مصر ليست ًحجرا علي رقعة شطرنج

ورقة وقلم

9/9/2017 9:06:03 PM  
556  
يــاســر رزق  

ورقة وقلم

مشكلة »مصر ٣٠ يونيو»‬ أنها لا تقبل أن تكون حجراً علي رقعة شطرنج في لعبة الأمم.
إنها ترفض أن تكون »‬بيدقا» أو »‬حصانا» أو حتي »‬طابية»، تمسك بها أصابع لاعب، تنقلها من مربع إلي آخر، وفقا لحركة مرسومة وقواعد محددة، فتأكل أو تؤكل علي غير إرادة منها، أو يُضحي بها حسبما تقتضي خطة اللعب بغير اختيار لها، وربما يترقي »‬البيدق» إذا ما بلغ خط نهاية مهمته فيصير »‬وزيرا»، له حركة أوسع ودور أكبر في اللعبة، لكنه مع ذلك يبقي مجرد حجر علي رقعة الشطرنج!
تمردت مصر في ٣٠ يونيو، وأعلنت عن نفسها في ٣ يوليو.
أرادت أن تهيمن هي علي حركتها، وأن تحدد مصيرها بإرادتها الحرة. بل رغبت أن تصبح لاعبا يقرر لا حجرا ينقل، علي الأقل، في رقعتها الإقليمية.
في لعبة الأمم، لا يريد لاعبون كبار لمصر أن تنهض ولا أن تتمدد. وظني أنهم أيضا لا يريدون لها أن تسقط، لأنها إذا سقطت ستصحب معها آخرين، يتساندون عليها كقطع الدومينو، ومن ثم تستحيل ساحة لعبة الأمم إلي فوضي تستعصي علي أمهر اللاعبين.
يراد لمصر - هكذا أتصور - أن تكون في حالة »‬ترنح»، لا تقوي علي ثبات الوقوف، ولا تبلغ نقطة انهيار الوقوع.
يراد لها أن تبقي رجل الشرق الأوسط العجوز المريض، قد يُستمع له أحيانا إذا توافقت رؤاه مع مقتضيات موقف، فينال الثناء علي حكمته وخبرته، لكنه غير مهاب، لأنه لا يفارق سريره، ولا يقدر علي الفعل لا في غرفته ولا خارجها.
يراد لها أن تكون دولة طيعة، تشكلها أصابع أكف اللاعبين كيفما أرادوا، ولا مانع حينئذ أن توصف بالمرونة أو الاعتدال.
• • •
من الذي يريد إذن، إذا كان الحديث المعلن لكل دول العالم باستثناء دولتين أو ثلاث، يؤكد أن روابطها بمصر إما أواصر صداقة تاريخية، أو صلاتها تعاون متبادل، أو علاقات شراكة استراتيجية؟!
فتش عن أصحاب المصلحة، تجد أصحاب المراد!
- إسرائيل لا تطيق وجود مصر قوية ناهضة علي حدودها الجنوبية. لقد تخلصت من سوريا ومن قبلها العراق، وبقيت مصر عصية.
ليس في مصلحة إسرائيل أن تقوي مصر وتنهض اقتصاديا ويشتد ساعدها عسكريا، فتكون قوتها مددا للقضية الفلسطينية ولحل عادل لها، وإنما في صالحها أن تنكفئ مصر علي مشاكلها الداخلية، وأن تتحول سيناء إلي ساحة حرب مع الإرهاب لا تنتهي وتستنزف موارد مصر، وأن تحرم مصر من سلاح ومعدات ومساعدات تمكنها من حسم تلك المعركة.
- الولايات المتحدة ما زال كبرياؤها ينفث الدخان من ثورة ٣٠ يونيو التي قلبت رقعة الشطرنج أمامها، بينما كانت اقتربت من حسم اللعبة، وما زال بيان ٣ يوليو يثير فيها براكين الغضب، فهي - وعلي خلاف قواعد لعبة الأمم - لم تستشر قبل البيان، ولم تستأذن، ولم تخطر به، بل فوجئت به كالآخرين.
كان يمكن للولايات المتحدة أن تبتلع سخطها، لو وجدت نظام ٣٠ يونيو، طيعا كنظام الإخوان، وتابعا كحكم المرشد، وقومسيونجيا يتجول في أرجاء المنطقة يسوق بضاعة السلام الإسرائيلي الفاسدة ومشروع »‬الشرق الأوسط الجديد».
لكنها وجدت رأس النظام يتحدث عن حرية إرادة واستقلال قرار ومصلحة وطنية، ويقول إن أدبيات السياسة الخارجية المصرية قد تغيرت.
وجدت الرئيس السيسي يدشن مشروعا وطنيا للنهوض بالبلاد، وجدته يبني جيشا قويا، ينوع مصادر السلاح لكن لا يرتهن مصير البلد بمصدر وحيد، فيحصل علي مقاتلات وفرقاطات وحاملات طائرات هليكوبتر من فرنسا وعلي مقاتلات ومركبات قتال وهليكوبتر هجومية ونظم دفاع جوي من روسيا وعلي غواصات من ألمانيا.
وجدته يفتح »‬برجل» علاقات مصر الدولية من أوربا إلي أقاصي آسيا وإلي كل ربوع أفريقيا، وحتي إلي أمريكا اللاتينية.
