رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير: ياسر رزق
عام علي غياب الأستاذ

مقعده شاغر.. لكنه حاضر


محمد حسنين هيكل

  يـــاســــــر رزق
2/16/2017 11:35:16 PM

لأول مرة.. أدخل مكتب »الأستاذ« فيغير حضوره. كان ذلك في مطلع هذا الاسبوع.
احتضنت د. أحمد نجله الأوسط، ولثمت يد السيدة هدايت زوجته.
جلست، حيث اعتدت أن أجلس، علي المقعد الأيسر أمام مكتب «الاستاذ».
نفس المقعد جلس عليه حكام وساسة ومفكرون من مصر والدول العربية والعالم.
لو تنطق الجدران، لحكت أسراراً وخبايا، صنعت تاريخاً، وأرست حاضراً، ورسمت مستقبلاً.
أرنو إلي المكتب العتيق، الذي دون «الأستاذ» عليه، خلاصة فكره، وعصارة تجاربه، وسطر شهاداته عليأحداث عاشها، وشخصيات عاش معها، ومفارق طرق أطل عليها، ومراحل تحول أشار إليها، وشارك في صنعها.
كان يحلو لي أن أنظر إليه يكتب، بقلم حبر أسود، علي رزمة من أوراق الدشت، من نفس خامة ورق الصحف الذي يعشق ملمسه، مثلما ينتشي برائحة حبر الطباعة.
تمرح أصابعه، يسطر بها عليالورق كعازف بيانو، يبدع جيئة وذهاباً بأنامله، فيما يستعصي علي غيره.
أمامي.. مقعده شاغر، لكني أراه حاضراً
أسمع ضحكته المحببة تجلجل في أناقة.
خفة ظله تنافس جديته المعروفة
راق هو في مداعباته، مطعمة بأصداف من الشعر والحكايات ومنحوتاته اللغوية التي تستولدها بديهة لها سرعة الضوء، مثلما هو عميق في رؤاه وآرائه، يحلق بأفكاره، فيري ما لا يري الآخرون، كأنه يقرأ مستقبلاً أو يطالع غيباً.
أراه أمامي في كامل أناقته، كما تعودت وغيري أن نراه. أعرف دون أن أسأله أنه يفضل الأزرق الداكن، لوناً لرابطة عنقه.
كأنه يتفحصني بعينيه العسليتين. كثيراً ما حاولت أن أنظر فيهما وأبحر. وغالباً لا أقوي. لا أظن أحداً يقوي. لم أسمع عن هذا في غيره، إلا جمال عبدالناصر.
كثيراً ما سألته وحدثني عن جمال عبدالناصر.
ذات ظهيرة.. لعلها منذ عامين، زرته في موعدنا الأسبوعي غير المحدد بيوم بعينه، اتفقنا قبلها علي لقاء مدته ساعة، لوجود ارتباط لديه. لكن اللقاء امتد ثلاث ساعات دون انقطاع، وكان السبب جمال عبد الناصر!
قلت له علي محبتي للزعيم: أظنك جزءاً من صنع أسطورة عبد الناصر.
وكأني أتيت أمراً إداً!
تكلم «الأستاذ» ساعتين تقريباً، وكأنه يترافع ويفند زعمي ويدحضه.
وسمعت منه وقائع بعضها لا أعلمه، ومواقف شخصية مع عبدالناصر أظنه آثر ألا يفصح عنها.
شاهدت «الأستاذ» لأول مرة، يرفع عينيه إلي أعلي وهو يتكلم، كأنه يري أمامه مشاهد ما يروي بألوانها وظلالها وحركة شخوصها!
زاد «الأستاذ» عندي احتراماً علي احترام، وزاد «الزعيم» في قلبي تقديراً علي محبة.
وقال لي يومها: ليتك رأيت جمال عبدالناصر.. ورددت: يا ليت يا «أستاذ»، لكن ما بالعمر حيلة!
• • •
أطل من بهو غرفة المكتب إلي الصالون.
في صالون شقة المكتب، جلست معه أكثر من عشر ساعات لمدة ثلاثة أيام، بعد أسابيع من ثورة يناير، لأول مرة في حوار صحفي للنشر بجريدة «الأخبار».
كان للحوار دويّ، أحدثته إجابات «الاستاذ» وآراؤه وتقديراته للمواقف.
أذكر أنه قال: «أن مبارك جعل من الإخوان نقيضاً له، فصاروا هم البديل».
وقد كان!
أذكر أنه حذر من الارتجال في مراحل الانتقال.
وليت أحداً سمع واعتبر ً!
طوال عام حكم الإخوان، لم أسمع من «الأستاذ» إلا يقيناً بأنه زائل قريباً، وأذكر أنه اتصل بي صباح يوم نشر مقالي الأخير بجريدة «الأخبار» قبل أن أترك رئاسة تحريرها في المرة الأولي، مشيداً ومهنئاً، بما قلت عن أن حكمهم سيكون «جملة اعتراضية في تاريخ الوطن».
رأيت «الأستاذ» سعيداً مثلما لم أره من قبل ليل الثلاثين من يونيو، يوم ثورة الشعب، ورأيته غداة يوم الثالث من يوليو، يوم الاستجابة لإرادة الشعب، في أوج تألقه فكراً، ورؤي، وأملاً.
أعرف بقدر ما دور «الأستاذ» في سنوات الخمسينات والستينات والسبعينات.. لكني أعلم يقينا أن دوره فيما بين ثورتي يناير ويونيو أهم وأخطر!
• • •
بعدما أحرق «الإخوان» منتجعه الريفي في «برقاش»، ومعه جزء من تاريخ «الاستاذ» وأوراقه، شعرت أن بعضاً من قلبه قد انكسر، لكن عزيمته ظلت علي صلابتها لا تنخدش.
فيلقاءاتنا الأخيرة بمكتبه ومنزله المتلاصقين، وفي فيلته بالساحل الشمالي، كان حديث «الاستاذ» منصباً علي المستقبل.
بالذات.. بعدما أصيب بكسر خطير في الحوض، وسافر لإجراء جراحة، وعاد ممتلئاً بإصرار يقهر الألم.
كانت أحاديث «الاستاذ» مفعمة بتفاؤل شاهد علي تاريخ، وحذر فاهم لدروس التاريخ!
• • •
منذ عام.. كنت ألثم جثمان «الأستاذ» بدموعي في مشواره الأخير.
والآن.. أغادر مكتبه دامعاً يعتصرني أسي الخسران والبعاد.. أرنو إلي صوره علي حوائط مدخل المكتب مع زعماء العالم في نصف قرن.. وأغبط نفسي أنني رأيت «الأستاذ» وعرفت فيه أغلي الناس.

عدد المشاهدات 733

الكلمات المتعلقة :

تعليقات القرّاء