول معها من ميزة إلي عبء.
ومع مرور الوقت، تعودنا علي هذا العبء، متمثلا في مياه مختلطة بمكونات الصرف الصناعي وأخري تذهب مع الصرف الصحي، وصارت تلك المياه »‬منسية»، إضافة إلي مصدر آخر مهم وهو مياه البحر التي لا تتم الاستفادة الكاملة منها.
.. حاول البحث العلمي عبر تاريخ طويل تقديم أفكار لاستعادة تلك المياه المنسية، لتخفيف الضغط علي المياه وتوجيه أكبر كمية لصالح الشرب والزراعة. والمشكلة التي واجهت هذا الجهد البحثي فيما مضي، أنه كان يعتمد علي مواد مستوردة، وهو ما تم تجاوزه بالتوصل إلي أفكار اعتمدت مؤخرا علي خامات محلية لتقديم أفكار قابلة للتطبيق هدفها استعادة هذه المصادر المنسية من المياه.

حتي تتعرف علي حجم الإنجاز، يجب معرفة حجم المشكلة، وهو ما يكشف عنه تقرير لجهاز شئون البيئة صدر في مارس 2016.
ووفق التقرير يتم صرف 150 مليون متر مكعب من مياه الصرف الخاصة بالمنشآت الصناعية في مياه النيل سنويا، وهو ما يؤدي إلي مشاكل صحية لمستخدمي المياه، أخطرها الإصابة بالسرطانات.
وكانت دراسة للدكتور محمود عمرو أستاذ الأمراض المهنية بالمركز القومي للسموم بطب القاهرة، قد كشفت أن أهم مصادر المياه الملوثة  تقع علي طول النهر في مناطق التجمعات الصناعية‏، ‏ ففي الاسكندرية مثلا يمثل الإنتاج الصناعي نحو‏35%‏ من جملة الانتاج الصناعي في مصر وتقدر كمية المخلفات السائلة منه نحو مليون متر مكعب يوميا وينتظر أن تزيد.
وفي محاولة لاستعادة تلك المياه، وتوجيهها من جديد للاستخدامات الصناعية، قدم د.وليد مسعد بقسم الطيف بشعبة البحوث الفيزيقية في المركز القومي للبحوث فلاتر لتنقية مياه الصرف الصناعي.
واختار مكتب »‬التيكو» بالمركز القومي للبحوث في شهر مارس الماضي، منتج الفلاتر، كأحد المنتجات البحثية التي سيتم تسويقها تجاريا. ومكتب التيكو، أنشئ حديثا بالمركز، ويهدف إلي تسويق الأبحاث العلمية القابلة للتطبيق، استنادا إلي مسابقة سنوية تقام بالمركز لاختيار الأبحاث من هذا النوع.
 ومنح البحث مؤخرا جائزة أفضل الأبحاث القابلة للتطبيق الصناعي من المركز القومي للبحوث عام 2016عن هذا المنتج، والذي استخدم فيه مادة تسمي الجرافين بطريقة مختلفة لتنقية مياه الصرف الصناعي من عنصر الرصاص.
والجرافين مادة من مشتقات الكربون، وتتميز بقدرتها علي توصيل الكهرباء مع ميزة السماح بنفاذ الحرارة والضوء عبر خلاياها، وأهلتها هذه المزايا للاستخدام في عدة مجالات، منها انتاج الشرائح الإلكترونية والاستخدامات الطبية، وتحلية مياه البحر، وتنقية المياه من الملوثات.
طريقة رخيصة
وتستخدم في العادة طريقة فيزيائية لتحضير الجرافين، وهي الأكثر شيوعا، ولكن الباحث يقول انه استخدم طريقة كيميائية يستخدم فيها الكربون مع بعض الأحماض المؤكسدة مثل حمض النتريك HNO3، للحصول علي أكسيد الجرافين.
وتعطي الطريقة الفيزيائية، وهي المعروفة عالميا والأكثر استخداما، جرافين بدرجة نقاوة كبيرة، ولكنها تحتاج أجهزة يتجاوز سعرها النصف مليون جنيه فضلا عن أن المتحصل عليه من المادة في التجربة الواحدة قد لا يتجاوز الجرام.
