رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق || رئيس التحرير : خالد ميرى
مقالات

السيد ياسين: الأفكار أبداً لا تموت

vp@must.edu.eg د. محمد السعدني يكتب:

يكاد يكون عمر الفكر من عمر الإنسان، فما تقدمت البشرية ولا صنعت حضارتها وطورت معارفها وثقافتها دون الفكر والعلم والمعرفة والاختراع. والفكر بطبيعته كما البحث العلمي عمل تراكمي يمكنك أن ترصد بداياته علي أنك لامحالة غير مدرك لنهاياته، الفكر متجدد وتلك طبيعته، علي أنه أبداً لا يموت. من هنا يمكننا أن نرصد بدايات مفكرنا الكبير العلامة البحاثة السيد ياسين، وليس لنا أو لغيرنا إلا أن نسلم بقضاء الله سبحانه، بأن الرجل انتقل إلي بارئه بينما ستصاحبنا وأجيالنا القادمة لا أقول ذكراه الطيبة فحسب، وإنما أفكاره وأبحاثه والأهم منهجه العلمي في التحليل والاستقراء والاستنباط والقياس والاستدلال ومعالجة النتائج وتقديم الرؤي والأفكار والنظريات. مات السيد ياسين لكنه باق بيننا بأفكاره ودراساته ونهجه وإنسانيته وذكري شخصه المتواضع الجاد الودود. السيد ياسين مدرسة علمية عصرية ورصينة، فليس كل ما اتصف بالعصرية تضمن رصانته فكثير من المدارس الفكرية العصرية والتي رغم حداثة آلياتها ومناهجها لم تقدم في كثير من نواتجها وعطاياها ما يمكن الاحتجاج برصانته وأصالته. عرفته علي الورق، وعرفته عبر اشتباك الأفكار من مقال له ومقال مني للرد علي أفكاره، وعرفته ونحن نحتسي القهوة مرات قليلة سواء في مكتبه بمركز الدراسات الاستراتيجية والسياسية بجريدة الأهرام، أو بمكتبي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. ولا أنسي أنه كان صاحب الفضل بالمبادرة بالاتصال بي بعد أن نشرت في الأهرام أكثر من دراسة عن السياسات الأمريكية، والبريطانية، ثم مشكلات الثقافة والإدراك لدي النخبة والجماهير، وصدرت المقالات في الأهرام ممهورة بشعار مجلس الدراسات الذي كان هو مستشاره في ذلك الوقت بينما خلفه في رئاسته الدكتور عبد المنعم سعيد. كانت حفاوته بي بالغة في مكتبه، وأشار عليَّ وقتها أن أقوم بتحويل الدراسة الأخيرة إلي كتاب لما تشكله من أهمية يراها سيادته بالغة وحالة وضرورية خصوصاً فيما أسماه ساعتها علم نفس العلاقات الدولية.
كان السيد ياسين من قلائل الباحثين في العالم الذين يرون أن هناك علماً اجتماعيا واحداً وتخصصات مختلفة، ربما أخذته نحو نظرية المعرفة وتطبيقاتها أو العلوم السلوكية أو العلوم السياسية وعلم النفس العام، وهو من أول من تحدثوا ودرسوا ظاهرة البيروقراطية المصرية باعتبارها رافداً من روافد تنظيم العمل، وقدم لنا شروحاً علي نماذج تطبيقية لأفكار إيميل دوركايم وقواعد المنهج في علم الاجتماع وتقسيم العمل الاجتماعي، وقدم لنا مدارس فلسفية في مقاربات عربية يمكن للواقع الاجتماعي المصري والعربي الاستفادة منها. كانت رؤياه النقدية لعطالة العقل الاجتماعي العربي ليست من قبيل عصاب جلد الذات أو الدونية المعرفية وإنما كان إيمانه عميقاً بقدرتنا علي التقدم والنهضة، ولقد ساعده في ذلك عمله الأسبق لمدة ثمانية عشر عاماً في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي أسسه العالم الكبير دكتور أحمد محمد خليفة. انتقل بعدها إلي مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية حين أسسه الأستاذ محمد حسنين هيكل 1968علي غرار مركز البحوث الاستراتيجية في لندن. وكان صاحب فكرة إصدار أول تقرير استراتيجي عربي عام 