وجدته يقيم علاقات تعاون استراتيجي مع الصين ومع روسيا ومع الهند ويلتقي قادتها في بلادهم وفي مصر، وعلي هامش المحافل الدولية الرئيسية، كمجموعة العشرين ومجموعة البريكس التي تخشي الاقتراب منها النظم التابعة للسياسة الأمريكية، ولم تعد مصر هي ضيف المرة الواحدة في تلك المحافل.
وجدت مصر تحصل علي محطة نووية من روسيا وعلي أكبر ٣ محطات حرارية لتوليد الكهرباء من ألمانيا وتتعاقد مع الصين علي إنشاء خط للقطار الكهربائي، وتبحث معها إنشاء طرق سريعة علي مسار محور التنمية.
الأخطر من هذا أن »‬مصر ٣٠ يونيو» عكفت علي ترميم الشروخ في الجدار العربي التي أحدثتها اليد الأمريكية، بالأخص في سوريا وليبيا، لتحول دون تفتت البلدين الشقيقين إلي شظايا، علي غير ما تتوق إسرائيل.
• • •
لا يستطيع صناع القرار الأمريكيون معاقبة مصر تعللا بالأسباب الحقيقية، وهي أنها تحرص علي استقلال قرارها، وتبني مشروعها الوطني للنهوض والتقدم، لذا كان لابد من اختلاق أسباب ملفقة، كانتهاك حقوق الإنسان، والتضييق علي منظمات المجتمع المدني، والتعاون المزعوم مع كوريا الشمالية، كذرائع لخفض المساعدات الاقتصادية والعسكرية لمصر لعام ٢٠١٦ وتعليق جزء منها، ولخفض هذه المساعدات بالذات في شقها العسكري بمبلغ ٣٠٠ مليون دولار لعام ٢٠١٨، وفقا لما دعت إليه اللجنة الفرعية للمساعدات الخارجية بمجلس الشيوخ، وقد تواكب هذا القرار - غير النهائي - مع صدور تقرير مليء بالأكاذيب تفوح منه رائحة المال السياسي، لمنظمة »‬هيومان رايتس ووتش» عن أوضاع حقوق الإنسان بمصر.
شخصيا.. لا أستطيع أن اتهم الرئيس الأمريكي ترامب بالخداع، حينما تكلم عن تقديره لنهج الرئيس السيسي وعن مساندته المطلقة لمصر في مسعاها لتحقيق التنمية ومكافحة الإرهاب، فقد سمعناه يقول نفس العبارات، في بداية حملته الرئاسية، وسمعناه يقولها في لقائه مع الرئيس السيسي في الأسابيع الأخيرة التي سبقت إجراء الانتخابات، مثلما سمعناه يتحدث بها ويزيد عليها خلال القمة المصرية الأمريكية بواشنطن في ابريل الماضي.
ربما كان هذا الموقف للرئيس ترامب، أحد أسباب اشتداد الحملة الممنهجة ضد مصر، سواء من جانب منظمات حقوق الإنسان والصحف الأمريكية أو من جانب أقطاب الحزب الجمهوري، فقد جاء ترامب علي غير رغبة النخبة السياسية والإعلامية في واشنطن، ومن خارج المؤسسة التقليدية حتي في داخل الحزب الجمهورية.
برغم ذلك.. يستطيع الرئيس الأمريكي، أن يضغط بنفوذ إدارته، وباللجوء إلي البنتاجون، لوقف تحول قرار لجنة المساعدات الخارجية بمجلس الشيوخ، إلي قرار للكونجرس، ووقف نفاذ هذا القرار حتي لو صدر استنادا لاعتبارات الأمن القومي.
ويستطيع لو أراد أن يعيد تصحيح توجيه مسار السياسة الخارجية، لتطابق الأفعال الأقوال، ولو خلال عمر إدارته.
• • •
غير إسرائيل ومؤسسات الدولة العميقة في الولايات المتحدة، هناك أصحاب مصلحة آخرون.
- ثمة من لا يريد لمصر أن تستصلح مليونا ونصف المليون فدان وتقيم مزارع عملاقة لتربية مليون رأس ماشية ولتربية ملايين الدواجن، فتستغني عن استيراد حبوب ومحاصيل ومنتجات غذائية منهم بل تنافسهم في تصديرها.
- ثمة من لا يريد أن تتحول مصر إلي قوة صناعية تغزو بمنتجاتها الأسواق العربية والأفريقية وغيرها، ويرغبون أن تظل مجرد سوق مفتوحة لمنتجاتهم، لا تصدر ولا حتي تكتفي ذاتيا من بعض الصناعات.
- ثمة من يؤثر عليه استعادة السياحة إلي مصر لعافيتها، خاصة وهي تنطلق في إقامة مدن سياحية كبري علي ساحلها الشمالي أهمها مدينة العلمين الجديدة، وعلي ساحلها الشرقي الممتد علي البحر الأحمر.

