رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير: ياسر رزق
مقالات

من دفتر الأحوال

خطورة أن يكون عندنا »برلمان«

جمال فهمي

1/11/2017 6:39:42 PM

 هل استغربت العنوان المشعلق أعلي هذه السطور؟
إذا كنت استغربته، لأنك ممن لم يستشعروا بعد الخطورة من وجود برلمان في بلادنا، فإنني أرجوك أن تصبر قليلا، فقد تقنعك سطور هذا المقال بأن اختراع البرلمانات قد لا يحمل دائما الخير.. بل ربما يؤدي "استعماله" أحيانا إلي مشاكل يلامس بعضها حدود الكوارث شخصيا.
طبعا يضيق المجال عن سرد كل محطات الرحلة الطويلة التي قطعها العقل البشري لكي يصل إلي ابتكار نظام الحكم الموصوف الآن بأنه "ديموقراطي"، هذا النظام الذي تتوزع فيه السلطة في الدولة علي ثلاث مؤسسات رئيسية مستقلة عن بعضها، أولاها السلطة التنفيذية، ثم السلطة التشريعية، والثالثه سلطة القضاء.
السلطتان الأولي والثانية تستمدان شرعيتهما من جمهور ناخبين تمتعوا قبل أن يتوجهوا لصناديق الاقتراع، بحقوق وحريات واسعة تؤهلهم للقيام بعملية الاختيار من بين متنافسين مختلفين تجادلوا وتصارعوا سلميا وعلنا، ببرامج وخطط وشعارات سياسية واضحة ولها معني.. ثم بعد أجل قصير نسبيا ومعلوم مسبقا، يتجدد التنافس الانتخابي ويعاود الجمهور الاختيار.
هكذا يفترض أن تدور الآلة الديموقراطية، بحيث يأتي منتجها قريبا من الهدف الأصلي وراء ابتكارها، ألا وهو التعبيرعن طموحات وآمال ومصالح الأغلبية من أعضاء المجتمع.. فإذا اختل أو تعطل شرط من شروط صناعة هذه الآلة، داهم المجتمع خطرا حقيقيا.
طيب، ماذا حدث ويحدث الآن عندنا؟.. من حيث الشكل، لدينا حاليا مجلس نيابي يبدو مستوفيا من حيث "الصورة" شرط الانتخاب من الجمهور، غير أن آداءه خلال أكثر من عام يشي بمشكلة عميقة لها علاقة بظروف ميلاده، خصوصا ما يتعلق ببؤس البيئة التي تنفس فيها الناخبون، لهذا رأينا هذا المجلس يتحفنا بآيات نادرة من المشاكل (بعضها يلامس حدود المآسي) وتحت ظلاله باتت حياة المصريين أكثر صعوبة ووقفوا فعلا علي حافة هاوية اليأس التام.
لقد كتبت هذه السطور كلها، ليس لكي أبحث في أصل الداء الذي تسبب في ولادة برلماننا الحالي وهو يعاني من تيار قوي يتمترس داخله ويشله تماما ويعوقه عن مجرد الاقتراب من وظيفة التعبير بالتشريع أو بالرقابة عن مصالح الأغلبية الساحقة من فئات وطبقات المجتمع المصري، ولكني أكتب فقط لكي ألقي الضوء علي "عينة" من العقول التي تسربت إلي سلطة التشريع في بلادنا، فكان ما كان.
لقد اخترت من بين عشرات الأمثلة والحوادث التشريعية التي داهمتنا علي مدي عمر مجلس النواب، أحدثها وأكثرها سباحة في فضاء اللامعقول، إذ سمعت بأذني ورأيت بعيني مساء يوم السبت الماضي نائبا مبجلا يتحدث علي شاشة إحدي الفضائيات عن "افتكاساته التشريعية" العجيبة، وبعد شرح طويل لأخطرها وأكثرها حساسية وتهديدا لاستقرار حياة الملايين من المصريين، انتقل النائب الموقر إلي "افتكاسة" خرافية، لكنه وصفها بـ"الواقعية"، خلاصتها ـ كما قال نصا: "أن نكون واقعيين و(نسلم) بأن الأراضي الزراعية القديمة (التي صنعها النيل الخالد علي مدي عشرات آلاف السنين) ح تتآكل ح تتآكل".. طيب ماذا نفعل وما الحل؟ يجاوب معاليه مقترحا: اتخاذ قرار حاسم "بتبوير أراضي الدلتا الزراعية كلها (عمدا) وتحويلها لأراضي بناء"، سوف تباع بملبغ قدره سيادته بحوالي "تريليون جنيه، تحصل الحكومه منه علي 20 في المائه (200 مليار جنيه) تنفقهم علي نقل منظومة الري الحالية (ترع ومصارف وخلافه) من الوادي القديم إلي الصحراء، واستصلاح أرض بديلة للدلتا" التي تخلصنا منها.. وبهذا تنتهي المشكلة من دون وجع قلب كتير!!!
هل يحتاج هذا الكلام الخرافي لتعليق؟ وهل عرفت حضرتك خطورة أن يكون لدينا برلمان يسكن فيه نواب من هذا النوع؟!

عدد المشاهدات : 1609

الكلمات المتعلقة :