1978 وظل التقرير يصدر لمدة ثلاثين عاماً كأهم إصدار عربي يشرف عليه السيد يس ثم تولي رئاسة تحريره كبار الباحثين في الأهرام. بعدها أعاد تأسيس المركز العربي للبحوث والدراسات في 2012، وكان من أهم إصداراته » الدولة التنموية: رؤي نقدية للمشكلات وسياسات بديلة»‬، ولرقة الرجل وجمال أفكاره آثر أن يزورني ليقدمه لي بنفسه في مكتبي ويطلب مني أن أكتب رؤية نقدية عن الكتاب، فقد كان رحمه الله مجاملة منه يري أني أملك فكراً وقاداً بتعبيره وقلماً فريداً بنص كلماته وقدرة علي مخاطبة الخاصة والعامة في آن..مع القهوة السادة الغامقة بالحبهان كما اعتاد كلانا أن يشربها دار الحوار، وبخفة ظله المعهودة، علي الأقل بيننا، قال: إيه أخبار الانتلجنسيا يا دكتور، لسه حائرة برضوا؟ رشفت القهوة ومحيرانا معاها سيادتك. سؤاله الذكي كان إشارة إلي مقالي في الأهرام من أكثر من عشر سنوات بعنوان »‬ مشهد مأزوم وانتلجنسيا حائرة» يومها أبدي إعجابه بالمقال والتشريح العلمي الذي قدمته لأزمة النخب المصرية »‬ الانتلجنسيا». وسرعان ما راح بنا الحديث إلي مشكلاتنا الحالية والطارئة وخطورة الوضع العربي بشكل عام والمصري بوجه خاص والفجوة المتزايدة بين الشعب والحكومة وتداعياتها علي منسوب الرضا العام علي نظامنا السياسي وعدم كفاءة النخب جميعها حكومة ومتنفذين وأحزابا ونقابات وإعلاما وشبانا »‬ شبان كلمة عربية صحيحة تعني جمع شباب وشابات، وأتعجب ممن يهجرونها في الكتابة». تطرق الحديث إلي لقائه الأخير مع الرئيس وحواره الصريح معه وإشادته بقدرة الرجل علي الاستماع واحترام آراء الآخرين، وأثني علي البرنامج الرئاسي للشباب وشبهه بـ »‬ المدرسة العليا للقيادات» التي أسسها نابليون في فرنسا وخرجت كفاءات تتولي المسئولية العامة التي وضعت فرنسا في مكانتها الأوربية والدولية المرموقة، علي خلاف مسئولينا ووزرائنا ومحافظينا الذين يمتازون في غالبيتهم بعدم الكفاءة وضحالة الخبرة والرؤية السياسية، إلا القليل منهم ممن رحمهم ربي.
تطور فكر السيد ياسين عبر سنوات خبرته الطويلة وعمره المديد من توجهات ماضوية اعتنق فيها بعض الوقت فكراً إخوانياً مأزوماً، لكن سرعان ما تباعد عنه وعافته نفسه الأبية، وكيف لا يفعل وهو السيد ياسين المفكر والذي لا يمكن أن يكون ضمن زمرة تعادي العقل وتجافي الفكر ولا تدين إلا بالسمع والطاعة.. قدم لنا السيد ياسين عبر مسيرته وفي كتبه ومؤلفاته ومقالاته دراسات قيمة وقيمية ونوعية رفيعة عن الشمولية والسلطوية والليبرالية، وعن أزمة النظم الديمقراطية المعاصرة عالمياً في ظل العولمة التي قدم عنها دراسات مستفيضة، وأول مرة قرأت فيها عن مصطلح »‬ الاستجابية الاجتماعية» بديلاً أو مكملاً للتمثيل النيابي كان من السيد ياسين، ولعله أصل في دراسته تلك لحركة يقظة الضمير العالمي ضد تجاوزات العولمة في بورتوأليجيري وسياتل وجنوا حينما خرج المواطنون الغربيون يعلنون تعاطفهم مع قضايا العالم الثالث وتجاوزات آلة الهيمنة الأمريكية والثمانية الكبار والممارسات الإسرائيلية في الأرض المحتلة. كتب كثيراً عن سوء الإدراك عند النخب السياسية الحاكمة‏.، وتداعياتها علي ضعف وهشاشة الدولة التي يري أنها لابد حتي يعتدل ميزانها أن تتحول إلي »‬الدولة التنموية لا السلطوية». وفي ذلك حديث آخر.
رحم الله فقيد الفكر والعلم والمعرفة وعوضنا عن غيابه ما تركه لنا من رصيد معرفي، فالفكر أبداً لا يموت.

عدد المشاهدات : 1481

الكلمات المتعلقة :