رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير: ياسر رزق
مقالات

من دفتر الأحوال

فساد الجمهور شخصيا

جمال فهمي

2/15/2017 6:34:10 PM

مشهور جدا أن الإبداع الإنساني عموما وفي الأدب والرواية خصوصا (فضلا طبعا عن الفلسفة)، تناول ورسم معالم "المدينة الفاضلة" أو تلك الـ"يوتوبيا" utopia التي تنعم فيها الجماعة البشرية بحياة مثالية تظللها قيم الحق والخير والجمال والحرية والعدالة والمساواة..إلخ.
لكنني أظن أن كثيرين ربما لا يعرفون أنه في الأدب الحديث والمعاصر هناك أعمال روائية كثيرة أغلبها حقق نجاحا جماهيريا كبيرا، كان موضوعها عكس اليوتوبيا تماما، أي ما يسميه النقاد أدب "الديستوبيا" dystopia أو "المدينة الفاسدة" حيث المجتمع والجمهور نفسه العائش فيها انحط وفسد وهبط إلي قاع مستنقع البؤس المادي (الاقتصادي) متواكبا مع سوء أخلاق عمومي وفقر في العقل والثقافة، فتبدو الرحمة مسحوقة أمام القسوة والجلافة، كما أن النبل والرقي يخفتان وينسحقان أمام النذالة والخداع والكذب.. تستطيع عزيزي القارئ أن تنظر حولك، وستجد آيات ومظاهر لا تكاد تُعد أو تحصي لتلك "الديستوبيا" التي خلفتها عقود طويلة من الظلم الاجتماعي والقهر السياسي في مجتمعنا.. ستجد تجليات الفساد المجتمعي العام في كل مكان وأي اجتماع، في الشارع، في السوق، في عمارتك، في نقابتك.
في ثلاثينيات القرن العشرين كتب الروائي الأمريكي هوراس ماكوي رواية خطيرة نشرها تحت عنوان "إنهم يقتلون الجياد.. أليس كذلك؟"، وقد ذاع صيتها وطبقت شهرتها الآفاق بعدما قام المخرج الكبير سيدني بولاك (1934 ـ 2008) بنقلها إلي الشاشة الفضية في فيلم بالاسم نفسه.
الرواية التي صدرت في عز أزمة الرأسمالية الأمريكية والركود الذي عصف في نهاية عشرينيات القرن الماضي باقتصاد البلاد، تفضح الوحشية التي تلون سلوك الجمهور عندما يعم البؤس وتستفحل المعاناة في مجتمع يمجد الربح علي حساب كل شيء بما في ذلك الحياة الإنسانية نفسها.
الحكاية تبدأ بإعلان عن مسابقة للرقص جائزتها 1500 دولار تمنح لمن يبقي صامدا يرقص حتي النهاية في حفلة طويلة أقامها منظموها في حلبة دائرية يحيط بها جمهور مهووس جاء ليتفرج علي متسابقين غلابة يحلمون بالحصول علي مبلغ الجائزة، وفي سبيل تحقيق هذا الحلم لا يأبهون بأنفاسهم التي تتقطع وقلوب بعضهم التي تتوقف فعلا من فرط الإجهاد، ويبقون يعاندون ويقاومون حتي الموت.
في خضم هذا الكفاح العبثي المحموم ووسط الصراخ والضجيج الذي يحدثه جمهور المتفرجين المخمورين بلذة الفرجة علي معاناة بشر مثلهم يسقطون علي المسرح واحدا تلو الآخر، يقرر النصابون المنظمون للمسابقة تغيير شروطها، وإضافة شرط جديد هو أن يتزوج كل متسابق رفيقته في الرقص، لكن بطلة الرواية (والفيلم) ترفض هذا الشرط وتعتبره إمعانا في الإهانة والذل، لاسيما أن مسؤول الحفل كان أبلغها وباقي زملائها بأنه سوف يتم خصم نفقات المسابقة من مبلغ الجائزة.. يعني باختصار، لن يتبقي شيء يستحق كل هذا الذل وكل تلك المعاناة.
تنسحب البطلة ورفيقها من الحلبة وهي في حال رهيبة من الحزن واليأس، فلقد راهنت علي ربح هذا السباق ونسجت خيالات وأحلاما رائعة، أن تخرج من فقرها وعوزها بالمبلغ الذي ستحصل عليه في نهايته، غير أن الأحلام كلها تبددت وأجهضت، لهذا تصارح رفيقها في العذاب الراقص، أنها لم تعد تريد الحياة، ثم تعطيه مسدسا لكي يقتلها.
يحاول الشاب من دون حماس كبير إقناعها بالعدول عن الموت، فتقول له: يا عزيزي كل هذا الصراع لا جدوي منه، انهم عادة يقتلون الجياد المسكينة العاجزة من أمثالنا، فهيا اقتلني.. هنا يتذكر البطل مشهد جده وهو يقتل حصانه العاجز، فيضغط علي الزناد وتنطلق رصاصة إلي رأس زميلته فتسقط ميتة.

عدد المشاهدات : 822

الكلمات المتعلقة :