رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق || رئيس التحرير : خالد ميرى
مقالات

إبراهيم عبد المجيد يكتب

جائزة ساويرس والمجتمع المدني

إبراهيم عبد المجيد

حضرت حفل توزيع جوائز ساويرس الأدبية الأخير يوم الإثنين الماضي بدار الأوبرا. ولمن لا يعرف من القراء جائزة ساويرس هي جائزة أنشأها المهندس سميح ساويرس منذ اثنتي عشرة سنة مخصصة لفني الرواية والقصة القصيرة وبعد ذلك اتسعت لتشمل فن المسرح وفن السيناريو والنقد الأدبي. ولقد اتسمت الجائزة عبر سنواتها الإثنتي عشرة بالصدق والمصداقية والنظر في أعداد المتقدمين إليها كل عام يلاحظ ازديادهم خاصة وهي تنقسم إلي فرعين. فرع الشباب تحت سن الأربعين وفرع كبار الكتاب. منذ عامها الأول والاحتفال بتوزيع الجوائز يتم في دار الأوبرا مشمولا بحفل موسيقي وغنائي - كانت الفنانة الجميلة دينا الوديدي هذا العام نجمة الغناء بعد توزيع الجوائز وقبلها عدد من شباب الموسيقيين - مما يجعل المكان متسعا وساحرا. كتبت منذ العام الأول للجائزة أن هذا العمل من أعمال المجتمع المدني الذي يجب تشجيعه وأن الثقافة والإعلام والفنون والتعليم قبل يوليو 1952 قامت علي أكتاف المجتمع المدني وظهرت أجيال عظيمة من الكتاب والفنانين في غني عن إعادة أسمائها لكم فأنتم تعرفونها وكانت مصر في ذلك الوقت أم الدنيا ليس لقدم تاريخها ولكن لأنها كانت مرفأ المهاجرين من البلاد المختلفة الباحثين عن الأمن والأمان هربا من بطش حكام تلك البلاد فكانت مصر ملاذا للأرمن والأكراد واليهود والشوام فضلا عن اليونانيين والإيطاليين والقبارصة والفرنسيين ومن تشاء وكلهم كانوا بناة للوطن لاتزال آثارهم بيننا في العمارة والفنون والأفلام القديمة فضلا عما تذخر به دار الكتب من مجلات وصحف. بعد ثورة يوليو بدأ الخروج الكبير شيئا فشيئا لهؤلاء جميعا مرة بسبب التأميم ومرة بسبب الفكرة الإسلامية منذ السبعينات بالذات التي جعلت من الآخر عدوا ووصلت بنا وبالعالم العربي إلي ما وصلنا إليه.
 لكن عاد المجتمع المدني مع المصريين منذ الثمانينات وازداد وأصبحت هناك جمعيات خيرية كثيرة وجمعيات حقوقية وجمعيات فنية وثقافية إلي غير ذلك من الجمعيات. كلها تعمل في إطار القانون الموجود لكن الدولة فجأة رأت أن هذه الجمعيات ممولة من الخارج وتعمل ضدها فبدأت بالجمعيات الحقوقية وصادرت أموالها ومنعت أصحابها من السفر ولم تقدم لنا دليلا واحدا علي خطأ قانوني فيما يخص المال والأموال. لكن طبعا هذه الجمعيات تدافع عن المتهمين السياسيين وغيرهم وهذه هي القضية. نري فقط حديثا عن أنها جمعيات ممولة من الخارج بينما التمويل يدخل تحت القانون القائم الذي يجعل من وزارة التضامن رقيبا علي كل شيء. ولم يمتد عمل الدولة إلي الجمعيات الدينية التي تتلقي المليارات من الخليح ونسمع ونري أفعالها وشعاراتها التكفيرية حولنا كل يوم. طيب ما الذي ذكرني بهذا الكلام ؟ ليست الجائزة لكن حضور السيدة غادة والي وزيرة التضامن إلي الحفل وكلمتها الراقية عن أهمية الجائزة التي هي من عمل المجتمع المدني وأهمية المجتمع المدني. كنت أسمعها وأندهش طيب ولماذا حصار المجتمع المدني في الأمور الأخري وهو يستطيع أن يفعل مثل ما فعلته مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية أيضا أو يفعل أنشطة ثقافة أخري. لماذا نسمع عن مناقشة قانون جديد للجمعيات الأهلية سوف يحاصر عملها ويؤدي إلي إغلاقها وأن هذا القانون لا ينظر إلي أي شيء تفعله الجمعيات غير أنها ممولة وعندها فلوس كتير وأنكم حتي لا تنتظرون صدور القانون إذا كان في القديم ما لا يكفي للرقابة فغير القضايا والمصادرة أغلقتم أربع مكتبات أقامها الحقوقي جمال عيد.
لماذا يحدث ذلك في الوقت الذي نقرأ فيه عن جمعيات أهلية تساهم في تطوير العشوائيات والقري في الوقت الذي إذا ساهمت الدولة قدمت عملا غير مكتمل. ونسمع ونري فعل »مؤسسة أهل مصر لعلاج الحروق»‬ للسيدة العظيمة هبة السويدي التي قامت بدور كبير رائع في علاج مصابي ثورة يناير في داخل مصر وخارجها والتي رغم ما ألم بها من ألم وحزن لفقد أحد أبنائها تفتح باب الأمل للآلاف في العلاج ببناء مستشفي سيكون علامة في علاج الحروق. لماذا تريد الدولة أن تمسك بكل مفاصل الحياة في الوقت الذي تتم فيه مهاجمة الفترة الناصرية باعتبارها فترة ديكتاتورية ومركزية علي الرغم مما قدمته من مشروعات وشركات تم بيعها لأصدقاء النظام الحاكم ليخربها في الفترة غير الديكتاتورية وغير المركزية كما يقال - والعكس الحقيقة صحيح - وأعني بها الفترة بعد عبد الناصر. هل تريد الدولة - من الآخر يعني - أن تحصل علي أموال الجمعيات بنفسها لتصرفه هي بطريقتها فتصرف ألفا علي ما يساوي قرشا كما يحدث في مشروعاتها مثلا. أو تريد كما ضيقت علي الجمعيات الحقوقية وصادرت أموالها أن تفعل ذلك بالجميع وترتاح منهم. طيب وهل ستكون الدولة مثل عبد الناصر قادرة علي التنمية. رغم معرفتي بخطأ الناصرية الكبير وهو حكم الفرد لكن في الستينات وحتي الهزيمة عام 1967 كان هناك مدرسة تبني كل أسبوع ومصنع كل عشرة أيام وكتاب كل ست ساعات وازدهر المسرح والسينما والفن عموما. هل نري أي دليل علي شيء قريب من ذلك أمامنا؟. كنت أود بعد أن أنهت الوزيرة كلمتها أن أتقدم نحوها وأقول لها يا سيدتي لماذا تريدون القضاء علي المجتمع المدني وتنظرون إلي أمواله قبل أفعاله؟. لكن طبعا لم أفعل ذلك لأنها ليست وحدها إنما هي وتر في عجلة النظام كله الذي يريد أن يجعل كل شيء بيده وسينتهي الأمر بأن يفلت كل شيء من يده للأسف وتدخل البلاد في فوضي.

عدد المشاهدات : 2820

الكلمات المتعلقة :