 بينما الطريقة الكيميائية تعطي كميات أكبر تصل إلي 20 جراما في التجربة الواحدة، ويستخدم فيها الجرافيت بشكل أساسي، ويصل سعر الكيلو منه 600جنيه، وهي كمية كافية لإعداد كميات كبيرة من الجرافين، والمشكلة الوحيدة لهذه الطريقة في درجة النقاوة الأقل، ولكن هذه الدرجة كانت كافية للاستخدام في مجال تنقية مياه الصرف الصناعي من الرصاص، كما يؤكد الباحث.
ورد النيل
واستخدام الجرافين، كان تطويرا لمنتج شارك فيه الباحث ضمن فريق بحثي، وحصل علي براءة اختراع في ديسمبر 2015، حول طريقة لتنقية المياه من المخلفات الصناعة باستخدام ورد النيل.
واعتمد المنتج الحاصل علي براءة إختراع علي تجفيف نبات ورد النيل وتحويله إلي مسحوق، ثم خلطه بمادة كيتوزان، وهي مادة بوليمرية لها خاصية امتصاص المخلفات غير العضوية، ويتم جمع المادتين معا في منتج جديد علي هيئة كريات متناهية الصغر، حجمها يتراوح بين 700 إلي 900 ميكرومتر.
ووظيفة هذه الكريات عند وضعها في المياه المحملة بالمخلفات غير العضوية مثل الرصاص والكادميوم هي جذب تلك المخلفات، وما فعله الباحث في البحث الجديد هو استبدال ورد النيل بالجرافين.
ويقول الباحث: “ سلوك ورد النيل كمادة جاذبة للملوثات متغير، بحسب بيئة المنشأ، فإذا نما في بيئة ملوثة، يمكن أن يؤثر ذلك علي كفاءته، ولكن الجرافين مادة مصنعة وتعطي نتائج ثابتة ومستقرة “.
ولا يختلف الشكل الذي قدمه الباحث في بحثه الجديد، عن شكل المنتج الذي حصل به علي البراءة، فكان عبارة عن كريات صغيرة دخل في تصنيعها الجرافين بنسبة 5 % مع مواد بوليمرية من السليلوز بنسبة 95 %، حيث يتيح هذا الشكل مساحة سطح أكبر وتفاعلات أكثر، أدت إلي جذب عنصر الرصاص من المياه، لنحصل بعد ساعتين علي مياه خالية من الرصاص بنسبة 100%.
المياه الرمادية
تعد المياه الرمادية من أكثر المصادر التي يؤدي توفيرها إلي تخفيف الضغط علي استخدامات المياه الموجهة إلي الشرب والزراعةوالتي تقدر بحوالي ١٠ مليارات متر مكعب والمياه الرمادية، هي التي تخرج من أحواض المطابخ وأحواض الاستحمام وغسالات الملابس والصحون، ولا يتم استغلالها، لعدم وجود صرف مستقل خاص بها، فتختلط مع مياه الصرف الصحي أو ما يسمي»‬المياه السوداء»، وهي المياه الخارجة من المراحيض. ووقع د. وائل عبد المعز، مدير مركز تطوير المشروعات وتكنولوجيا الأبحاث العلمية بروتوكول تعاون مع وزارة الإسكان لتنفيذ وحدات لمعالجة تلك المياه في المدن الجديدة، كما قام المركز في إطار بروتوكول تعاون مع أكاديمية البحث العلمي وجمعية مصر الخير بتنفيذ وحدات صغيرة تصلح للمنازل. ويقول نفذنا في مارس من العام الجاري نموذجا بإحدي المدارس بمحافظة المنوفية لاستغلال تلك المياه، لتعميمه في المدن الجديدة، ثم نفذنا مؤخرا وحدة صغيرة استرشادية بأكاديمية البحث العلمي تصلح للتطبيق في المنازل.
 وتقوم فكرة النموذج الذي تم تطبيقه بالمدرسة الزراعية بمدينة السادات علي أربع خطوات يشرحها د.عبد المعز، وتبدأ بانتقال المياه من دورات المياه في المدرسة عبر مواسير صرف مستقلة إلي خزان أرضي لتجميعها سعتة 1 متر : 2 متر مكعب، ثم يتم سحب هذه المياه إلي وحدة معالجة المياه الرمادية التي صممها مركز تطوير المشروعات وتكنولوجيا الأبحاث العلمية، وتتم معالجة المياه داخل الوحدة وتخرج صالحة للزراعة، ثم يتم توجيهها عبر مواسير أخري إلي صوب للزراعة بدون تربة.






الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار