رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق || رئيس التحرير : خالد ميرى
مقالات

نداء للرئيس

عبد الحليم قنديل يكتب:

ربما لا يصح لأحد عاقل أن ينكر المعلوم بالضرورة، أو أن يتعامي عن ورشة عمل هائلة، تضم ما يزيد علي المليوني مهندس وفني وعامل مدني، يخوضون ملاحم إنجاز تحت إشراف وإدارة هيئات الجيش، وكل هذا مفهوم ومقدر، لكنه لا يؤثر بما يكفي في تعبئة شعبية محسوسة، والسبب ظاهر، وهو أن الإنجاز ليس مصحوبا بانحياز مكافئ لأغلبية المصريين المعانين من الفقراء والطبقات الوسطي، ولا باختيارات عادلة في السياسة والاقتصاد.
وقد لاحظ المراقبون أجواء الارتياح مع إخلاء سبيل مئات المحتجزين السلميين، وهو ما يتطلب مزيدا من قرارات الرئيس في السياق نفسه، وقد اعترف الرئيس السيسي مرارا بوجود مظالم هائلة في السجون، وشكل »لجنة الخمسة»‬ لإعداد قوائم المستحقين للإفراج، وكنا نتصور ولا نزال، أن تفكيك الاحتقان السياسي يحتاج إلي خطوات أكبر، تشمل استخدام صلاحيات الرئيس في تفريج كروب آلاف المسجونين السياسيين وأسرهم، ووضع خط فاصل بين الإرهاب والسياسة، وترك المتهمين بالإرهاب والعنف المباشر لمحاكمات عادلة، وإخلاء سبيل من عداهم في الوقت نفسه، وتبييض السجون من المتهمين بالتظاهر السلمي، مع إطلاق الحريات العامة، وإجراء الانتخابات بنظام القوائم النسبية لا المطلقة، و»جبر ضرر» أسر كل الضحايا فيما جري منذ ثورة 25 يناير 2011 إلي الآن، وبدون تمييز ولا استثناء سياسي، فالحقوق الإنسانية لا تقبل التجزئة، والبلد في أشد الاحتياج إلي وئام وطني متسع، وإلي تعبئة شاملة ضد جماعات الإرهاب المهزومة حتما.
وعلي نطاق أوسع، وأكثر تأثيرا في القواعد الاجتماعية الشعبية، فلا بد ـ فيما نري ـ من مراجعة جذرية لاختيارات الاقتصاد بالذات، خصوصا مع تبين الآثار الفادحة لروشتة ما يسمونه بالإصلاح الاقتصادي، وإحراق غالبية المصريين في أفران الغلاء، والزيادات الفلكية اليومية المحمومة في الأسعار، وبما يفوق طاقة احتمال تسعين بالمئة من الشعب المصري، ويضاعف مظاهر أزمة الاقتصاد المنهك، ويزيد من عجز الموازنة، ويفاقم عبء الديون الخارجية بالذات، مع الهلاك المحقق للجنيه المصري، وعودة جنون الدولار بعد نشر أوهام تراجعه، وتنصل صندوق النقد الدولي نفسه من النتائج الكارثية، وإعلانه عن خيبة توقعات الوصول لسعر عادل للجنيه المصري، وكشفه عن رفض الحكومة المصرية لإعادة فرض ضريبة الأرباح الرأسمالية في البورصة، وهو ما يظهر مدي التعنت الحكومي وانحياز السياسة الرسمية لمصالح الأغنياء علي حساب الفقراء والطبقات الوسطي، وتحميل الأخيرين وحدهم تكاليف وفواتير الإنقاذ المزعوم، فقد جري التراجع عن فرضة الضريبة الاجتماعية المضافة علي دخول المليونيرات والمليارديرات، وكانت قد تقررت بقانون للرئيس، وهو ما تكرر في تجميد »‬ضريبة البورصة» التي قررها الرئيس أيضا، وتتراجع الحكومة الآن عن نية إعادة دمغة الواحد في الألف علي تعاملات البورصة، وهو ما يعني إضاعة موارد هائلة علي الخزانة العامة، مع توحش ظاهرة التهرب الضريبي للكبار، وقد بلغ حجم التهرب الضريبي نحو 400 مليار جنيه سنويا، والرقم رسمي تماما، وأعلنه نائب وزير المالية لشئون الضرائب، والتأمل في الرقم يكشف هول المفارقة، فهو يساوي ضعف مبالغ الدعم التي يعايرون الناس بها، ويريدون التخلص منها بإجراءات متوالية، تضاعف أسعار السلع والخدمات العامة، وتدفع أوضاع البلد إلي جحيم اجتماعي، تتوالي نذره في انتفاضة الخبز واتساع رقعة الإضرابات العامة، وتهدد بعواقب وخيمة، وما من حل ممكن سوي بتحري العدالة والإنصاف، وإعادة توزيع الأعباء، ووقف الخطط المعدة للعودة إلي الخصخصة و»المصمصة»، وشن حملة تطهير لكنس مماليك الفساد في جهاز الدولة، واستعادة الأموال والأصول المنهوبة، وإنهاء نزيف التهرب من الضرائب والجمارك، ووقف برامج إلغاء الدعم الموجه للفقراء والطبقات الوسطي، وفرض »‬الضريبة التصاعدية» المعمول بها في كل الدنيا الرأسمالية، والتي تصل في دول متقدمة إلي ستين بالمئة علي الشرائح الأعلي، وليس 22.5% كما هو الحال في مصر الآن، وبدعوي تشجيع المستثمرين و»المستحمرين»، وتلك أوضاع غاية في الشذوذ، تزيد من دواعي السخط العام، وتدخل المصريين في دوائر إحباط مفرغة، لا سبيل للخروج منها بغير إقرار قواعد العدالة الاجتماعية، والاتجاه إلي تصنيع شامل مدني وحربي، هو وحده الكفيل ببناء مصر الجديدة، وصياغة اقتصاد إنتاج، وليس اقتصاد التسول والفهلوة والتهليب ودهس غالبية المصريين.
وباختصار، نريد نظاما لا ركاما في اختيارات الاقتصاد، وليس العودة إلي »‬تجريب المجرب» المخرب، ولا إلي فوضي تناقضات لا تنتهي، تقوض بفسادها كل أثر شعبي لإنجازات الرئيس السيسي، وهو ما يدفعنا للتوجه إليه بنداء التصحيح العاجل.


عدد المشاهدات : 1391

الكلمات المتعلقة :