حكايات من زماني .. «عنتر اللَّطخ»(1)

من دفتر الأحوال

8/10/2017 6:22:11 PM  
35  
جمال فهمي  

من دفتر الأحوال

مرة من المرات التي استضافني فيها نظام الأستاذ حسني مبارك وولده في سجونه اللطيفة، كان ضمن زحام النماذج البشرية التي حُشرت معها خلف أسوار الحبس، رجل مسكين تتميز سماته الشخصية بخليط غريب ونادر يجمع بين الغباء الشديد وقدر معقول من الشر، لكنه شر مغلف دائما بشيء من عبط وسذاجة، فضلا عن الجلافة.
فأما جلافة صاحبنا هذا فقد كانت تتفاقم وتهيج أحيانا حتي تصير جموحا في هوج وطيش يدفعانه لاقتراف صغائر مفرطة في التفاهة لعل أشهر تجلياتها وأكثرها خبلا وكوميدية تلك الرغبة العجيبة التي تملكته فجأة ذات يوم، إذ قرر أن يفرض نفسه ـ غصبا وبقوة التباتة والغلاسة فحسب ـ شيخا ومؤذنا في سكان العنبر وأن يهبوا للصلاة خلفه كلما حل موعد إحداها (عدا الفجر لأنه يكون نائما) ولم تفلح كل محاولات رده عن هذا البغي الشنيع، وظل الأخ »عنتر اللَّطخ»‬ ينتفض جاريا عند باب العنبر ويلوث بالعافية مسامعنا بينما هو يرفع »‬جعورته» القبيحة جدا مؤذنا، بمجرد أن يسمع صوت ميكروفون جامع السجن يطقطق تمهيدا لإذاعة أذان الصلاة منقولا عن محطات الإذاعة !!
لعلك لاحظت في الفقرة السابقة لقب »‬اللَّطخ» الملتصق باسم هذا الرجل، ويهمني توضيح أن اللقب ذاك ليس رسميا ولا مكتوبا في شهادة ميلاد »‬عنتر» وإنما اكتسبه بجهده واجتهاده في الغباوة والحماقة، وقد كان للعبد لله ـ ولا فخر ـ شرف تتويجه »‬لطخا» ذات مساء عندما كان خاله الطيب قد زاره زيارة نادرة فجلس بهدوء ووداعة يحكي قصة دخوله السجن، وقد بدا الرجل صادقا جدا في الحكاية التي ملخصها أنه بدأ حياته العملية كهربائيا في إحدي الشركات، فلما تزوج ورزق عيالا كثيرة بدأ يشعر بضيق الحال، لهذا قرر المشي في أي سبيل لكي يحسن دخله ويوسع رزقه، وقد نظر الرجل حوله فلم يجد أفضل من العمل في بيع المخدرات.
 وهكذا عقد العزم علي أن يكون في الصبح كهربائيا وبعد الظهر »‬مخدراتيا» يشار له بالبنان، وبالفعل راح يبحث ويلطش ذات اليمين وذات اليسار إلي أن دله بعض أولاد الحلال علي تاجر مخدرات قطاعي يريد »‬سريحة» يسرحون بالبضاعة، غير أن التاجر لما قابله شك في قدراته فاكتفي بمنحه بضع قطع قليلة من »‬الحشيش»، ورغم أنه نبه عليه بضرورة الاحتياط، إلا أن »‬اللَّطخ» وقع من أول زبون وأول قطعة يبيعها، إذ تبين بعد فوات الأوان أن المشتري ليس إلا مخبرا مشهورا ومعروفا لدي أغلب سكان المنطقة عدا الأخ عنتر.
طبعا، دخل عنتر السجن بعدما سكعته المحكمة حكما بسبع سنوات فقط، لأن كمية المخدرات التي ضبطت بحوزته لم تكن كافية لإثبات تهمة الاتجار، وإنما تكفي جريمة »‬التعاطي».. أمضي الرجل مدة العقوبة هذه وخرج، ولكنه كان قد فُصل من عمله الكهربائي وباتت أوضاعه المادية »‬لا تسر عدو ولا حبيب»، لهذا ما أن استراح قليلا واغتسل ونام ليلته قرير العين في حضن العيال، حتي راح يسعي من جديد بحثا عن تاجر المخدرات القطاعي الذي تعاون معه يوما واحدا قبل أن يدخل السجن، بيد أنه لم يعثر عليه ولكن لحسن حظه أهدته الأقدار تاجراً آخر ظن أن عنتر موزع »‬لُقطة» فهو مُدَرب وجاهز ومعه شهادة »‬سوابق» رسمية، ولهذا منحه كمية ليست قليلة من الحشيش حتي يوزعها.. ولم يضيع اللَّطخ وقتا فانطلق إلي العمل فورا لاسيما وقد برز له في الطريق زبون ممتاز ابتاع منه نصف الكمية مرة واحدة، غير أنه لم يدفع الحساب بل قفشه من قفاه وجرجره إلي قسم الشرطة.. عندها تبين له أن الزبون هذا ضابط كبير في إدارة مكافحة المخدرات، اصطاده وصنع له قضية متكاملة الأركان أتسكع بسببها حكما جديدا بالسجن 15 سنة، ليس لأنه باع مخدرات ـ فهو لم يبع شيئا في الواقع ـ وإنما لأنه أحمق وغبي وحمار جدا.


الكلمات المتعلقة

شكاوى الأخبار