• • •
مهم أن نتبصر ونعرف أصحاب المصلحة في إفشال مصر، والذين لا يريدون لها النجاح.
لكن الأهم أن نعرف نحن ماذا نريد وأن نسير علي الطريق الذي يؤدي بنا إلي مقاصدنا، وأن نتحسب لما يحاك لنا ونحن نخطو، حتي لا ننعي بغفلتنا حظنا، ونلقي بالمسئولية علي المؤامرات وكأن نفاذها قدر محتوم.
نقطة البدء والمنتهي لتحقيق ما نريد، هي الاحتفاظ بقوة جيشنا واستمرار تحديثه كيفما نرغب ومن حيث ما نحتاج.
وأحسب الإنجاز الأكبر للرئيس عبدالفتاح السيسي بدأ مبكرا قبيل أن يترشح وينتخب ويتولي المسئولية، وهو في رأيي تجديد شباب الجيش المصري وتطويره إعدادا وتدريبا وتسليحا.
كان ذلك منذ تولي منصب القائد العام للقوات المسلحة يوم ١٢ أغسطس ٢٠١٢، فقد حرص علي أن ينأي بالجيش عن عواصف الحياة السياسية في ظل حكم الإخوان وأن يحصنه ضد محاولات التغلغل والاختراق ليبقي جيشا وطنيا خالصا، وأن ينفذ بكل هدوء وهمة ودون ضجيج الخطة الطموح لرفع كفاءة القوات المسلحة بكل أفرعها ومكوناتها لترقي الآن إلي المرتبة العاشرة بين جيوش العالم.
قوة الجيش، هي الأساس الذي يقوم عليه المشروع الوطني المصري.
بدونها لا صون لأرض، ولا ردع لإرهاب، ولا وجود لاستقلال قرار أو حرية إرادة. بدونها لا نهوض اقتصاديا، ولا بقاء لتقدم اقتصادي وإن حدث.
بدونها لا وزن في إقليم، ولا تأثير في منطقة، ولا صوت مسموعا في عالمنا.
لا بقاء بدون جيش قوي للدولة، في مهب أعاصير، وفي مواجهة مؤامرات.
لولا عقيدة الوطنية المصرية التي يعتنقها الجيش، وإيمانه بأنه ملك للشعب ورأس حربته في إنجاز مشروع البناء والتنمية، ما أمكن لنا بلوغ كل ما حققناه وفي زمن قياسي علي أرض مصر من أقصاها لأقصاها، والحصر يضيق مجاله.

• • •
مع قوة الجيش، ليس أمامنا لحماية اختيارنا بألا نكون قطعة حجر علي رقعة شطرنج، سوي العمل والعرق، في إنشاء مصانع ومزارع ومدن جديدة بمعدلات إنجاز عالية، مستفيدين بتجارب الأمم الأخري التي نهضت من وسط رماد الحروب، ومسلحين بعزيمة المصريين التي يذكرنا بها التاريخ القريب.
نحن نعرف ما نريد لبلوغ مشروعنا الوطني، وفي القلب منه بناء دولة مؤسسات لا تتغول فيها سلطة علي صلاحيات أخري، تنمو فيها الحياة السياسية وتنضج، بأحزاب قوية قادرة علي تفريخ الكوادر والقيادات، وبإعلام حر واع، تتسع فيه حرية التعبير ولا تضيق وتطل  عبره الاجتهادات الوطنية التي تنير الطريق والأفكار الخلاقة التي تذلل العقبات وتدفع المسيرة.
في مسيرتنا إلي حيث نريد وحسبما اخترنا، علينا أن نتحسب لمخططات تسعي لنقل مقاتلي ميليشيات داعش الفارين من العراق وسوريا إلي أرض مصر في سيناء أو الوادي إما مباشرة أو عبر دول مجاورة، علينا أن نتحسب لمؤامرات تستهدف ضرب السياحة عند بادرة استعادة عافيتها حتي لا تتدفق إيرادات النقد الأجنبي لتعيد الدولار إلي سعره الحقيقي أمام الجنيه، علينا أن نبادر بحملات وقائية خارجية في مواجهة حملة سياسية إعلامية تتصاعد وتهدف إلي »‬شيطنة» النظام المصري أمام الرأي العام العالمي، علينا أن نحذر من مساعي شق الصف الوطني وأن نعي في الوقت نفسه مخاطر الصوت الواحد، علينا ألا ننسي أن بيننا جماعة إرهابية تلتقي أوهامها مع مصالح الذين لا يريدون لنا النهوض، فلا نعطيها أي ثغرة تنفذ من خلالها لتفت في عضد الجماعة الوطنية.
• • •
ليس هناك نضال مجاني في مسيرة الشعوب. هناك ثمن لابد أن يدفعه من لا يقبل أن يكون دمية ذات خيوط أو قطعة صلصال طيعة، أو حجرا علي رقعة شطرنج، وما أرخصه من ثمن إذا كان المقابل استقلال قرار وحرية إرادة.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار